القول بأن الأقطاب الأربعة اتفقوا على قبول المشروع... خيال
القول بأن الأقطاب الأربعة اتفقوا على رفض المشروع... خيال
القول بأن الأقطاب الأربعة اختلفوا فى أمر المشروع... خيال... فى خيال
لماذا أغفل بيان الأربعة أى إشارة لمشروع أيزنهاور؟
هذا هو السر الحقيقى!القول بأن الأقطاب الأربعة اختلفوا فى أمر المشروع... خيال... فى خيال
لماذا أغفل بيان الأربعة أى إشارة لمشروع أيزنهاور؟
على سلم قصر القبة، فى الساعة العاشرة مساء ليلة الخميس الماضى خطف صحفى أمريكى فى لهفة عصبية، نسخة من البيان النهائى الذى أُذيع عقب الجلسة الأخيرة لمؤتمر الأقطاب العرب الأربعة، ثم راح يجرى بعينيه على السطور ثم يقفز فوقها كأنه مندفع فى سباق للحواجز، ثم رجع برأسه إلى الوراء، وقطب ما بين حاجبيه وشهق يقول: "لا... بحق السماء لا... هل يمكن أن يكون هذا، ولا كلمة واحدة عن بيان أيزنهاور!".
وقال زميل له فى انفعال ظاهر: "تلك صفعة على الوجه لسياسة أمريكا!"
ثم...
ثم طوال تلك الليلة حتى الفجر كان جميع المراسلين الأجانب فى القاهرة قد هجروا النوم، وسهروا يناجون النجوم فى هذه النقطة الوحيدة:
لماذا لم يذكر بيان الأقطاب الأربعة شيئاً عن مشروع أيزنهاور للشرق الأوسط؟
ومع الثوانى، والدقائق، طوال تلك الليلة، فى دور وكالات الأنباء ومكاتب مراسلى الصحف، كانت الإشاعات تلد وتبيض أشكالاً وألواناً عجيبة من الفروض والاستنتاجات!
منها أن الأقطاب الأربعة لم يناقشوا مشروع أيزنهاور..
ومنها أن الأقطاب الأربعة اتفقوا على قبول مشروع أيزنهاور، واتفقوا فى نفس الوقت على إرجاء إعلان موافقتهم عليه..
ومنها أن الأقطاب الأربعة اتفقوا على رفض مشروع أيزنهاور، ومن ثم لم يجدوا داعياً لإثارة أمره فى بيانهم النهائى.
ومنها أن الأقطاب الأربعة اختلفوا فيما بينهم على مشروع أيزنهاور، فريق رأى القبول وفريق صمم على الرفض ثم استقروا - إيثاراً لحفظ الكلمة ولو فى الظاهر بينهم - على أن يغفلوا كل إشارة لموضوع الخلاف فى بيانهم النهائى.
فروض واستنتاجات لا أول لها ولا آخر.
شئ واحد لم تستطع كل هذه الفروض والاستنتاجات أن تشق طريقها إليه.
شئ واحد فقط...
هو الحقيقة!
هو - ولا شئ غيره - كل الحقيقة، وما عداه مجرد خيال!
القول بأن الأقطاب العرب الأربعة لم يناقشوا مشروع أيزنهاور... خيال!
والقول بأنهم اتفقوا على قبول المشروع... خيال.
والقول بأنهم اتفقوا على رفض المشروع... خيال.
والقول بأنهم اختلفوا خيال فى خيال!
إن الذين راحوا يفرضون ويستنتجون تلك الليلة فى القاهرة، شردوا جميعاً وتاهوا بحثاً عن سراب.
سراب أبعد الحقيقة عنهم بقدر ما أبعدهم عن الحقيقة!
لقد راحوا جميعاً يجرون ويلهثون بحثاً عن مصير "مشروع أيزنهاور".
وغاب عنهم فى هذا الجهد المضنى سؤال واحد بسيط هو:
- هل هناك بعد - أعنى حتى هذه الدقيقة - شئ اسمه مشروع أيزنهاور؟
والجواب البسيط على هذا السؤال هو:
- أجل هناك مشروع... ولكن صاحبه أيزنهاور لم يضعه بعد!
إن الذى فعله أيزنهاور فى خطابه الشهير الذى وجهه إلى الكونجرس الأمريكى هو أنه أعلن "مبدأ" ولم يعلن مشروعاً!
مبدأ ينوى أيزنهاور أن يعتنقه ويجعله سياسة رسمية للولايات المتحدة الأمريكية!
أو بعبارة أخرى ومن غير خوض فى مستنقعات المصطلحات الفنية والتعريفات القانونية والسياسية، كان الذى فعله أيزنهاور هو كما يلى:
* بعث أيزنهاور إلى الكونجرس الأمريكى بإعلان نوايا، شرح فيه رأيه فيما ينبغى أن تكون عليه سياسة الولايات المتحدة الأمريكية فى الشرق الأوسط.
* وضع أيزنهاور "نواياه" أمام الكونجرس الامريكى ليدرسها ثم يوافق أو لا يوافق عليها.
* أعلن أيزنهاور أنه سوف يوفد بعثة يرأسها "ريتشاردز" لكى تطوف بعواصم الشرق الأوسط، تشرح لها نوايا أيزنهاور، وتسمع منها رأيها فى هذه النوايا.
* تعود هذه البعثة بعد ذلك إلى واشنطن لتقدم تقريرها، بالذى قالته والذى سمعته، والذى انتهت إليه فى خاتمة المطاف.
* إذا أقر أيزنهاور هذا التقرير وصدر الأمر بتنفيذ ما يحتويه من توصيات كان ذلك هو المشروع... مشروع أيزنهاور!
هذه حقيقة الحال...
نوايا... فى طريقها - بعد دراستها فى الكونجرس وإقرارها، وبعد شرحها فى عواصم الشرق الأوسط وتوضيحها وسماع الرأى فيها، وبعد إعداد توصيات عملية تُقدم بدورها إلى أيزنهاور - نوايا فى طريقها بعد هذا كله إلى أن تصبح: مشروع أيزنهاور.
كيف يمكن إذن - فى هذه المرحلة - أن يكون هناك "قبول" أو "رفض" قبول لماذا أو رفض لماذا؟
وكيف يمكن إذن - فى هذه المرحلة - أن يكون هناك "خلاف" أو "اتفاق" خلاف على ماذا أو اتفاق على ماذا؟
كيف يكون هناك "قبول" أو "رفض" أو "خلاف" أو "اتفاق" والأمر كله مجرد نوايا.
نوايا يناقشها الكونجرس الأمريكى وقد يعدل فيها أو قد يرفض أساسها من جذوره؟!
ونوايا ستحملها بعثة رسمية إلى الشرق الأوسط تشرحها لمن فيه، وتسمع منهم، وقد يكون لما تسمعه وتراه البعثة فى المنطقة أثر فى رسم الخطوط وتحديد المعالم.
ثم من قبل ذلك كله، وبعده أيضاً، مجرد إعلان سياسة من طرف واحد؟
وحتى لو كان هذا الإعلان خطأ، وهو فى رأيى الشخصى خطأ، فماذا تصنع الأطراف الأخرى إزاء واحد يقول:
- هذا رأيى؟
هل تلوى ذراعه وتقول له: لا، لا بد أن تغير رأيك.
أم تتركه للتجربة تتولى وحدها إقناعه بخطأ ما ذهب إليه؟!
ولكن ما الذى تملك باقى الأطراف الأخرى أن تفعله؟!
فى هذه المرحلة... ليس أمامها إلا شئ واحد...
هو أن: تناقشه!
ذلك هو الباب الوحيد المفتوح.
وذلك ما فعله الأقطاب الأربعة العرب فى مؤتمرهم فى القاهرة.
وحينما وجه أيزنهاور رسالته الشهيرة للكونجرس الأمريكى وشرح فيها نواياه وطلب من الكونجرس إقرارها تمهيداً لإرسال بعثة ريتشاردز لكى تضع مشروعاً مفصلاً على هدى مباحثاتها فى الشرق الأوسط... ثارت فى المنطقة تيارات هائلة من رد الفعل.
وكانت هذه التيارات الهائلة كلها... تناقش.
كان هناك تيار يقول: أن هذا الاتجاه ردة إلى عصر لا خيار فيه للشرق الأوسط إلا بين ذهب المعز وسيفه.
من لا يريد الذهب يأخذ السيف.
أو بصراحة أكثر من لا يُسكته الذهب يُخرسه السيف؟
وكان هناك تيار يقول أن هذا الاتجاه دفع بالشرق الأوسط إلى زمهرير الحرب الباردة وعرائها وعواصفها.
إن الكتل الشعبية الواعية تعتنق كلها مذهب الحياد الإيجابى، فإذا كانت أمريكا اليوم تريد أن تقول لها، وذلك هو المعنى الحقيقى الكامن فى النوايا المعلنة حتى الآن!
"من ليس معنا فهو علينا".
فذلك منزلق خطر!
وهناك كتل شعبية لا تريد أن تكون معهم ولا تريد أن تكون عليهم وإنما تريد أن تكون مع مصالحها ومع الحق... أينما كان... معهم أو عليهم.
وكان هناك تيار يقول: أن هذا الاتجاه لا يقدم للشرق الأوسط أى ضمان حقيقى... ما قيمة ضمان يحمى الشرق الأوسط من أعداء أمريكا، ولا يحمى الشرق الأوسط من أصدقائها!
وكان هناك تيار يقول: أن هذا الاتجاه سوف ينقض على صرح الأمم المتحدة، فإنه إذا كان لا بد أن يُصان السلام فى الشرق الأوسط، فإن هناك قوة واحدة ألقت إليها الشعوب بكل أمانيها وكل إمكانياتها حتى توطد أواصر السلام، لا فى الشرق الأوسط وحده، وإنما فى الدنيا بأسرها، وهذه القوة هى الأمم المتحدة... وأى عمل خارج نطاقها هدم لسلطانها وخطر على هيبتها ونفوذها.
وكانت هذه التيارات كلها تناقش!
لم تكن ترفض ولا تقبل!
لم تكن تقول لا أو نعم!
وحديثى هنا عن الكتل الشعبية الواعية فى الشرق الأوسط، وليس حديثى هنا عن غيرها!
وبينما المناقشة محتدمة... جاءت رحلة العاهل السعودى إلى واشنطن.
وكانت فرصة ليسمع الغرب بأذن الملك سعود ويتكلموا بلسانه.
وفى واشنطن سمع سعود... وتكلم سعود.
ومن العجيب أن الأخبار التى تابعت رحلة الملك فى واشنطن ركزت اهتمامها على الذى سمعه سعود... وحاولت أن تتغافل عن الذى قاله سعود.
ولكن سعود... كما سمع كثيراً قال كثيراً.
سمع وجهة نظر أمريكا... وقال وجهة نظر العرب.
ثم قفزت الأخبار على تصريح للملك قال فيه:
"إننى أُقدر الإيضاحات التى سمعتها وأرجو أن أتمكن من شرحها لزملائى حينما التقى بهم فى القاهرة".
قفزت الأخبار على هذا التصريح وحاولت أن تفهم من ألفاظه أكثر مما تحتمل معانيه...
حاولت من هذا التصريح أن تتصور أن سعود وافق على مشروع أيزنهاور.
ولم يكن ذلك بالطبع صحيحاً لسبب بسيط - كما قلت - هو إنه ليس هناك "بعد" مشروع... وما زال الأمر أمر "نوايا" فى طريقها بعد خطوات متعددة إلى أن تصبح مشروعاً.
ثم وصل العاهل السعودى إلى القاهرة... وعقد اجتماع الأربعة العرب الكبار.
وروى الملك لزملائه ما سمعه فى واشنطن، وما قاله فى واشنطن.
كان الملك قبل ذهابه إلى واشنطن قد اجتمع بزملائه العرب فى القاهرة واتفقوا على وجهة نظر واحدة... وُضعت كتابةً فى مذكرة محددة.
وقام الملك فى واشنطن بجهود أصيلة وصفها الأقطاب العرب فى بيانهم بقولهم:
"لقد استعرض المجتمعون الجهود المشكورة التى بذلها صاحب الجلالة الملك سعود بن عبد العزيز خلال زيارته للولايات المتحدة الأمريكية وما أوضحه جلالته للمسئولين فيها من وجهات النظر العربية حول مشاكل الشرق الأوسط".
وإذن فإن الملك سعود لم يسمع فقط كما حاولت الأخبار الواردة من واشنطن أن تقول.
وإنما سمع إيضاحات وقدم بدوره إيضاحات.
أى أنه "ناقش".
وكان ذلك ما فعله باقى الزعماء العرب فى اجتماع القاهرة التاريخى.
سمعوا ما قيل لسعود، وكما ناقشه الملك فى واشنطن بنفسه، ناقشوه هم أيضاً فى القاهرة.
وكانت بين أوراق العاهل السعودى، مذكرة أمريكية مكتوبة، رداً على المذكرة العربية المكتوبة التى كانت بين أوراقه حينما وصل إلى واشنطن.
وانتهت مناقشات الأقطاب العرب إلى مذكرة جديدة مكتوبة، تولى صاحب الجلالة السعودية أمرها، فدعا السفير الأمريكى فى القاهرة إلى مقابلته فى قصر القبة عند منتصف ليلة الخميس.
وكانت هذه المذكرة كلمة جديدة فى:
المناقشة!
مناقشة "نوايا"... فى طريقها إلى "مشروع".
"نوايا" قدمها أيزنهاور للكونجرس، ولم يصنع منها بعد "مشروعاً" يُعرض على الشرق الأوسط.
ماذا هناك إذن لكى يُقبل... أو يُرفض... أو يُختلف عليه؟ ما دام صاحب المشروع نفسه لم يستقر بعد على تفاصيله؟!
هذه هى الحقيقة! وبعدها.. نقطة، وانتهى المقال!!
6/3/1957
No comments:
Post a Comment