Friday, 17 July 2009

يوميات أخبار اليوم

الأحد:

هل ستقوم حرب جديدة فى الشرق الأوسط؟

سؤال لم أسمع غيره طوال هذا الصباح.

وكانت هناك عوامل كثيرة تضفى عليه ومن حوله، جواً خاصاً مشحوناً بإيحاءات الاحتمال!

من هذه العوامل الكثيرة، نشيد التهديد، الذى راح بن جوريون، فى البرلمان الإسرائيلى، وراحت جولدا مائير فى تصريحاتها إلى الصحف العالمية، وراح أبا إيبان فى أحاديثه فى أروقة الأمم المتحدة ذاتها، ينشدونه جماعة واحدة، بينما أصداؤه المعبأة بالنذر تتردد وتتجاوب بين تل أبيب وباريس ولندن.. ونيويورك!

ومن هذه العوامل الكثيرة أيضاً، أنه بمحض الصدفة وحدها، يقوم الجيش المصرى الآن بمناورات واسعة النطاق، ومن هنا استمرت بعض التحركات العسكرية فى القاهرة إلى قرب الفجر، وكان الناس وقد استيقظوا لتناول طعام السحور، يراقبونها باهتمام، ويتابعون فى جد طوابيرها المسلحة قادمة تحت جنح الظلام من أماكن مجهولة أخرى!

ثم ينهض الناس فى الصباح.

وتطالعهم الصحف بأنباء نشيد التهديد المتصاعد من الناحية الأخرى من خط الهدنة.

ثم تعود بهم الذاكرة إلى التحركات التى رأوها فى هذه الناحية قبل الفجر.

ثم يكون سؤالهم.. هو ذلك السؤال:

- هل ستقوم حرب جديدة فى الشرق الأوسط؟!

ورأيى، وأرجو أن تثبت الأيام أنى لم أكن متمادياً فى خطأ، أننا لسنا على أبواب حرب جديدة، سريعة، فى الشرق الأوسط. ولقد وضعت خطاً تحت كلمة سريعة، ذلك لأن خطر قيام الحرب، سيظل قائماً فى الشرق الأوسط، ما دام مصنع المتاعب الذى اسمه إسرائيل، باقياً يملأ أسواق هذا الشرق بمنتجاته من المشاكل، والمصاعب.. والمصائب!!

إنما الذى أقول أننا لسنا على أبوابه هو خطر حرب داهمة فى الشرق الأوسط خلال أسبوع أو أسبوعين، أو شهر أو شهرين... ومع ذلك من يدرى؟!

تحفظ لابد أن أضعه، لأن أحداً لا يقدر ولا يملك، أن يصدر أحكاماً عن المستقبل المخبئ فى الغيب، حتى وإن كانت هذه الأحكام... مجرد آراء وأفكار.

وليس معنى أننى لا أتوقع حرباً سريعة فى الشرق الأوسط... أننى أتصور أن الهدوء والسلام والصفاء عادت جميعاً إلى هذا الشرق الأوسط... وأن الانفجارات العنيفة التى زلزلت آفاقه قد تلاشت إلى الأبد فرقعاتها.

لا...

ليس هذا هو المعنى الذى أقصده.

وإنما الذى أقصده أن هذه الانفجارات ستظل على الأرجح، انفجارات متباعدة متفرقة، ولن تتحول إلى دمار شامل!

ستظل هذه الانفجارات لأن هناك قوى كثيرة تتصور أن مصلحتها أن تظل هذه الانفجارات، وتتصور أن عودة الهدوء والسلام والصفاء إلى الشرق الأوسط آخر ما يناسب أغراضها.

ومن هذه القوى إسرائيل، التى لا مصلحة لها فى هدوء وسلام وصفاء، لأن هذا الهدوء والسلام والصفاء، لن يمكنها من جمع أى تبرعات لمساعدتها على أساس أنها إسرائيل الصغيرة المسكينة... المحاطة من كل ناحية بغيلان العرب!

ومن هذه القوى فرنسا، التى لا مصلحة لها فى هدوء وسلام وصفاء، لأنها تؤمن أن انتصارها فى استعمار الجزائر ينبغى أن يسبقه انتصار على القومية العربية فى الشرق الأوسط، يكسر شوكة المجاهدين هناك، ويفت فى عضدهم، ويقطع عنهم العون، ويفقدهم الأمل!

ومن هذه القوى بريطانيا، التى لا مصلحة لها فى هدوء وسلام وصفاء، لأنها تريد أن تثبت لأمريكا، وللعالم كله، ولضميرها الذى يؤرقه عذاب الإحساس بالجرم، أن الأمم المتحدة أعجز من أن تستطيع مواجهة المشاكل فى الدنيا، وبالتالى أن بريطانيا كانت على حق حينما لجأت إلى القوة لتفرض رأيها على مستقبل قناة السويس!

ولكن هذه الانفجارات، ستظل، وبرغم هذا كله، متباعدة متفرقة ولن تتحول إلى دمار شامل، لأن هناك عوامل أقوى من إسرائيل وفرنسا وبريطانيا، تحكم الموقف وتسيطر عليه!

ومع ذلك فأنا أضع يدى على قلبى خشية ما هو أكثر، وأشد هولاً من مجرد قيام حرب جديدة فى الشرق الأوسط.

أضع يدى على قلبى خشية حرب عالمية ثالثة... وأخيرة من غير شك.

حرب بالقنابل الذرية، والهيدروجينية، والصواريخ الموجهة.

هذا هو الخطر الحقيقى الذى بدأ يلقى ظلاله على الكرة الأرضية كلها!

إن الإنذارات التى توجهها روسيا كل يوم، إلى الدول التى تسمح لأعداء روسيا بإقامة القواعد الحربية على أرضها هى فى رأيى أكثر من مجرد حرب أعصاب، تتخذ التهويل وسيلة إلى "التهويش"!

هذه الإنذارات الموجهة إلى النرويج، وألمانيا وبريطانيا، وتركيا، واليابان، وغيرها من دول أوروبا ودول الشرقين الأوسط والأقصى التى اشتركت فى الأحلاف العسكرية... هذه الإنذارات تثير فى نفسى قلقاً ليست له حدود!

إنها أكثر من إنذارات... إنها نذر.

نذر بأن "الساعة" تقترب.

"الساعة" التى تلتقى فيها البشرية كلها وجهاً لوجه بحرب ذرية!

"الساعة" التى حاول عدد من "الأفراد"، وعدد من "الشعوب" أن يحولوا بكل طاقتهم دون وقوعها!

إن علماء الغرب، الذين ساعدوا روسيا فى الحصول على أسرار القنبلة الذرية لم يكونوا خونة... ولا كانوا مجرمين.

وإنما هؤلاء العلماء - مهما كان الرأى فى تصرفهم - فعلوا ما فعلوه وفى رأسهم فكرة..

لقد انتابهم بعد قنبلة هيروشيما... القنبلة الذرية الأولى التى أدت إلى استسلام اليابان - شعور رهيب بالخطيئة.

إنهم توصلوا إلى سلاح رهيب... وضع أخطر قوى الكون... فى خدمة المطامع والشهوات التى تؤدى إلى الحروب..

ولم يكن فى طاقة هؤلاء العلماء أن يستردوا ما أعطوه.

ومن هنا نشأت فكرة توزيع العطاء وإباحة السر.

وكان تقدير هؤلاء العلماء أنه إذا بقى احتكار الأسلحة الذرية لدولة بعينها فإن ذلك إغراء لها باستعمال هذا السلاح فى إخضاع الدنيا بأسرها.

وكان هدف هؤلاء العلماء خلق نوع من التوازن بين أمريكا وروسيا، كان فى تصورهم خير ما يحقق السلام على الأرض، لأنه إذا عرف كل فريق، أن الفريق الآخر يملك من أمر السلاح المخيف نفس ما يملك هو... تردد ألف مرة قبل أى مغامرة!


ولقد أدركت هذا الاتجاه لأول مرة ذات يوم من أيام شهر نوفمبر سنة 1952، وكنت أتمشى فى حديقة جامعة برنستون الأمريكية، أتحدث مع العالم المشهور أينشتين أستاذ العلوم الطبيعية فى جامعة برنستون، والرجل الذى فتح الأبواب للذين صنعوا القنبلة الذرية.

وقال لى أينشتين يومها وهو يدوس بقدميه على أوراق الخريف الجافة الحمراء التى كانت تتساقط وتملأ ممرات حديقة برنستون:

- إن أخطر مشاكل عالمنا اليوم، أن عضلاته أصبحت أكبر كثيراً وأقوى كثيراً من رأسه!!

وبعد هذه الملاحظة وجدتنى أكثر قدرة على فهم تصرفات عدد كبير من العلماء الذين راح الشعور الرهيب بالخطيئة بعد قنبلة هيروشيما... يملى عليهم تصرفاتهم.

وجدتنى أكثر قدرة مثلاً على فهم تصرفات عالم أمريكى مثل روبرت أوبنهيمر، وكان يلقب بأبى القنبلة الذرية، لأنه كان الرئيس المباشر لجماعة العلماء التى صنعت هذه القنبلة فى أولدريدج.

لقد حاول أوبنهيمر أن يحول دون صناعة القنبلة الهيدروجينية.

وكان فى رأيه أن تلك مسألة لا ضرورة لها، لأن العالم كان قد وصل إلى نوع من التوازن بعد أن تبين أن الروس فجروا قنبلة ذرية...

وأن المال الذى سيصرف فى صناعة القنبلة الهيدروجينية، ينبغى أن يوجه إلى السلام مادامت الحرب قد تحولت إلى ضرب من الجنون بعد أن أصبحت القنبلة الذرية أكداساً فى مخازن الفريقين!

ووجدتنى - بعد ملاحظة أينشتين - أكثر قدرة على فهم تصرفات عالم إنجليزى مثل فوخس!

كان "إدوارد تيللر" قد تمكن من صنع القنبلة الهيدروجينية بمعونة عدد من العلماء... بينهم العالم الإنجليزى فوخس!

وسلم "فوخس" أسرار القنبلة الهيدروجينية للروس، أو سلمهم أسراراً سهلت لهم صنعها... وقربت يوم امتلاكهم لها!

وكان الدافع... نفس الدافع.

كسر احتكار سلاح رهيب... وبالتالى إيجاد نوع من التوازن.. يحول دون استعماله.

وأنا أقول أن ملاحظة أينشتين جعلتنى أكثر قدرة على فهم تصرفات أوبنهيمر وفوخس، ولا أقول أنها جعلتنى أقدر على الحكم...

ذلك أن هذا الحكم ليس من شأنى.

بل وأرجح الظن أنى كنت أستسلم للإحساس بالوطنية، لو أن أوبنهيمر وفوخس، كانا مصريين، واسلما أسرارهما إلى أعداء مصر، وكنت أحكم عليهما بالخيانة!

وعلى أى حال فقد كان توصل الروس إلى سر القنبلة الهيدروجينية

هو الدافع الحقيقى إلى عقد مؤتمر جنيف الذى اجتمع فيه الأربعة

الكبار فى صيف سنة 1955، فى أول محاولة جدية لإقرار السلام.

وكانت الحقيقة الكبرى فى هذا المؤتمر... أن الحرب أصبحت أمراً مستحيلاً ومن ثم ينبغى العثور على طريقة للعيش فى سلام!

وكان مؤتمر جنيف فى حقيقة أمره انتصاراً لأفكار العلماء الذين كان يضايقهم أنهم صنعوا للعالم عضلات أكبر وأقوى من رأسه، وكان أيضاً راحة لهم من الشعور الرهيب بالخطيئة بعد قنبلة هيروشيما!

تلك لمحة من محاولات الأفراد اللذين حاولوا بكل طاقتهم أن يحولوا دون مجىء "الساعة"!

وكانت هناك محاولات من شعوب كثيرة.

إن الشعوب التى نبذت الأحلاف العسكرية، وقامت تنادى بالحياد، لم تكن تنظر إلى الأمر نظرة أنانية ضيقة، ولم تكن تستهدف الحرص على سلامتها الشخصية وحدها.

إن الحياد كان محاولة عالمية لإيجاد كتلة ثالثة تكون جسراً يلتقى عنده الفريقان المتنازعان.

وأى موقف كان يواجه العالم، لو أن كل شعوب الأرض كان عليها أن تختار بين الانضمام إلى أمريكا أو الانضمام إلى روسيا.

وأى موقف مروع كان يواجه العالم لو أن أراضى كل دولة كان عليها أن تختار بين أن تكون قاعدة أمريكية لضرب روسيا، أو قاعدة روسية لضرب أمريكا.

وأى موقف مروع كان يواجه العالم، لو أن جيوش كل بلد كان عليها أن تتجمع معاً، وتخضع إما لقائد أمريكى يضع خطة للهجوم على روسيا، أو تخضع لقائد روسى يضع خطة للهجوم على أمريكا!

مواقف لم تكن لها من نتيجة إلا الحرب... حرب ذرية!

من هنا كان الحياد أكثر من سياسة.

من هنا كان الحياد رسالة.

خصوصاً إذا كان أصحاب هذا الحياد من لا يمتلكون السلاح الرهيب، وبالتالى لا يستطيعون أصلاً أن يكونوا أطرافاً فى المعركة.

وخصوصاً إذا كان هذا الحياد إيجابياً، أى أنه لا ينطوى على نفسه سلباً، وإنما يبدى رأيه فى كل مشاكل العالم مع الحق... فى صف أمريكا إذا كان الحق معها فى مشكلة، وفى صف روسيا إذا كان الحق معها فى مشكلة أخرى.

بل من هنا كان الحياد طريقاً للسلام.

طريقاً للسلام... لا لأصحابه والمنادين به وحدهم... وإنما طريقاً للسلام... للجميع!

ومن هنا أيضاً كانت التكتلات العسكرية طريقاً للحرب.

والدليل هو كل هذا الذى نراه ونسمعه هذه الأيام.

وبين الذى نراه ونسمعه... هذه الإنذارات الروسية للنرويج وألمانيا وبريطانيا وتركيا واليابان وغيرها من دول أوروبا، ودول الشرقين الأوسط والأقصى.. التى اشتركت فى الأحلاف وسمحت لأمريكا بإقامة القواعد على أرضها.

والعامل الطارئ المخيف، أن أمريكا بدأت تزود قواعدها فى كل هذه البلاد بمعدات الهجوم الذرى.

وكان رد روسيا هو التهديد بإبادة هذه القواعد!

وليس ذلك مجرد تهديد.

وهل يعقل أن تظل روسيا ساكتة وقواعد الهجوم الذرى تحيط بها من كل ناحية فى شبه نطاق؟

هل يعقل أن تظل روسيا ساكتة حتى يتم إحكام نطاق الحصار... ثم لا يكون أمامها ذات صباح إلا أن تستسلم بعد أن تكتشف أن كل شبر فى أرضها أصبح مكشوفاً للضرب الذرى؟

وإذا لم تسكت روسيا... والدلائل كلها تشير إلى أنها لن تسكت.

إذ لم تسكت... فماذا سيحدث؟!

يدى على قلبى.. فهذا هو ما أخشاه.. أكثر مما أخشى حرباً جديدة تقوم فى الشرق الأوسط!!


الثلاثاء:

مرة أخرى مع الدكتور محمود فوزى وزير الخارجية المصرية.

وقلت له، وأنا أجلس على مقعد أمامه.. قلت له من غير مقدمات:

- أرجوك.. هذه المرة كلمنى بصراحة.. لا تلق بى مكتوفاً إلى بحار "الفلسفة".. أصرخ وأصرخ وما من مغيث.. ثم أغرق.. هذه المرة كلمنى بصراحة، قل لى:

كيف حال هذه المفاوضات التى تقوم بها مع رايموند هير سفير أمريكا فى مصر بشأن قناة السويس!!

وتطلع إلىّ الدكتور فوزى.. ثم قال بهدوء:

- لقد سألت داج همرشولد، وكان يجلس مكانك هنا على نفس هذا المقعد منذ أيام:

"هل تريد أن تشعر فى جلستك بأنك "مهم" أو بأنك "مستريح؟".

وقال لى همرشولد: "لا يعنينى الشعور بالأهمية.. أفضل الشعور بالراحة".

وقلت له: "إذن اجلس بجانبى على هذا المقعد الصغير... إن هذا المقعد الكبير الذى تجلس عليه يوحى بالأهمية، هذا صحيح، ولكنه مقعد متعب وأنا أعرفه!"

واستطرد الدكتور فوزى يقول:

- وقام همرشولد فجلس على هذا الكرسى الصغير المريح.

والآن أسألك نفس السؤال: هل تريد أن تشعر بأنك "مهم" أو بأنك "مستريح"؟!

قلت وأنا أنهض من المقعد الكبير وأتجه إلى المقعد الذى انتقل إليه من قبلى داج همرشولد:

- بدأنا بداية غير مشجعة.. أحس أنى على أبواب التيه..

واستطردت أقول:

- ماذا كان جرى فى الدنيا لو أنك قلت لى مباشرة قم من فوق هذا المقعد لأنه متعب، وأجلس على المقعد الآخر لأنه مريح.

وألقيت بنفسى على المقعد الصغير المريح وقلت للدكتور فوزى:

- ومع ذلك.. لقد كنت بدأت أسألك عن مفاوضاتك مع السفير الأمريكى بشأن قناة السويس.. ماذا يجرى فى هذه المفاوضات؟

وقال وزير الخارجية:

- نريد أن نوفر الكرامة لقناتنا.. لا نريد أن نجعلها سخرية بين قنوات العالم.

قلت لوزير الخارجية:

- ألا تستطيع أن تكلمنى من غير رموز.. رحمة بى وقل لى كلاماً أستطيع أن أفهمه وأن أتابعه!

قال الدكتور فوزى:

- بصراحة نحن نقول للطرف الأمريكى... تعالوا نتعاون بدل أن نتشاحن، نحن نريد أن تكون القناة مجرى خير.. ولا نريدها أن تكون مجرى شر.

وإذا لم نستطع نحن وأنتم أن نجلس على مائدة، ونتفاهم، فلابد أن هناك خطأً أساسياً بيننا.

وقلنا للطرف الأمريكى أن نوايانا طيبة.

ليس فقط لأننا قوم طيبون.

وإنما أولاً لأننا أنانيون.

وإذا لم نقل لهم هذا فنحن إذن كذابون!

إن نوايانا طيبة بالنسبة لمستقبل القناة.. لأن ذلك صالحنا، ونحن نحب صالحنا ونحرص عليه.. والذى لا يحب نفسه دولياً.. يكون أبله!

نحن نريد القناة أعمق ما تكون... وأوسع ما تكون.. وأكفأ ما تكون لأن ذلك فى صالحنا قبل أن يكون فى صالح الآخرين".

وسكت الراهب البوذى الذى يجلس على مقعد وزير الخارجية المصرية، ثم نظر إلىّ متسائلاً وقال:

- أليس هذا كلاماً صريحاً.. هل ترى فيه رموزاً؟

قلت:

- لا... لكى أكون منصفاً لك أحب أن أقول أنك تكلمت من غير رموز.. ولكن لكى أكون منصفاً لنفسى ينبغى أن أقول لك أن ما قلته لى كان كلاماً عاماً.. من غير تحديد.

واستطردت أقول:

- ومع ذلك ربما كان لك عذرك.. أنت لا تريد أن تخوض فى أسرار المفاوضات.. دعنى أسألك عن باقى مشاكلنا الدولية بعيداً عن مفاوضاتك مع ريموند هير..

ولم ينتظر الدكتور محمود فوزى.. وإنما قال على الفور:

- تسألنى عن باقى مشاكلنا الدولية.. أنت تتحدث بالجمع.. ولكنى أراها مشكلة واحدة مفردة.. إنها مشكلة واحدة هى مشكلة الانقضاض..

قلت متسائلاً:

- الانقضاض.

قال:

- أجل الانقضاض.. أو التساقط.

- لقد صعدنا الجبل حتى قمته.

كانت القمة يوم وقفنا فى الجمعية العامة للأمم المتحدة ومعنا 74 صوتاً من أصواتها وإسرائيل على الجانب الخاطئ وحدها.. عارية ليس معها إلا صوت فرنسا.. والعرى الكامل وقتها أشرف من صوت فرنسا.

هل تتصور أن الصعود إلى هذه القمة لا يفرض علينا أى التزامات.

يجب أن نحتفظ بالذين وقفوا إلى جانبنا.. إلى جانبنا.

لهذا أقول أن أخطر مشاكلنا الدولية هى الانقضاض.

إن الذى يقف فوق الجبل... يرى كل شئ هادئاً... ولا تصل الأصوات إلى أذنيه إلا أصداء خافتة.

ولكن حينما يحين وقت النزول... ستقترب المرئيات بتفاصيلها... وتدوى الأصوات عنيفة صارخة... تلك هى الحياة ولا نستطيع أن نعيشها فوق قمة جبل طول الوقت... لنبقى بعيدين عن تفاصيلها وأصواتها.

لا نستطيع أن نبقى طول الوقت على القمة نتفرج.

وإنما حان أن ننزل بأقدامنا من فوق الجبل... إلى الحياة نفسها... نحياها ونتفاعل معها... من غير أن يحدث لنا انقضاض أو تساقط.

وتلك مشكلة عويصة..

ذلك أن العالم ليس طيب القلب... والنوايا الدولية ليست بريئة.

ولا يكفى أن نكون أصحاب حق... وإنما المشكلة العويصة هى كيف نجعل هذا الحق مقبولاً للآخرين.

من هنا لابد أن نخلق "الجو" لحقنا.

إننا لا نعيش على جزيرة روبن سن كروزو.. ولا نحيا فيها حياة انفرادية انعزالية.

إنما نحن نعيش مع باقى الناس... ويجب أن نحاول ملاقاة باقى الناس.

واستطرد وزير الخارجية المصرية:

- هل تعلم الخط الأساسى الذى تلتزمه سياسة مصر الخارجية؟

واستطرد الدكتور محمود فوزى:

- خط سياستنا هو:

أن مصر ليست هى الثور الذى يحمل الدنيا على قرنه، كما تقول الأساطير.

أعنى نحن لا نعتبر أن مصر هى المسئول الأول عما يجرى فى الدنيا من أقصاها إلى أقصاها..

لا...

إنما نحن نقول أن مصر تحمل لواء رسالة سامية وعظيمة..

وسياسة مصر... أو الخط الذى تسير فيه هذه السياسة هو:

كيف تتجاوب مصر مع مثلها العليا.. ولا تخضع للقوة أو التهديد.

طبق هذا على سياستنا فى القناة.

نحن نريد القناة تعاوناً بيننا وبين الجميع... ونحن نفتحها لتجارة الأرض تمر فيها ذاهبة إلى الشرق عائدة منه... أو ذاهبة للغرب عائدة منه... برخاء وسلام..

ولكننا فى نفس الوقت على استعداد للوقوف ولو وحدنا إذا حاول أحد أن يخرج هذا التعاون عن دائرته إلى دائرة الجرى... إلى دائرة التحكم مثلاً..

فى هذه الحالة نقاوم..

لقد قاومنا ثلاث إمبراطوريات.

الإمبراطورية البريطانية... والإمبراطورية الفرنسية.. والإمبراطورية الصهيونية وليست دولة إسرائيل إلا شيئاً صغيراً فى هذه الإمبراطورية التى يمتد نفوذها إلى بقاع كثيرة وغنية.. بعيدة عن الشرق الأوسط.

وتطلع إلىّ وزير الخارجية المصرية وسألنى:

- هل اتضح أمامك خط سياستنا؟

قلت باسماً:

- ألا تستطيع أن تزيده إيضاحاً...

قال ببراءة:

- أرجوك... لا تتردد أن تطلب منى أى تفسير.

قلت لك أننا أصحاب حق..

وقلت لك أن ذلك لا يكفى وإنما المهم أن نجعل حقنا مقبولاً للآخرين.

تلك سياسة مصر.

ينبغى أن نجعل حقنا مقبولاً بأن نسانده بالعقل، والصبر، والمرونة، وإلا كان حقاً مجرداً من السلاح فى عالم كل ما فيه مدجج بالسلاح.

ولكن ينبغى أن نحترس...

إن أشباه الأشياء.. أضداد لها فى كثير من الأحيان.

خذ المرونة مثلاً..

إن المرونة قد يختلط أمرها مع الميوعة.

ولكن ما أبعد الفرق.

إنه نفس الفرق مثلاً بين الشجاعة والرعونة.

المرونة طيبة وكذلك الشجاعة.. والميوعة قتالة وكذلك الرعونة!

إن سياستنا تطبيقاً لهذا كله أن نحاول جعل العداوات أقل عداءً،

وأن لا نترك الصداقات... فإن الصداقات لابد أن تُغذى ولا تُترك للجوع..

من هنا ولدت فى قاموس العلاقات البشرية ألفاظ "المسايرة" و"الملاينة"

و "المداراة".

وقبل أن تولد هذه الكلمات فى القاموس... كانت معانيها موجودة فى الحياة!

ومرة أخرى تطلع وزير الخارجية المصرية إلىّ وسألنى:

- هل زاد الأمر وضوحاً؟

قلت مرة أخرى باسماً:

- مازال فى حاجة إلى الزيادة.

قال بنفس البراءة:

- عال... سأمضى فى المحاولة.

إن القاهرة هى مركز سياستنا.

ولكن القاهرة جزء من العالم وليست كوكباً قائماً بذاته، وحتى لو كانت كوكباً قائماً بذاته، فإن هذا الكوكب يسقط ما لم يكن معلقاً بموازين التجاذب مع غيره من الكواكب.

ولقد عشنا فى شهورنا الأخيرة تجربة أراد لنا الله فيها أن نحمل عن البشرية كلها رسالة هائلة.. هى الوفاء لمثل أعلى... هو الحرية.

ولقد حملنا الرسالة... ويجب علينا أن نشكر الله بتكريمنا بها.

فكيف نشكره؟

هل نشكره بالغرور أو بالتواكل..

لا..

إنما نشكره بأن نحاول بأعمالنا أن نشب على أطراف أصابعنا لنبدو فى ارتفاع ما وصلنا إليه.

إنما نشكره بأن تكون أعمالنا فى إطار عالمنا.

إن الهواء الذى نتنفسه هواء مصرى عربى، ولكن رياحاً من الجنوب ومن الشمال تدخل فيه، هذا لأن هواء مصر، ليس بمعزل عن هواء العالم.

كذلك يجب أن نكون.

وعندما نخترع الصواريخ التى تنقل الناس من كوكب إلى كوكب، ويكون بيننا من لا يعجبه عالمنا فسوف نترك له حرية ركوب الصواريخ إلى كواكب أخرى.. ومع ذلك فرأيى أن العالم الذى تعرفه خير من العالم الآخر الذى لا تعرفه.

إذن نعيش فى عالمنا.. ونتجاوب معه.

ولكن لا نبحث بأنفسنا عن المتاعب، ولا نقول كما قال لورنس فى قصيدته:

"ولكن يا إلهى لقد كنت حراً من كل أزهارك.

ولكنى بحثت عن ورود العالم الحزينة.

ولهذا أدمت أشواكها قدمى.. وأعمى العرق عينى!".

وكذلك فى نفس الوقت لا نغمض عيوننا ولا نقول كما قال توماس هاردى فى قصيدته:

"لماذا تحمل عقول الناس آلاماً جديدة.

وهى تنوء بالآلام..

إننى الآن وإلى آخر أيام حياتى.

سوف لن أقول ما أرى.

وإذا امتدت بصيرتى إلى أبعد ما تراه العيون المغمضة المكبلة.

فقسماً بالحق الطليق.. سوف أدع كل شئ فى مجراه.

ولا أخبر أحداً بما أرى!"

وسكت الدكتور محمود فوزى، وتطلع إلىّ بعينيه الصغيرتين، ثم قال:

- ما أظنك تطلب إيضاحات أكثر من هذا..

قلت على الفور:

- أبداً!

قلتها وأنا أضحك... فى يأس!

بسرعة..

* ناقلة البترول الأمريكية التى حملت بترول إيران إلى ميناء إيلات عبر خليج العقبة.. دليل جديد يدين حلف بغداد.

ناقلة من حلف بغداد.

وبترول من حلف بغداد.

والناقلة والبترول.. لإسرائيل.

تحية لنورى السعيد!

* ما هى النتيجة التى انتهى إليها العدوان الثلاثى على مصر؟

كانوا يتجهون بهجومهم إلى مصر.. حتى يتمكنوا من احتلال مصر..

ولكن العدوان الذى فشل فى هجومه لاحتلال مصر نجح من غير هجوم فى احتلال لبنان!

أليست غريبة الغرائب؟!

* قرأت خطبة روبرت منزيس التى قال فيها البغل الأسترالى أنه طالب الرئيس جمال عبد الناصر بأن يعقد صلحاً مع إسرائيل!

كذاب!

إن كلمة إسرائيل لم ترد على لسان منزيس فى مصر إطلاقاً، وأعضاء لجنته شهود على ذلك..

ولكن البغل الأسترالى يريد أن يستجلب رضى الصهيونية عليه فيخترع مواقف الدفاع عن إسرائيل اختراعاً.

كذاب!

وأعضاء لجنته شهود.

ومع ذلك له فى كذاب آخر من أصدقائه مثل.. ألم يقل إيدن أنه دخل الحرب ضد مصر ليفصل الجيشين المتحاربين... جيش مصر وجيش إسرائيل!

* من قلبى أرثى لبريطانيا!

كنت متأكداً أن الإمبراطورية البريطانية ستنتهى... وكنت أقدر لنهايتها خمس سنوات أخرى، ولكن الشهور الخمسة الماضية صنعت كل ما كنت أتصور أن تصنعه خمس سنوات.

منظر بريطانيا اليوم لا يكاد يصدق..

بلد مفلس... يسرح جيشه... ويبيع أسطوله... ويعتمد على غيره فى الدفاع عن نفسه!

أتوقع انتخابات جديدة فى بريطانيا قبل نوفمبر من هذا العام.

وأتوقع أن يفوز العمال...

محاولة أخيرة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من الإمبراطورية التى لم تكن تغيب عنها الشمس... وتوشك الشمس الآن أن لا تشرق عليها أبداً!

* قال لى المليونير اللبنانى المعروف أميل البستانى، أنه يضع فى جيبه دائماً بطاقة ذات حافة سوداء، يعطيها لكل من يطلب مقابلته لكى يطلب منه قضاء حاجة...

البطاقة ذات الحافة السوداء مكتوب عليها ما يلى بالحرف الواحد.. بحروف مطبوعة.. أنيقة بارزة.

"إن قصتك لمست شغاف قلبى".

"لم أسمع من قبل أن رجلاً واحداً يواجه ما تواجه أنت من مشاكل..".

"أرجوك أن تتقبل هذه البطاقة إظهاراً منى لمشاعرى الطيبة نحوك".

* مرة ثانية سئلت:

- هل يمكن تنظيم حركة لمقاطعة المرور فى قناة السويس؟

مرة ثانية أجبت:

- لا.. وهناك دليل.

إذا كانت هناك نية صادقة لمقاطعتها... ففيما كانت كل هذه اللهفة، والتكاليف من أجل تطهيرها؟

* آخر حلم لفرنسا وإسرائيل!

إن اجتماعات تعقد الآن بين هيئة أركان حرب الجيش الفرنسى، وهيئة أركان حرب الجيش الإسرائيلى.

وتحت البحث خطة لقذف جماعات فدائية للهبوط بالباراشوت فوق القاهرة واغتيال رجل واحد تعتقد فرنسا وإسرائيل أنه سبب كل مصائبهما!

مجانين!!

13/4/1957