Friday, 17 July 2009

الصورة التى يراها رجل عائد من جزيرة بعيدة مهجورة!



الصورة التى يراها رجل عائد من جزيرة بعيدة مهجورة!
6 مبادئ و6 تفسيرات لها... بأيها تأخذ مصر؟
ماذا قال محمود فوزى فى الأمم المتحدة لهنرى كابوت لودج؟
افتراض.. مجرد افتراض؟

لنفرض أن رجلاً ذهب منذ ستة شهور إلى رحلة فى جزيرة بعيدة مهجورة.. ليس بينها وبين أى بقعة غيرها على الأرض اتصال مباشر أو غير مباشر.. لا تليفون، ولا إذاعة، ولا صحف.. ولا.. ولا، ولا شئ على الإطلاق، وقضى هذا الرجل على الجزيرة البعيدة المهجورة ستة شهور، ثم عاد من رحلته.

عاد إلى أى عاصمة من عواصم الغرب.. إلى باريس مثلاً، أو لندن، أو نيويورك، ثم عكف على الصحف التى تصدر فى هذه العواصم يقرؤها بلهفة وشوق، حتى يعود إلى الحياة فى دنياه، يفهم ما يجرى ويتابع ما يتعاقب من الأحداث، ما الذى سيفهمه هذا الرجل مما تقرؤه عيناه؟

الصحف فى الغرب كلها تطالب بضمانات من مصر لصالح إسرائيل!

الصحف فى الغرب كلها تتحدث عن عدوان مصر على إسرائيل!

الصحف فى الغرب كلها تتحدث عن تحدى مصر للقوانين الدولية!

الصحف فى الغرب كلها تتحدث عن تمرد مصر على الأمم المتحدة!

وعلى هذا الأساس، هل يمكن أن يفهم الرجل العائد من الجزيرة البعيدة المهجورة، إلا أن مصر هى التى هاجمت إسرائيل، وهى التى اعتدت عليها، وهى التى تحدت كل قانون، وتمردت على كل سلطة دولية تستند فى أحكامها على العدل والقانون؟

الرجل العائد من الجزيرة البعيدة المهجورة.. لا يستطيع أن يفهم إلا هذا.. وله العذر، فذلك ما تقوله الصحف التى وقعت فى يديه.

ولكن..

هل ذلك هو ما حدث؟

أم أن عكسه تماماً هو الحقيقة.

وأن إسرائيل هى التى هاجمت، واعتدت، وتحدت وتمردت!

ولكنها حملة الأكاذيب، التى كُتب على مصر أن تواجهها، بعد أن فرغت لتوها من مواجهة حملة النار التى تقدمت هاجمةً عليها من سيناء ومن منطقة القناة، حملة أكاذيب.. تجترئ على كل قيمة، وتنقض كل عهد، وتشوه كل جلال.. وتحاول أن تطفئ كل نور.. حتى يكون الحكم للظلم.. وللظلام!

لم تتورع حملة الأكاذيب عن شئ، لم تكتف بأن تختلق ضد مصر ما شاء خيال الذين يوجهوا لها.. بل شاءت أن تختلق على لسان مصر نفسها.. أشياء لم يجر بها لسان مصر بل لم تخطر ببالها.

حتى حين قررت مصر عودة إدارتها العربية الوطنية إلى غزة لم تتورع حملة الأكاذيب عن أن تتهم مصر بأنها خالفت ما سبق أن تعهدت به.

ومضت حملة الأكاذيب تصور مصر فى مظهر الذى لا يحترم كلمته، ثم تدعى أن مصر كانت وافقت على أن لا تعود الإدارة المصرية إلى غزة.. ثم خرجت على الوعد، لما وجدت فرصة صالحة وثبت منها إلى أغراضها.

ثم انكشفت حملة الأكاذيب حين لم تستطع أن تبرز دليلاً مادياً واحداً على أن مصر سبق أن وافقت على عدم عودة الإدارة المصرية إلى غزة.

بل اتضح أن مصر كانت تُصر على عودة هذه الإدارة، حتى قبل أن تنسحب إسرائيل من غزة.. وكانت تُصر على ذلك صراحةً.

بل أنه حدث مرة فى الأمم المتحدة أن المستر هنرى كابوت لودج مندوب أمريكا الدائم لدى هذه المنظمة الدولية - قال للدكتور محمود فوزى أنه يعد قراراً ينص على قيام فترة انتقال بين انسحاب إسرائيل من غزة وبين عودة مصر إليها، على أن يكون الأمر خلال هذه الفترة فيه للأمم المتحدة تهيئ الجو، وتزيل آثار الماضى، وتمهد للمستقبل - ولكن الدكتور محمود فوزى رفض صراحةً، وقال لهنرى كانوت لودج:

- إذا قدمت مثل هذا القرار فسوف تعطى مصر صوتها ضده، وسوف تطلب إلى جميع أصدقائها أن يفعلوا نفس الشىء.

ولم يقدم كابوت لودج هذا القرار!

وإذن فإن مصر لم تكن قد قطعت على نفسها وعداً بأن لا تعود الإدارة المصرية إلى غزة، وإنما مصر كانت مصممة طوال الوقت على عودة إدارتها إلى غزة.

وأكثر من هذا أن مصر لم تترك تصميمها هذا - نية كامنة فى ضميرها.. حتى حانت فرصة مناسبة للوثوب - بل كانت طول الوقت تتحدث بأصرح لغة ممكنة عن نواياها وخططها.

المبادئ الستة؟!

واليوم تمسك حملة الأكاذيب بعلم جديد ترفعه للرياح تخفق فيه، وتحاول أن تلقى فى روع الدنيا، إنه علم الحق.

والعلم الجديد اسمه "المبادئ الستة" التى أقرها مجلس الأمن لحل مشكلة قناة السويس.

وتمضى حملة الأكاذيب تحاول أن ترسم مصر فى صورة الذى تنكر لعلم الحق، وألقاه على الأرض.. على التراب وعلى الأقذار.. وتمادى فداس فوقه مبالغةً فى الإذلال والهوان، ولكن هل هذا صحيح؟!

أبداً...

ومع ذلك ما هى هذه المبادئ الستة التى أقرها مجلس الأمن؟

بعد مناقشات طويلة ومضنية.. فى السر وفى العلن، انتهت اجتماعات مجلس الأمن التى عقدت فى أول شهر أكتوبر سنة 1956.. انتهت بالوصول إلى ستة مبادئ رئيسية.. رأى مجلس الأمن أن تجرى على ضوئها مفاوضات فى جنيف، بين مصر من ناحية وبين بريطانيا وفرنسا من ناحية أخرى، بغية الوصول إلى حل نهائى للمشكلة التى ثارت بعد تأميم قناة السويس.

وفى نفس الجلسة التى انتهى فيها مجلس الأمن إلى هذه المبادئ الستة، تعاقب أعضاء المجلس، كل منهم يحاول أن يفسر مفهوم هذه المبادئ الستة كما يرى هو.. وعلى نحو من سياسة بلاده.
كان أول المتكلمين هو سلوين لويد وزير خارجية بريطانيا.

"قال سلوين لويد بالنص:

"أن الحكومة البريطانية ترى أن خير تطبيق للمبادئ الستة، هو مقترحات الدول الثمانى عشرة التى انتهى إليها مؤتمر لندن".

وقام بعده كريستيان بينو وزير خارجية فرنسا فقال:

"إن مقترحات الدول الثمانى عشرة هى خير ما يضمن مصالح الدول المهتمة بالقناة فى هذا المجرى المائى الخطير، ذلك هو رأى الحكومة الفرنسية".

وقام بعده ديمترى شبيلوف وزير خارجية روسيا وقتها فقال:

"إن مبادئ الدول الثمانى عشرة تتنافى مع سيادة مصر، ولا يمكن أن تكون تفسيراً لهذه المبادئ الستة التى انتهت إليها مناقشاتنا".

وقام بعده جون فوستر دالاس وزير خارجية أمريكا فقال:

"مع أن حكومة الولايات المتحدة ترى أن مقترحات الدول الثمانى عشرة هى خير تطبيق للمبادئ الستة، إلا أن حكومته لا ترى من العسير إمكان التوفيق بين هذه المقترحات وبين أى مقترحات محددة تقدمها الحكومة المصرية".

وقام بعده بول هنرى سباك وزير خارجية بلجيكا.. فلم يكتف بمقترحات الدول الثمانى عشرة وإنما طالب بما هو أشد.

وجاء الدور على وزير خارجية مصر.. الدكتور محمود فوزى الذى وقف وقال صراحةً:

"أحب أن تعرفوا وجهة نظر الحكومة المصرية بكل وضوح وكل تحديد..

نحن نعتبر أن خير تطبيق لهذه المبادئ الستة هو توكيد اتفاقية سنة 1888 المعقودة فى القسطنطينية.

موعد فى جنيف..

وانتهت هذه الجلسة الأخيرة لمجلس الأمن فى مناقشة مشكلة قناة السويس..

وتقرر أن يتحدد يوم 29 أكتوبر سنة 1956.. أى بعد أسبوعين من تاريخ جلسة مجلس الأمن.. موعداً لعقد الاجتماعات المرتقبة فى جنيف بين مصر من ناحية، وبريطانيا وفرنسا من ناحية أخرى لإجراء مفاوضات على أساس المبادئ الستة، وجاء يوم 29 أكتوبر.. يوم المفاوضات المقرر عقدها فى جنيف.. فى المقر الأوروبى للأمم المتحدة.. المطل فى أناقة وجلال على بحيرة "ليسان"، والذى عاشت فيه عصبة الأمم حتى نسفت وجودها مدافع الحرب العالمية الثانية..

جاء يوم 29 أكتوبر.

ولم يجئ المتفاوضون، وإنما فى مساء نفس اليوم المقرر للمفاوضات هجمت إسرائيل على مصر، وفى اليوم الثانى جاءت بريطانيا وفرنسا فى أعقاب إسرائيل، والهدف هو القضاء على مصر عسكرياً.. بتحطيم جيشها.. وإرغامها على الاستسلام.

مؤامرة رهيبة، ولكن النصر كان مع مصر، فقد كانت طرفاً فى حلف مقدس.. حلف مع الله.

وتراجعت جيوش البغى.

وبدأت آثار العدوان تزول أثراً بعد أثر.

واستعدت قناة السويس.. لعودة الملاحة إليها من جديد، وكان إغلاق هذه القناة أول أثر من آثار حملة السويس الفاشلة.

ماذا أهملته مصر؟!

وتكرر الحديث عن قناة السويس!

وأذاعت مصر مذكرتها على العالم بشأن مستقبل القناة، وسارعت حملة الأكاذيب.. ترفع علم المبادئ الستة.. المبادئ الستة!

ولكن ما الذى تقوله هذه المبادئ الستة.. إنها كما يلى:

1- حرية المرور فى قناة السويس.

2- احترام سيادة مصر.

3- عزل القناة عن السياسة.

4- اتفاق على الرسوم.

5- تحديد نسبة عادلة من هذه الرسوم للتحسين.

6- التحكيم فى حالة أى نزاع.

والآن ما الذى قالته مذكرة مصر غير أنها وضعت حلولاً عملية لهذه المبادئ؟

أعلنت مذكرة مصر ضمان مصر لحرية المرور، وأعلنت عزم مصر على صيانة سيادتها، وأعلنت توكيدها لاتفاقية 1888، وأعلنت أن نظام الرسوم سيبقى كما كان فى عهد الشركة القديمة، وكان هذا النظام موضع رضا جميع الدول بدليل أن دولة منها لم تتقدم بشكوى واحدة ضده، وأعلنت مصر تخصيص 25 فى المائة من الرسوم لمشروعات تحسين القناة، وأعلنت مصر قبولها للتحكيم فى حاله أى نزاع.

أين إذن مخالفة مصر للمبادئ الستة.. أو حتى أين إهمال مصر للمبادئ الستة!

أم ترى المخالفة والإهمال هما التفسيرات الأخرى المختلفة للمبادئ الستة!

تفسير سلوين لويد لها.. وتفسير كريستيان بينو لها.. وتفسير جون فوستر دالاس لها.. وتفسير بول هنرى سباك لها..

تفسير هؤلاء جميعاً لها: أن خير تطبيق لها هو مقترحات الدول الثمانى عشرة التى هى فى الواقع ليست إلا عملية تدويل للقناة؟!

********

وبعد إننا لا نقول كان الله فى عون مصر على ما تلاقى من حملة الأكاذيب، وإنما نقول كان الله فى عون المبادئ.. كل المبادئ... حتى المبادئ الستة!!

10/4/1957

No comments:

Post a Comment