تلهفت على لقياه، هو القادم لتوه من بغداد، وهو المحايد الذى لا شأن له هنا، ولا صلة له بهناك!
قلت له:
- أريد أن أسمع منك حقيقة الحال هناك.
وقبل أن أعطيك أذنى.. وانتباهى أريد أن أقول لك بضعة أشياء.
أولاً: أن قلبى مفتوح، وليس معنى أنى أحارب نورى السعيد، أننى على استعداد لأن أخلط بين موقفى منه، وبين موقف شعب العراق منه.
أو بمعنى أصح لا أتصور أنى أريد أن أسمع منك ما يتلاقى مع وجهة نظرى. وأصد عن أذنى كل ما يتعارض مع الصورة القائمة فى تصوراتى.
لا.. أريد أن أعرف الموقف على حقيقته، كما رأيته بعينك أنت، أنت محايد، وأنت من بلاد غير بلادنا، بلاد ليست مرتبطة بأطراف الصراع القائم الآن فى الشرق الأوسط..
وثانياً: إنى أحبك أن تعلم أنى أشعر مجرد شعور صحفى، أن جزءاً من الأنباء التى تجيئنا من العراق، تلمسه أنامل المبالغة فى كثير من الأحيان ومن هنا لهفتى على أن أسمع منك القصة الحقيقية... من غير تحيز ومن غير مبالغة.
قال:
- الذى أريد أن أقوله لك أولاً، هو أن نورى السعيد يسيطر سيطرة كاملة على الموقف فى العراق.
إن كان لديك من الأنباء ما يخالف هذا الذى أقوله، فصدقنى.. أن الذى لديك غير صحيح..
وإن كان هناك من يقول لك أن حكم نورى السعيد فى العراق على وشك أن ينتهى... أو أنه يتهاوى... أو أنه ينهار... فالذى يقول لك هذا الكلام يخدعك.
نورى السعيد يسيطر - كما قلت لك - سيطرة كاملة على الموقف فى العراق.
قلت: أريد مزيداً من الإيضاح.
قال:
- إن نورى السعيد ذكى.. لا يسعك إلا أن تشهد له بذلك.. لقد أمسك فى قبضة يده بمفاتيح كل الأبواب التى يمكن فى يوم من الأيام أن تهب عليه منها رياح المتاعب..
لقد تصور أن المتاعب ستجىء له من جهات أربع.. وبذل كل جهده ليؤمن نفسه من الجهات الأربع..
زعماء العشائر - مثلاً - كان يمكن فى يوم من الأيام أن يكونوا خطراً عليه ولكنه بذل جهده لإرضائهم.. لقد أفاض عليهم من دخل البترول ما يملأ جيوبهم، وخزائنهم كذلك، ومنحهم سلطات واسعة، ليكون كل منهم شبه ملك مستقل على منطقة عشيرته.
ربما تجد زعيماً، أو زعيمين أو ثلاثة لم يستطع نورى السعيد شراءهم بذهب المعز.. ولكن سيف المعز مازال مسنوناً جاهزاً فوق الرقاب.
الجهة الثانية - مثلاً - هى الجيش العراقى، وهنا أيضاً كان المجال فسيحاً أمام ذهب المعز.. إن كبار الضباط يحصلون من أنواع المكافآت المختلفة المتنوعة على مبالغ تقفز بمرتباتهم قفزة كبيرة إلى أعلى، ثم إن الضباط الإنجليز فى عدد كبير من القيادات الحساسة وكذلك فإن البعثات العسكرية الأجنبية المتعددة على اتصال كامل بكل الوحدات.
ثم.. وراء هذا كله نظام دقيق للرقابة.
إن نظام الرقابة يصل حتى غرف النوم.
قبل أن أغادر العراق، أُلقى القبض على ضابط شاب.. بتهمة خطيرة...
هل تعرف ما هى؟
وجدوا صورة جمال عبد الناصر فى غرفته فى المعسكر.
قُبض عليه.. وبعد التحقيق تقرر الاستغناء عنه.
الجهة الثالثة - هى طبقة المثقفين فى العراق، وفتح نورى السعيد أبواب وظائف الحكومة لمن يبحث عن الجاه أو عن المال.
والذى يُؤثر فكرة أو مبدأ على الجاه والمال ليس أمامه إلا أن يسكت أو تحول أسوار السجن بينه وبين الكلام.
وأنت فى بغداد تحس بالفوران... وتحس بالقلق.. وتحس بأن شيئاً ما معلق فى الهواء.. ولكنك تحس فى نفس الوقت أن هذا الشىء المعلق فى الهواء سيبقى لوقت طويل هكذا.. معلقاً فى الهواء..
بقيت جهة رابعة، كان يمكن أن تهب منها رياح المتاعب، زعماء الأحزاب الأخرى غير حزب نورى السعيد، الساسة الذين حكموا العراق من قبل وتولوا مناصبه الرئيسية فى الوزارة أو فى البرلمان.
هل تعلم؟
لقد سألت أحد أصفياء نورى السعيد ولست أريد أن أذكر اسمه حتى لا أحرج مركزه.. سألته:
ألا يخشى (الباشا) من هؤلاء الساسة.. ألا يقدر منهم أحد على عمل أو تدبير..
وقال صفى نورى السعيد:
- دعك منهم.. إن معظمهم لا يصلح لشىء.
إنهم يريدون معاشات مجزية لهم وقد دبرت لهم هذه المعاشات.
وهم يريدون وظائف فى السلك السياسى لأبنائهم وأقربائهم وقد وضعت سفارات العراق فى الدنيا تحت أمرهم.
ثم إن "الباشا" يملك تحت يده من المستندات ما يجعله فى المركز الأقوى تجاه هؤلاء الساسة.
صدقنى إن قلائل منهم فقط يستطيعون أن ينظروا بثقة وثبات إلى نورى السعيد فى عينيه!
إنهم يعرفون أنه يعرف!
هذه هى أوضاع الجهات الأربع التى كان يمكن أن تهب منها رياح المتاعب، على باشا العراق العنيد، وهذا هو الذى فعله لمواجهتها، فمن يبقى لمقاومته فى العراق؟
بعض الشباب الثائر، بعض الرجال الوطنيين فى بغداد وغيرها من مدن العراق وماذا يملك هؤلاء؟
رءوسهم وقلوبهم!
إن رءوسهم يمكن أن يصيبها الدوار تحت ضربات عصى المطاط المضغوط التى يحملها جنود الطوارئ فى بغداد.
وقلوبهم.. إلى أى مدى تستطيع قلوبهم أن تحتمل؟!
هذا هو الوضع تماماً..
إن "الباشا" مازال على سرج الجواد.
إنه يسيطر سيطرة كاملة على الموقف.. هل فهمت الذى أعنيه؟
قلت:
- لنترك الآن فهمى جانباً.. قل لى هل حدثت مظاهرات فى العراق؟
قال: تلك حقيقة ليس فى وسع أحد إنكارها!
قلت: هل رأيت بعينيك شيئاً منها؟
قال:
- واحدة فقط فى مدينة الحى، على بعد ما يقرب من مائتى كيلو متر من بغداد، لقد أضربت المدينة، وخرج أهلها يتحدون الحكومة علناً.
قلت: لأى هدف؟
قال:
- تضامناً معكم.. لقد رأيت بعض الناس فى الحى وتحدثت إليهم بنفسى.
قال لى بعضهم أن تصرفاته - تصرفات الباشا - تجعلهم ينكسون الرءوس خجلاً... كذلك يتصورون.
قلت: ما هو مبعث الخجل؟
قال:
- إنهم يعرفون أن الباشا كان واحداً من الذين نصحوا إيدن باستعمال القوة ضد مصر!
قلت:
- هل تستطيع كمحايد أن تقول إن الشعب العراقى يعرف هذه الحقيقة؟
قال:
- أجل.. الأغلبية تعرفها.. لقد سمعتها من كثيرين.. إنهم واثقون منها.. إنهم يعرفون "الباشا".
قلت:
- ورأيت ما حدث فى مدينة "الحى" بعينيك؟
قال: أجل
قلت: كم دام الاشتباك بين جماهير الشعب وقوات الجيش؟
قال:
- يوماً واحداً.. كان اشتباكاً دامياً.. لقد قُتل ما يقرب من عشرين شخصاً من الجانبين وجُرح ضعف هذا العدد على أقل تقدير.
قلت:
- هل قامت اضطرابات أخرى فى غير "الحى" من مدن العراق؟
قال:
- فى بغداد وقعت حوادث ولم يتجاوز عدد قتلى الجانبين خمسة أو ستة، وكذلك فى الموصل وقد نزلت قوات الجيش فى المنطقة الغنية بآبار البترول حتى لا يتطور الموقف.. وكذلك فى النجف وقعت حوادث ولكن أنباء النجف متضاربة وليست لدىّ معلومات أكيدة عما جرى هناك!
هذه هى حوادث المقاومة العنيفة.. أما فيما عداها فالمقاومة مكبوتة فى النفوس.. هل قلت لك ماذا فعلت زوجات الوزراء فى العراق..؟
قلت: لا...!
قال: أيام اشتداد الغارات على مصر كان إبراهيم حنبل، مدير دعاية نورى السعيد يشرف على إذاعة بغداد.. ومن غير مناسبة أخذت محطة إذاعة بغداد تذيع طول اليوم أغنية لفنانة مصرية مطلعها:
"من حفر حفرة لأخيه.. وقع فيها"
وكانت أخبار بورسعيد تُذاع وراء هذه الأغنية كل مرة، وبطريقة لا تدع مجالاً للشك فى روح التشفى التى تسود طريقة عرض الأخبار، وكانت معركة مصر توصف بأنها معركة بورسعيد، أما المعركة التى كانت دائرة يومها فى بودابست فى المجر فقد كانت هى وحدها التى تستحق اسم معركة الحرية.
ويظهر أن بعض زوجات الوزراء.. لم يطقن صبراً على هذه الحال.
وذهب وفد منهن.. هؤلاء السيدات الباسلات، فقابلن السيد مختار بابان وكان نائباً عن رئيس الوزراء، وقلن له رأيهن فى هذا الذى تذيعه محطة إذاعة بغداد..
ورفع نائب رئيس الوزراء سماعة التليفون يطلب إبراهيم خليل، المشرف على الإذاعة، ويأمره بوقف هذه المهزلة التى تثير شعور الناس..
وقال إبراهيم خليل: أنه يتلقى أوامره من "الباشا" وحده..
وسكت نائب رئيس الوزراء..!
شارة صغيرة.. وسؤال صغير!
قلت: هل صحيح أن عميد كلية الحقوق فى بغداد قبض عليه؟
قال:
- أجل، وحوكم وفُصل من وظيفته ووضع فى السجن ومعه عدد من أساتذة الكلية..
قلت:
- هل صحيح أن زعماء الأحزاب الذين رفعوا العريضة المشهورة إلى الملك حوكموا ووضعوا فى السجن..؟
قال:
- لقد كانت المحاكمات علنية وملأت أنباؤها صحف العالم..
قلت: هل صحيح أن رئيس الغرفة التجارية أُعتقل..؟
قال: أجل ولكنه لم يقض فى السجن غير عشرة أيام..
قلت: كم تُقدر عدد المسجونين السياسيين فى العراق..؟
قال:
- أخدعك لو قلت لك أنى أستطيع أن أحدد رقماً.. تقديرى المبدئى أن العدد ربما كان شيئاً بين الخمسة آلاف والسبعة آلاف.
ولم أقل شيئاً..
انقطع حبل الحديث لدقيقة..
ثم سألنى هو:
- أين شردت؟ هل انتهت أسئلتك؟
قلت:
- بقى سؤال واحد.. هل كل هذا الذى سمعته منك هو ما نسميه سيطرة نورى السعيد على الموقف..؟
قال: أجل.. أليس باقياً برغم هذا كله على مقعده.. وسيبقى لفترة طويلة..
قلت:
- ولو. إن كل الذى سمعته منك يؤكد لى أنه ليس صحيحاً أن نورى السعيد يسيطر على الموقف.
ثم استطردت:
- الصحيح أن الموقف هو الذى يسيطر على نورى السعيد، حتى ولو بقى جالساً على مقعده عشر سنوات أخرى!
الثلاثاء:
أكاد اليوم أصل إلى قرار نهائى فى سؤال طالما رزح كالحمل الثقيل على أفكارى كلما أمسكت صحيفة من صحف الغرب فإذا هى ملأى بالمغالطات.. وما هو أكثر من المغالطات عن وطنى؟
السؤال هو:
"هل هى مسئوليتنا أم المسئولية عليهم؟
هل نحن الذين تقصر جهودنا عن شرح موقفنا لهم؟
أم أن موقفنا لن يصل إلى رءوسهم مهما بذلنا من جهد"
أحياناً كنت أقول:
- علينا الذنب.. إننا نكتفى بإيماننا بعدالة موقفنا ونمضى فى طريقنا دون أن نحاول مساعدة الناس على رؤية الطريق الذى نسير فيه.
وأحياناً كنت أقول:
- لا فائدة.. إن عيونهم لا ترى.. وآذانهم لا تسمع.. وقلوبهم لا تعى.. المسألة إنهم لا يريدون ذلك.. هنا صميم المشكلة!
واليوم.. أمامى وأنا أكتب هذه السطور، تقرير من الأمم المتحدة.. وثيقة رسمية من هذه المنظمة الكبيرة التى لا يستطيع أحد أن يزعم أنها تتحيز لنا.. وتتجنى على غيرنا!
تقرير من الأمم المتحدة بتوقيع "هنرى لابويس" مدير منظمة إغاثة لاجئى فلسطين التابعة للأمم المتحدة.
والتقرير مرفوع منه إلى "داج همرشولد" السكرتير العام للأمم المتحدة.
التقرير يقول بلسان لابويس فى الصفحة الثانية منه بالحرف الواحد:
"إن مصادر معلومات هيئة الإغاثة - رغم القيود المفروضة عليها من السلطات الإسرائيلية التى تحتل قطاع غزة - تثبت أن القوات الإسرائيلية قتلت:
140 لاجئاً فى خان يونس عقب انتهاء المعارك فى 3 نوفمبر.
103 لاجئين فى معسكر رفح فى يوم 12 نوفمبر.
48 لاجئاً فى نواحٍ متفرقة من القطاع يوم 20 نوفمبر".
ثم يقول التقرير الرسمى للأمم المتحدة:
"إن المنظمة، ولو أنه لا شأن لها بالظروف السياسية لقطاع غزة، لم تجد مفراً من الاحتجاج لدى السلطات الإسرائيلية على هذا القتل بالجملة".
وضعت تقرير "لابويس" أمامى على مكتبى، وراحت الأفكار والخواطر تتزاحم.
ما يقرب من ثلاثمائة قتيل من اللاجئين فى قطاع غزة طبقاً لتقرير رسمى مطبوع من الأمم المتحدة!
ترى كم عدد الذين لم يصل علمهم إلى الذين كتبوا التقرير؟!
آلاف من غير شك ومن غير مبالغة.
كيف قتلوا؟
بالمدافع الرشاشة قطعاً.. أعرف طريقة إسرائيل، يضعون عشرة أو عشرين فى خيمة أو غرفة ويقف على الباب اثنان أو ثلاثة جنود بالمدافع الرشاشة.. ثم تتلاحق طلقات الرصاص.. ويتساقط الضحايا.
وهززت رأسى أفيق من أفكارى وخواطرى.. فقد خُيل لىّ أنى سمعت فعلاً أصوات الرصاص تمزج بصراخ الألم والفزع والهول.
ومددت يدى إلى سماعة التليفون أتصل بالقسم الخارجى.. الذى يتلقى ثانية بثانية ما يذاع فى العالم كله من أنباء:
- هل جاءت أخبار من تقرير كتبه "لابويس" للأمم المتحدة عن الضحايا من اللاجئين فى قطاع غزة؟
وكان الرد:
- أبداً!
قلت:
- ألم يجىء ما يفيد أن وكالات الأنباء المختلفة كلها حملت شيئاً عن هذا التقرير!
وكان الرد:
- لم تصلنا ولا كلمة!
قلت:
- ألم تنشره أى صحيفة فى العالم..؟ ألم تعلق عليه؟
وكان الرد:
ولا كلمة واحدة!
ونظرت إلى مقعد أمامى فى الغرفة.
كان المقعد خالياً!
ولكن كم من مرة على هذا المقعد بالذات جلس أمامى هنا زملاء من صحافة الغرب يدافعون ويبررون.. بل ويتهمون!
ثق أن وجهة نظركم تلقى كل الاهتمام إذا وصلت إلينا.
لا تتصوروا أن هناك من يقصد عن عمد أن يقيم ستاراً من حديد حول آرائكم وأفكاركم فى هذه المنطقة.
إن مصر هى المسئولة..
كيف تتوقعون من صحف العالم أن تعرف الحقائق إذا كنتم لا تقولونها... هل نعرفها من قراءة الفنجان وضرب الرمل والودع!!
عبارات سمعتها أكثر من مرة... من كثيرين جلسوا هنا... على نفس هذا المقعد...
وأمسكت بيدى تقرير "لابويس" وكان بصرى متجهاً - ولا أدرى لماذا؟ - إلى المقعد الخالى أمامى... وقلت:
- ما هو قولكم فى هذا التقرير؟
هذه قصة ثلاثمائة جريمة قتل... مرة واحدة.
ولسنا نحن شهودها وإن كنا ضحاياها.
والذى يشهد هو الأمم المتحدة بقضها وقضيضها!
ماذا فعلتم!؟ - لا شىء!
ماذا قلتم؟ - ولا كلمة واحدة.
وأحسست فى قلبى بمرارة... مرارة... مرارة لا حد لها!!
الأربعاء:
كان واقفاً مكانه ينظر إلىّ.
وكنت متجهاً بسرعة إليه.
وتلاقت نظراتنا لومضة خاطفة حافلة بمئات المشاعر والانفعالات المتداخلة.. ثم مددت له يدى لأصافحه..
ومد الكولونيل بانكس عضو مجلس العموم البريطانى الذى استقال من حزب المحافظين احتجاجاً على سياسة إيدن - مد يده، وقال بنبرة متهدجة:
- لو أنك رفضت أن تصافحنى لما كان فى وسعى أن ألومك!
قلت:
- وما هو ذنبك أنت.. لقد عرفت من مواقفك فى مجلس العموم، أن رأيك فى حماقة إيدن، كان هو نفس رأيى فيها.
قال:
- إن التفرقة بين مسئولية إيدن، ومسئولية بريطانيا كلها مشكلة دقيقة، وأنا سعيد أنكم فى مصر أحسنتم تقديرها، واستطعتم أن تضعوا خطاً فاصلاً بين تصرفات هذا الرجل وبين الشعب البريطانى نفسه.
هل تتصور أننى هنا منذ يومين ومع ذلك لم نلق من الناس جميعاً إلا كل عطف ومودة!
لو أن أحداً شتمنى لما كان فى قدرتى أن أطلب منه اعتذاراً.
ولو أن أحداً أشاح بوجهه عنى لما استطعت فى قرارة نفسى أن لا أعذره!
ولكنى لم ألق شيئاً من هذا.
إن الكل يعرف أننى إنجليزى.
ومع ذلك لم ألق من الكل كما قلت إلا كل عطف ومودة.
قلت للنائب البريطانى:
- يظهر أننا شعب لا يستطيع أن يحقد.
اسمع تجربتى أنا بالذات.
ذات ليلة وطائراتكم تضرب عاصمتنا.
وتوقف الكولونيل بانكس لحظة وقال:
- أرجوك.. لا تذكرنى بهذه الكارثة.
قلت: اسمع القصة حتى آخرها.
ذات ليلة وطائراتكم تضرب عاصمتنا.. نظرت من نافذة بيتى وكان الأفق ممتلئاً باللهب الأحمر فى لون الدم.
كنت أسمع أصوات انفجارات القنابل تلقيها طائرات الكاسبرا.
وكنت أرى منطقة الضرب من بعيد.
وأحسست بغيظ ليس له أول وليس له آخر.. ولحظتها قطعت على نفسى عهداً أننى لن أضع يدى - إلى آخر يوم فى عمرى - فى يد أى بريطانى!
وفى الصباح، وأنا فى طريقى إلى مكتبى، التقيت برجل إنجليزى... بتوم لينل مدير وكالة الأنباء العربية، وما أن رأيته حتى مددت إليه يدى وأنا أقول:
- توم.. قل لى رأيك فى هذا الذى تفعله بريطانيا؟
وقال توم لينل وهو يهز رأسه ويكز على أسنانه:
- مجنون... مجنون.
وكنت أعلم أنه يعنى أنتونى إيدن. فطالما كتب ضده قبل المعركة وهاجم سياسته.
وقال لى توم لينل يومها وصفارة إنذار تدوى فى القاهرة.
- غريب أنك ترضى أن تصافحنى.
قلت: أنا أعرف موقفك.
قال وهو يشير إلى الناس من حولنا فى الشارع:
- وهؤلاء لا يعرفون... إنهم قد يتصورون فقط أننى إنجليزى... ومع ذلك لا أحد يتعرض لى بسوء.
قلت:
- كذلك نحن... هذه طبيعة شعبنا.
وهز توم لينل رأسه وهو يقول:
- عار علينا.. عار علينا!
وفى الليلة التالية دخلت فندق سميراميس، وكانت إقامة الصحفيين الإنجليز فى مصر قد حُددت فيه... ولم أكن أعرف، ولكن أول شخص التقيت به فى صالة العشاء فى الفندق كان ميكل آدامز مراسل المانشستر جارديان... ونظر إلىّ آدامز وهز رأسه بحيرة ثم قال:
- لا تقل لى أنك سوف ترضى أن تصافحنى!
قلت له:
- عجيبة... أول أمس أثناء غارة لطائراتكم علينا قطعت على نفسى عهداً ألا أضع يدى فى يد إنجليزى إلى آخر العمر... ومع ذلك صافحت إنجليزياً بعد ساعات قليلة من ذلك العهد، وهأنذا بعد ساعات أخرى أصافح إنجليزياً ثانياً.
قال آدامز: عجيبة!
قلت:
- ما هى "العجيبة"... لقد قرأت كل مقالاتك فى المانشستر جارديان، ولقد كان موقفك وموقف الجارديان نفسها واضحاً ضد استعمال القوة من أول يوم... هل تتصور أن فى استطاعتنا أن ننسى...
لقد كان صوتك وصوت "الجارديان" من الأصوات الحرة التى ارتفعت داخل بريطانيا نفسها تندد بسياسة إيدن، فكيف كان يمكن أن لا نقدر لك، ولها، هذا الموقف.
ومد ميكل آدامز يده يسرح بها شعره إلى الوراء وهو يطلق من صدره زفرة ساخنة مرتعشة!
وتطلعت إلى الكولونيل بانكس وقلت له:
- أنت ترى أنك ثالث إنجليزى أضع يدى فى يده منذ يوم العدوان؟
وكان الكولونيل بانكس يهز رأسه صامتاً..
وقلت باسماً:
- لا تندهش... يظهر أننا شعب لا يعرف كيف يحقد.
سؤال واحد
* فى يدى شارة صغيرة.
وعلى لسانى سؤال صغير.
شارة زرقاء اللون، واحدة من مليون شارة توزع اليوم فى الولايات المتحدة الأمريكية، فى حملة تبرعات لجمع المال من أجل إسرائيل.
الشارة الزرقاء عليها خريطة.
الخريطة بالخطوط البيضاء عليها عبارة:
"أنا أؤيد إسرائيل"
والشارة تعطى لمن يدفع التبرع، كى يضعها على صدره!
هذه هى الشارة الصغيرة.
ويبقى السؤال الصغير.
إن الخريطة على الشارة لا تمثل حدود إسرائيل وحدها... وإنما الأردن أيضاً ظهرت ضمن حدود الخريطة باعتبارها جزءاً من إسرائيل!
ما هو معنى ذلك؟
أليست تلك نية العدوان، محددة، مرسومة، معلقة على صدور ملايين المتبرعين الأمريكيين... بملايين الدولارات لإسرائيل وأهداف إسرائيل؟
السؤال موجه إلى الرئيس أيزنهاور.
صاحب المشروع الشهير لتأمين الشرق الأوسط - كذا!!
إن الأمر لا يقتضيه إلا دقيقة، دقيقتين فى أى شارع من شوارع نيويورك ليرى بنفسه هذه الخريطة على صدور مواطنيه!
ما هو معنى هذا؟ ذلك هو السؤال!
No comments:
Post a Comment