الأحد:
من أعز أمانىّ يوماً، أن تكبر السياسة الأمريكية، وتعقل وتركز، وتتخلص من هذه "الخفة" التى أصبحت الآن صفة تلازم معظم تصرفاتها، وتصاحبها فى كل اتجاه!
إن الذين يحاولون التماس المعاذير لهذه "الخفة" الأمريكية لا يجدون ما يقولونه أحياناً، إلا أن أمريكا بلد شاب، وغنى، وقوى و"الخفة" أبسط ضريبة يمكن أن تفرضها الظروف على أى وارث سعيد آلت إليه الثروة الطائلة وهو يعد فى مطلع الصبا من غير خبرة وبدون تجربة!
ولكن، حتى هؤلاء الذين يحاولون التماس المعاذير لهذه "الخفة" الأمريكية أصبحوا يرون اليوم أنه قد آن الأوان لتكف السياسة الأمريكية عن دور الوارث السعيد، وتصل إلى سن الرشد الذى طال بالدنيا انتظار وصولها إليه، ثم تبدأ تمارس دورها فى خط واضح، صريح ومستقيم!
والذى زاد الطين بلة، أن الوارث السعيد، الجديد على عوالم الليل ومغامراتها، أحاط نفسه بمجموعة من البلطجية، يعرفون طريقهم تحت الظلام إلى بيوت الخطيئة، يفتحون أبوابها الحمراء كل ليلة للوارث السعيد، يتسلل وراءهم، وراء اللذة الحرام!
ولكن هؤلاء البلطجية لا يعملون لحساب الوارث السعيد.
إنهم يعملون لحساب أنفسهم أولاً وأخيراً، ولا يخدمونه إلا بقدر ما تكون خدماتهم له تحقيقاً لمصالحهم... مصالحهم هم!
إن جاءوه مثلاً بجارية من بغداد، تقاضوا الثمن منه، وتقاضوه من جارية بغداد!
وإن أغروا - من أجله مثلاً - غانية بالزلل، قادوها إلى نهاية الطريق، لتصبح وإذا حرفتها الزلل!
ثم هم يسرقون ويخطفون، ويقتلون أحياناً، اعتماداً على غناه العريض!
من هذا الغنى العريض يدفعون الرشاوى، ومنه يوكلون أفصح المحامين، ومنه أخيراً يدفعون الغرامات إذا حان وقت سداد الحساب!
"بلطجية" حول وارث سعيد.. "خفيف".
بلطجى اسمه "إيدن"، بلطجى اسمه "موليه"، بلطجى ثالث اسمه "بن جوريون"!
وبلطجية آخرون.. كثيرون!
وأحياناً كما حدث فى حالة البلطجى "إيدن" يتنبه الوارث السعيد إلى العواقب الوخيمة التى يمكن أن يجرها عليه المسلك الوعر لبعض الذين يدعون أنهم رجاله.
أحياناً يحدث هذا فيفيق الوارث السعيد من أحلام المغامرات، وتبرق فى تصرفاته ومضات العقل الرشيد.
وأحياناً أخرى يمضى الوارث السعيد فى أحلام المغامرات، لا يسمع لنصيحة.. بل ولا يرد على سؤال!
والناس من حول الوارث السعيد "الخفيف" فى حيرة من أمره.
إنه أحياناً يفيق وإذن فلا مجال ليأس!
ولكنه كثيراً ما يندفع وإذن فأين مجال الأمل؟!
حيرة حقيقية.. حتى فى أبسط المسائل! حتى فى تصريحات دالاس.
تصريح فى الصباح عاقل، وتصريح فى المساء مجنون، وعند العصر تصريح ثالث لا هو بالعقل ولا هو بالجنون!
ولكن...
ما الذى ذكرنى بهذا كله اليوم؟!
سؤال فى موضعه!
والإجابة عليه.. تصريح أمريكى قرأته هذا الصباح، وصاحبه هو ريتشارد نيكسون، نائب رئيس الجمهورية الأمريكية، والرجل الذى قد يصبح سيد البيت الأبيض فى أى يوم.. بل فى أى لحظة!
تصريح لنيكسون بعد أن وصل إلى واشنطن عائداً من رحلته الأفريقية التى استمرت عشرة أيام أو نحو ذلك، ثم أصبح نيكسون بعدها من أخبر الخبراء بشئون أفريقيا.. أو هكذا نقلت البرقيات التى روت عنه أنه سيكتب تقريراً مطولاً عن الحالة فى أفريقيا يرفعه إلى الرئيس أيزنهاور!
ثم سمح نيكسون لبعض لمحات من هذا التقرير أن تتسرب، وبين اللمحات التى تسربت من تقرير نيكسون أنه يرى ضرورة إنشاء محطات إذاعة أمريكية قوية لترد على الدعاية المصرية، كما أنه يرى ضرورة مواجهة النشاط المصرى الذى يثير الشكوى بنشاط أمريكى يوقفه عند حده ويصد أثره ويمنع ضرره!
وتسرب من تقرير نيكسون أيضاً أن إمبراطور الحبشة هيلاسلاسى شكا إليه - إلى نيكسون - من أن مصر تقوم بعملية تحريض عليه.. على الإمبراطور بين الرعايا المسلمين فى الصومال!
ومن الإنصاف لنيكسون أن يقال أن تلك لم تكن أول مرة ترددت فيها حكاية شكوى الحبشة من تصرفات قامت بها مصر.. أو قيل أن مصر قامت بها!
لقد بدأت هذه الحكاية منذ نسبت جريدة نيويورك تيمس إلى إمبراطور الحبشة نفسه، وأثناء حديث جرى لمراسلها مع جلالته، أنه شكا بصراحة من تصرفات مصرية فى هذا الاتجاه، وضرب جلالته المثل بوجود مدرسين مصريين تبعث بهم مصر إلى الصومال!
وعلى أثر نشر هذا الحديث أصدر القصر الإمبراطورى فى أديس أبابا بياناً بتكذيبه.
ولكن تلك كما يبدو، لم تكن نهاية القصة، فإن نيكسون عاد إليها من جديد.
وإذا كان إمبراطور الحبشة بنفسه قد نفى هذه القصة.
وإذا كانت أمريكا مازالت تصر عليها، على صفحات نيويورك تيمس مرة، وعلى لسان نيكسون مرة أخرى، فلابد إذن أن مصدر القصة أمريكى.
ومع ذلك فلماذا لا نناقش القصة سواء كان مصدرها حبشياً أو كان أمريكياً؟
كيف يمكن أن يكون وجود مدرسين مصريين فى الصومال عملاً من أعمال التهييج والإثارة تقوم به مصر.
إن الصحف الأمريكية التى تتعرض لموضوع المدرسين المصريين - لا فى الصومال وحده - وإنما فى الشرق العربى كله، تحاول أن تتخذ من وجودهم دليلاً على أن لمصر مطامع توسعية.
وهو تفكير مضحك!
إن بعثات المدرسين المصريين إلى الشرق العربى بدأت من زمن طويل فقد كانت لمصر رسالة ثقافية وفكرية قديمة نهضت بمسئولياتها قبل عشرات السنين.
وكانت مصر ترسل المعلمين إلى مدارس العراق مثلاً حتى أيام كانت مصر تحت الاحتلال البريطانى!
فهل كانت تلك، ومن أيامها، سياسة توسعية؟!
وإذا كان نطاق هذه البعثات قد اتسع بعد الثورة فهل ذلك دليل على تفكير استعمارى مصرى ناشئ، أم هو دليل على إدراك أعمق لمسئولية تاريخية؟!
أمر واضح.. ولكن الخوف من مصر، والتخويف بمصر، مسألة تعدت كل منطق معقول!
والحكاية التى ترددت فى الحبشة تجد أصداء لها فى بلاد أخرى غير الحبشة!
خوف من مصر، وتخويف بمصر، فى كل المنطقة من أولها إلى آخرها!
يدور الهمس مثلاً فى دوائر أجنبية معينة فى تونس..
والهمس يقول أن الملحق العسكرى المصرى فى تونس يقوم بنشاط خطير يحاول أن يقلب به حكومة الحبيب بورقيبة!
ويشتد الهمس فى هذه الدوائر.
ثم يشتد.
ثم يتحول إلى أسطورة كبيرة..
ثم تتكلم مصر.. تقول كلمة واحدة:
- ولكن نسيتم شيئاً.. ليس لمصر ملحق عسكرى فى تونس!!
ويسكت الهمس فى تونس..
يسكت ولكن ينتقل مثلاً إلى مراكش نفس الدوائر الأجنبية المعينة.
ونفس طريقة الهمس ونفس اتجاهها، ومصر هذه المرة فى مراكش تقوم بنشاط خطير لقلب حكومة السلطان محمد بن يوسف!
ويشتد الهمس فى هذه الدوائر.
ثم يشتد.
ثم يتحول - أيضاً - إلى أسطورة كبيرة.
ثم تتكلم مصر.. تقول كلمة واحدة:
- ولكن لماذا تتآمر مصر على عرش السلطان محمد بن يوسف؟
حينما خلع السلطان عن عرشه بواسطة الاستعمار الفرنسى، كانت مصر هى البلد الوحيد الذى وقف بجوار السلطان.
وكان راديو القاهرة لا يمل من الحديث عن السلطان الشرعى فى وقت حاول الفرنسيون فيه أن يقيموا عليه ستاراً يحجبه فى منفاه بمدغشقر.
وبذلت مصر كل ما تستطيع أن تبذله للمقاومة فى مراكش.
ثم تحقق النصر للوطنية المراكشية، وعاد السلطان إلى عرشه.
فكيف تحاول مصر اليوم أن تخلع سلطاناً كانت مصر نفسها حتى شهور قليلة داخلة فى معركة حياة أو موت ضد فرنسا.. من أجل عودته إلى وطنه.
ثم، وبصراحة، ماذا كان بين مصر وبين فرنسا، حتى اندفعت فرنسا كالفاقد عقله إلى الاشتراك فى حماقة السويس..؟
ماذا.. إلا موقف مصر مع الحركة الوطنية فى شمال أفريقيا؟!
ويسكت الهمس فى مراكش.
يسكت ولكن ينتقل مثلاً إلى ليبيا.
ونفس الدوائر الأجنبية المعينة.
ونفس طريقة الهمس.. ونفس اتجاهها.
وفى هذه المرة يتحول الهمس إلى ضجيج، وتمتد الأيدى تشير إلى تصرف حماسى للملحق العسكرى المصرى وقت أن بدأ الهجوم على مصر، وتتخذ منه الدليل القاطع والبرهان الحاسم!
ومع أن مصر سحبت ملحقها العسكرى الذى لم يفعل إلا أن تصرف بحماسة فى ظرف عصيب مر على وطنه، فإن هذا لم يكن كافياً فى نظر الدوائر الأجنبية المعينة..
وهذه المرة.. مصر تتآمر على عرش الملك السنوسى... وحين يظهر الملك السنوسى بنفسه استياءه لاتهام مصر بالتآمر عليه... يسكت الهمس...
يسكت ولكنه يحاول أن ينتقل من ليبيا إلى مكان آخر غيرها... يستطيع فيه أن يواصل نشاطه!
خوف من مصر.
ويحاولون نقله من صدورهم إلى بعض الرءوس الحاكمة فى الشرق العربى... بذراً لبذور الشك... وزرعاً للفرقة والخلاف!
خوف من مصر.
وتخويف بمصر... فلقد اكتشفت قيمة السلاح... وإذن يستعمل فى المعركة على أوسع نطاق.
بل لقد وصل الأمر إلى حد استعماله على مستوى فردى.
فى الخرطوم مثلاً...
انفجرت قنبلة فى دار إحدى المؤسسات.
ويذهب صاحب المؤسسة إلى سفارة أمريكا فى الخرطوم، يقول أن القنبلة وضعت فى مؤسسته لأنه يعارض سياسة مصر ويؤيد سياسة أمريكا...
ثم يقدم بعد حساباً بالتعويضات!
والعجيب أنه لا تمضى أسابيع قليلة حتى تنفجر قنبلة ثانية فى الخرطوم ويتضح أن الذى وضعها إنجليزى قبض عليه بالفعل، ويجرى معه الآن تحقيق.
ولولا أن استطاع التحقيق أن يتوصل إلى الجانى، لكان هنا من همس بأن مصر وراء القنبلة...
لماذا؟
لأن ذلك يثير حماسة أمريكا... وعطفها... وكرمها مع الذين يؤذون بسببها... أليس ذلك منطقياً؟!
بقى شئ واحد!
بقى أن مصر لا تحاول أن تقوم بدور إيجابى فى هذه العملية.
إنها تترك لمن يريد أن يصدق، حرية أن يصدق ما يريد!
لا تكذب أحداً... ولا تدفع عن نفسها تهمة.
بل والأكثر أنها لا يضايقها أن يحصل أى بلد فى الشرق العربى، على أى ميزة يستطيع أن يحصل عليها من عملية الخوف من مصر والتخويف بمصر!
بل لقد شجعت مصر يوماً عملية التخويف بها... والمثال حى قائم فى ليبيا...
كانت ليبيا تريد أن تحصل على أسلحة من بريطانيا، وكانت بريطانيا تماطل..
وكانت المشكلة موضع حديث فى مصر وقتها...
وقالت ليبيا:
- قولوا للإنجليز... إذا لم تعطونا السلاح فسوف نأخذه من مصر.
وكانت النتيجة أن حصلت ليبيا على كل ما أرادت من سلاح بريطانى... وفوقه معونة أمريكية!
وكان استعمال اسم مصر فى هذه المسألة يرضى مصر... بل وبمشورة مصر.
كل هذا والسياسة الأمريكية تجرى وترمح وتبرطع.
سفارات تجرى وترمح وتبرطع.
وصحف تجرى وترمح وتبرطع.
وجاء نيكسون وزار أفريقيا وراح بدوره يجرى ويرمح ويبرطع.
ومتى.. متى تكبر السياسة الأمريكية وتعقل وتركز؟!
ويبلغ الوارث السعيد... سن الرشد؟
الثلاثاء :
وبعدين مع سفارة الباكستان فى القاهرة..؟
تساؤل أقوله بهدوء لا يشوبه غضب أو ضيق.
وإنما هو إلى العتاب الرقيق أقرب منه إلى أى شئ آخر.
كل يوم أتلقى من سفارة الباكستان خطاباً.
وكل خطاب من سفارة الباكستان شتم وقدح فى الهند، أو شتم وقدح فى شخصية من شخصيات الهند.
وليت السبب كان خلاف الباكستان مع الهند من أجل كشمير.. وإذن لما قلت شيئاً، وكنت عزوت الأمر إلى حدة الصراع بين البلدين، ورغبة كل منهما فى شرح وجهة نظره فى موضوع النزاع، حتى ولو وصل الأمر إلى حد الشتم وإلى حد القدح.
ولكن ذلك ليس الموضوع الذى أتلقى بسببه رسائل سفارة الباكستان..
مرة من المرات مثلاً.. أو خطاب من الخطابات حوى صورة كاريكاتورية، منقولة من جريدة هندية، تصور مصر وحدها فى المعركة وقد تخلى عنها العرب جميعاً، وكانت الصورة فى اليوم الأول للهجوم، ولم يكن الموقف قد تجلى بعد ولا كانت فورة الشعوب العربية وثورتها انتصاراً لمصر قد انفجرت نيرانها.
ولكن سفارة الباكستان قفزت إلى الفرصة.
طبعت الصورة التى تخيلت أن فيها تعريضاً بمصر ثم وضعتها فى مظروف، ووضعت فى المظروف مع الصورة خطاباً معناه:
"انظروا ماذا تقول صحف الهند التى تدعى صداقة مصر.. !".
وقرأت الخطاب يومها وأنا أتميز غيظاً.
فإن المحاولة كانت ساذجة وأكاد أقول رخيصة.
حتى ولو كانت الصورة تحوى نقداً لمصر، فليس فى هذا ما يعيب الهند، ولا ما ينتقص من الجهد العظيم الذى شاركتنا به فى معركتنا الكبرى..!
هذه ناحية من المسألة.
وناحيتها الأخرى، أنه حتى ولو كانت الصورة تحوى نقداً لمصر فلم يكن
لسفارة الباكستان فى القاهرة أن تحاول حشر نفسها فى العلاقات بين الهند
ومصر..!
ويوم تلقيت هذا الخطاب، لم أفعل إلا أن ألقيت به فى سلة المهملات، واعتبرت الأمر منتهياً من جانبى، وكنت على استعداد لأن أسكت عليه، لا أشير إليه من قريب أو بعيد..!
ثم توالت خطابات سفارة الباكستان.
وكاد واحد منها أن يخرجنى عن سكوتى.
خطاب يحاول التشكيك فى موقف نهرو زعيم الهند، ويلقى ظلال الريب على تهديده بالانسحاب من الكومنولث، ويوحى بأن نهرو لم يكن جاداً فى هذا التهديد ولم يتخذ أى خطوة عملية فى اتجاه تنفيذه.
ومع أن الظروف أثبتت فيما بعد أن تهديد نهرو بالانسحاب من الكومنولث كان حقيقة مؤكدة، وكذلك كان فى مرتبة الحقائق المؤكدة ما كان لهذا التهديد من تأثير فى موقف الوزارة البريطانية وقتها.
مع أن الظروف أثبتت هذا كله، إلا أن سفارة الباكستان فى القاهرة لم يكن لها الحق فى المقام الأول أن تحاول التشكيك فى موقف نهرو من مصر..!
تلك أولاً إساءة إلى مصر..
ثم هى فى اعتقادى إساءة إلى شعب الباكستان..
إساءة لشعب الباكستان من حيث هى مناسبة للمقارنة بين ما فعله نهرو، وما فعله حكام الباكستان..!
حتى ولو كان نهرو يهدد مجرد تهديد.
حتى.. ولو أن هذا غير صحيح.. فماذا فعل حكام الباكستان نصرةً لمصر وتأييداً لها.
حقيقةً كانت لشعب الباكستان مواقف رائعة..
ولكننى هنا لا أتحدث عن شعب الباكستان وإنما عن حكام الباكستان.
حكام الباكستان زجوا ببلادهم، مع الأسف الشديد فى حلف بغداد، والدنيا كلها تعرف الآن ما هو حلف بغداد، وما هى وسائله، وما هى الغايات التى يسعى إلى تحقيقها..
وحكام الباكستان كانوا طليعة الذين حرضوا دالاس على سحب تمويل مشروع السد العالى.. وكان ذلك فى اجتماع الحلف الذى عقد فى شهر مارس سنة 1956 فى طهران.
وحكام الباكستان كان بينهم من وقف يلتمس الأعذار لبريطانيا فى هجومها على مصر.
وحكام الباكستان أيضاً كان بينهم من وقف يعرض بمصر فى اجتماع الحلف الذى عقد أخيراً فى أنقره..!
وكنا نؤثر أن نتناسى هذا ولا ننساه.
ولكن المقارنة لم يكن منها بد.. وسفارة الباكستان فى القاهرة تحاول التشكيك فى موقف نهرو.. ومن غير وجه حق..
وكنت حتى بعد هذا التشكيك فى نهرو على استعداد لمواصلة السكوت.. حتى كان هذا الأسبوع خطاب آخر.
خطاب فاق الحدود فى التهجم على كريشنا مينون، وكان ذلك بمناسبة زيارته لمصر فى الأسبوع الماضى..
وكدت ساعتها أمسك القلم وأكتب مقالاً أقول فيه: "إن كريشنا مينون يساوى فى رأيى دستة على الأقل من أمثال سهروردى رئيس وزراء الباكستان!"
ثم عدلت عن كتابة هذا المقال..
عدلت عنه بعد أن تكشفت أمامى حقيقة كانت خافية علىّ.
سألت نفسى:
- لماذا تفعل سفارة الباكستان هذا؟! لماذا تحاول تجريح الآخرين..؟!
وكان الرد الذى لم أجد غيره:
- ربما كان لسفارة الباكستان عذر.
لقد كان يسر هذه السفارة ويسعدها أن تجد موقفاً باكستانياً رسمياً تملأ الصفحات حديثاً عنه وفخراً به.
ولكن.. أما وليس هناك من ناحية الباكستان الرسمية ما يملأ سطراً من الفخر.. أما وهذا هو الحال.. فليست هناك وسيلة إلا محاولة هدم لمواقف الآخرين.
سفارة الباكستان بالقاهرة تشعر بالحرج.. ولها الحق..
ومن وسائل تعبيرها عن هذا الحرج، ولو أنها وسيلة تعبير سلبية، أن تملأ صفحات خطاباتها شتماً وقدحاً فى الهند وزعماء الهند..!
أليست حالة نفسية متكشفة الجوانب؟ والتمست العذر لسفارة الباكستان!
ومن التماس العذر توجيه الحديث بهذه اللهجة التى بدأت بها هذا الكلام:
- وبعدين مع سفارة الباكستان فى القاهرة..؟
تساؤل وجهته بهدوء لا يشوبه غضب أو ضيق..!
بل.. ربما كان فيه فهم..
وعذر..!
الخميس:
قال لى الدكتور عبد المنعم القيسونى وزير المالية:
- ألا تريد أن تكتب وصفاً لقبو تضع مصر فيه ما يساوى 68 مليون جنيه من الذهب؟
قلت: إيه!! 68 مليون جنيه من الذهب.. أين هى؟
قال:
- فى خزائن البنك الأهلى... وهى احتياطى الحكومة الذى لم يمس...
بل الذى حاولنا أن نزيد عليه... كتلاً من الذهب فوق كتل!
قلت للدكتور عبد المنعم القيسونى بعد لحظة سكوت: عندى فكرة أحسن...
ما رأيك لو جعلنا توفيق الحكيم، أديب مصر الكبير ومفكرها الأشهر، يكتب هذا الموضوع.
إن حب توفيق الحكيم للذهب وحرصه عليه، أصبح أسطورة خالدة.
ولا أشك أن ملايين القراء سوف يستهويهم منظر توفيق الحكيم واقفاً بين ثمانية وستين مليون جنيه من الذهب.
ستكون التعبيرات على وجهه مشهداً تاريخياً.
بريق عينيه... خلجات شفتيه... إشارات يديه... بل حتى حركات عصاه... ستكون قصة.
ثم المقال الذى سيكتبه...
لا أشك أنه سيكون قطعة فنية خالدة.
وتحمس وزير المالية للفكرة، ورفعت التليفون أتصل بتوفيق الحكيم.
ودار الحديث على الوجه التالى:
قلت لتوفيق الحكيم:
- ما رأيك فى 68 مليون جنيه ذهب؟
ولم يرد توفيق الحكيم على الفور، وإنما قال بعد لحظة صمت: أين أنت؟
قلت ضاحكاً:
- أنت تعلم أنى لا أشرب... وبالتالى أنا أكلمك بكامل وعيى!
قال توفيق الحكيم وأنا أتصوره يهز رأسه بسرعة:
- لا يا شيخ...!
ثم استطرد: ماذا قلت؟
قلت:
- ما رأيك فى 68 مليون جنيه ذهب.
قال ضاحكاً:
- هل هذا كلام... اسمع... صحيح... صحيح... من أين تتكلم؟
قلت: ليست هذه هى المشكلة.. المهم أن هناك تصريحاً من وزير المالية.
قال توفيق الحكيم:
- وهل سيصرح لى وزير المالية بأن آخذ هذه الثمانية والستين مليون جنيه من الذهب؟
قلت بسرعة:
- لا طبعاً... ولكنه على استعداد لأن يجعلك تراها وتزورها وتقضى يوماً معها... ما رأيك!
قال بحيرة: بصراحة لا أفهم شيئاً.. كلمنى "جد"..
قلت:
- أنا أكلمك "جد".. ما رأيك لو كتبت لآخر ساعة مقالاً عن تجربتك وسط 68 مليون جنيه ذهب... وسمحت لنا أن نلتقط لك مجموعة من الصور وأنت واقف وسطها.
قال توفيق الحكيم بارتياح: يا نهار.. أقف وسط 68 مليون جنيه ذهب... شئ لطيف... شئ لطيف.
وفجأة استدرك توفيق الحكيم... وعلا صوته واختلجت نبراته...
- لطيف؟ لطيف إيه... دى مصيبة... دى كارثة.
قلت: الله... لماذا غيرت رأيك بهذه السرعة؟
قال:
- تذكرت... تذكرت ساعة الخروج... كيف أقضى نهاراً بين 68 مليون جنيه ذهب... ثم أتركها آخر النهار وأخرج... هذه مؤامرة... مؤامرة على عقلى... ليطير عقلى.
وسكت توفيق الحكيم لحظة ثم قال:
- والا إيه؟
قلت ضاحكاً: إيه
من أعز أمانىّ يوماً، أن تكبر السياسة الأمريكية، وتعقل وتركز، وتتخلص من هذه "الخفة" التى أصبحت الآن صفة تلازم معظم تصرفاتها، وتصاحبها فى كل اتجاه!
إن الذين يحاولون التماس المعاذير لهذه "الخفة" الأمريكية لا يجدون ما يقولونه أحياناً، إلا أن أمريكا بلد شاب، وغنى، وقوى و"الخفة" أبسط ضريبة يمكن أن تفرضها الظروف على أى وارث سعيد آلت إليه الثروة الطائلة وهو يعد فى مطلع الصبا من غير خبرة وبدون تجربة!
ولكن، حتى هؤلاء الذين يحاولون التماس المعاذير لهذه "الخفة" الأمريكية أصبحوا يرون اليوم أنه قد آن الأوان لتكف السياسة الأمريكية عن دور الوارث السعيد، وتصل إلى سن الرشد الذى طال بالدنيا انتظار وصولها إليه، ثم تبدأ تمارس دورها فى خط واضح، صريح ومستقيم!
والذى زاد الطين بلة، أن الوارث السعيد، الجديد على عوالم الليل ومغامراتها، أحاط نفسه بمجموعة من البلطجية، يعرفون طريقهم تحت الظلام إلى بيوت الخطيئة، يفتحون أبوابها الحمراء كل ليلة للوارث السعيد، يتسلل وراءهم، وراء اللذة الحرام!
ولكن هؤلاء البلطجية لا يعملون لحساب الوارث السعيد.
إنهم يعملون لحساب أنفسهم أولاً وأخيراً، ولا يخدمونه إلا بقدر ما تكون خدماتهم له تحقيقاً لمصالحهم... مصالحهم هم!
إن جاءوه مثلاً بجارية من بغداد، تقاضوا الثمن منه، وتقاضوه من جارية بغداد!
وإن أغروا - من أجله مثلاً - غانية بالزلل، قادوها إلى نهاية الطريق، لتصبح وإذا حرفتها الزلل!
ثم هم يسرقون ويخطفون، ويقتلون أحياناً، اعتماداً على غناه العريض!
من هذا الغنى العريض يدفعون الرشاوى، ومنه يوكلون أفصح المحامين، ومنه أخيراً يدفعون الغرامات إذا حان وقت سداد الحساب!
"بلطجية" حول وارث سعيد.. "خفيف".
بلطجى اسمه "إيدن"، بلطجى اسمه "موليه"، بلطجى ثالث اسمه "بن جوريون"!
وبلطجية آخرون.. كثيرون!
وأحياناً كما حدث فى حالة البلطجى "إيدن" يتنبه الوارث السعيد إلى العواقب الوخيمة التى يمكن أن يجرها عليه المسلك الوعر لبعض الذين يدعون أنهم رجاله.
أحياناً يحدث هذا فيفيق الوارث السعيد من أحلام المغامرات، وتبرق فى تصرفاته ومضات العقل الرشيد.
وأحياناً أخرى يمضى الوارث السعيد فى أحلام المغامرات، لا يسمع لنصيحة.. بل ولا يرد على سؤال!
والناس من حول الوارث السعيد "الخفيف" فى حيرة من أمره.
إنه أحياناً يفيق وإذن فلا مجال ليأس!
ولكنه كثيراً ما يندفع وإذن فأين مجال الأمل؟!
حيرة حقيقية.. حتى فى أبسط المسائل! حتى فى تصريحات دالاس.
تصريح فى الصباح عاقل، وتصريح فى المساء مجنون، وعند العصر تصريح ثالث لا هو بالعقل ولا هو بالجنون!
ولكن...
ما الذى ذكرنى بهذا كله اليوم؟!
سؤال فى موضعه!
والإجابة عليه.. تصريح أمريكى قرأته هذا الصباح، وصاحبه هو ريتشارد نيكسون، نائب رئيس الجمهورية الأمريكية، والرجل الذى قد يصبح سيد البيت الأبيض فى أى يوم.. بل فى أى لحظة!
تصريح لنيكسون بعد أن وصل إلى واشنطن عائداً من رحلته الأفريقية التى استمرت عشرة أيام أو نحو ذلك، ثم أصبح نيكسون بعدها من أخبر الخبراء بشئون أفريقيا.. أو هكذا نقلت البرقيات التى روت عنه أنه سيكتب تقريراً مطولاً عن الحالة فى أفريقيا يرفعه إلى الرئيس أيزنهاور!
ثم سمح نيكسون لبعض لمحات من هذا التقرير أن تتسرب، وبين اللمحات التى تسربت من تقرير نيكسون أنه يرى ضرورة إنشاء محطات إذاعة أمريكية قوية لترد على الدعاية المصرية، كما أنه يرى ضرورة مواجهة النشاط المصرى الذى يثير الشكوى بنشاط أمريكى يوقفه عند حده ويصد أثره ويمنع ضرره!
وتسرب من تقرير نيكسون أيضاً أن إمبراطور الحبشة هيلاسلاسى شكا إليه - إلى نيكسون - من أن مصر تقوم بعملية تحريض عليه.. على الإمبراطور بين الرعايا المسلمين فى الصومال!
ومن الإنصاف لنيكسون أن يقال أن تلك لم تكن أول مرة ترددت فيها حكاية شكوى الحبشة من تصرفات قامت بها مصر.. أو قيل أن مصر قامت بها!
لقد بدأت هذه الحكاية منذ نسبت جريدة نيويورك تيمس إلى إمبراطور الحبشة نفسه، وأثناء حديث جرى لمراسلها مع جلالته، أنه شكا بصراحة من تصرفات مصرية فى هذا الاتجاه، وضرب جلالته المثل بوجود مدرسين مصريين تبعث بهم مصر إلى الصومال!
وعلى أثر نشر هذا الحديث أصدر القصر الإمبراطورى فى أديس أبابا بياناً بتكذيبه.
ولكن تلك كما يبدو، لم تكن نهاية القصة، فإن نيكسون عاد إليها من جديد.
وإذا كان إمبراطور الحبشة بنفسه قد نفى هذه القصة.
وإذا كانت أمريكا مازالت تصر عليها، على صفحات نيويورك تيمس مرة، وعلى لسان نيكسون مرة أخرى، فلابد إذن أن مصدر القصة أمريكى.
ومع ذلك فلماذا لا نناقش القصة سواء كان مصدرها حبشياً أو كان أمريكياً؟
كيف يمكن أن يكون وجود مدرسين مصريين فى الصومال عملاً من أعمال التهييج والإثارة تقوم به مصر.
إن الصحف الأمريكية التى تتعرض لموضوع المدرسين المصريين - لا فى الصومال وحده - وإنما فى الشرق العربى كله، تحاول أن تتخذ من وجودهم دليلاً على أن لمصر مطامع توسعية.
وهو تفكير مضحك!
إن بعثات المدرسين المصريين إلى الشرق العربى بدأت من زمن طويل فقد كانت لمصر رسالة ثقافية وفكرية قديمة نهضت بمسئولياتها قبل عشرات السنين.
وكانت مصر ترسل المعلمين إلى مدارس العراق مثلاً حتى أيام كانت مصر تحت الاحتلال البريطانى!
فهل كانت تلك، ومن أيامها، سياسة توسعية؟!
وإذا كان نطاق هذه البعثات قد اتسع بعد الثورة فهل ذلك دليل على تفكير استعمارى مصرى ناشئ، أم هو دليل على إدراك أعمق لمسئولية تاريخية؟!
أمر واضح.. ولكن الخوف من مصر، والتخويف بمصر، مسألة تعدت كل منطق معقول!
والحكاية التى ترددت فى الحبشة تجد أصداء لها فى بلاد أخرى غير الحبشة!
خوف من مصر، وتخويف بمصر، فى كل المنطقة من أولها إلى آخرها!
يدور الهمس مثلاً فى دوائر أجنبية معينة فى تونس..
والهمس يقول أن الملحق العسكرى المصرى فى تونس يقوم بنشاط خطير يحاول أن يقلب به حكومة الحبيب بورقيبة!
ويشتد الهمس فى هذه الدوائر.
ثم يشتد.
ثم يتحول إلى أسطورة كبيرة..
ثم تتكلم مصر.. تقول كلمة واحدة:
- ولكن نسيتم شيئاً.. ليس لمصر ملحق عسكرى فى تونس!!
ويسكت الهمس فى تونس..
يسكت ولكن ينتقل مثلاً إلى مراكش نفس الدوائر الأجنبية المعينة.
ونفس طريقة الهمس ونفس اتجاهها، ومصر هذه المرة فى مراكش تقوم بنشاط خطير لقلب حكومة السلطان محمد بن يوسف!
ويشتد الهمس فى هذه الدوائر.
ثم يشتد.
ثم يتحول - أيضاً - إلى أسطورة كبيرة.
ثم تتكلم مصر.. تقول كلمة واحدة:
- ولكن لماذا تتآمر مصر على عرش السلطان محمد بن يوسف؟
حينما خلع السلطان عن عرشه بواسطة الاستعمار الفرنسى، كانت مصر هى البلد الوحيد الذى وقف بجوار السلطان.
وكان راديو القاهرة لا يمل من الحديث عن السلطان الشرعى فى وقت حاول الفرنسيون فيه أن يقيموا عليه ستاراً يحجبه فى منفاه بمدغشقر.
وبذلت مصر كل ما تستطيع أن تبذله للمقاومة فى مراكش.
ثم تحقق النصر للوطنية المراكشية، وعاد السلطان إلى عرشه.
فكيف تحاول مصر اليوم أن تخلع سلطاناً كانت مصر نفسها حتى شهور قليلة داخلة فى معركة حياة أو موت ضد فرنسا.. من أجل عودته إلى وطنه.
ثم، وبصراحة، ماذا كان بين مصر وبين فرنسا، حتى اندفعت فرنسا كالفاقد عقله إلى الاشتراك فى حماقة السويس..؟
ماذا.. إلا موقف مصر مع الحركة الوطنية فى شمال أفريقيا؟!
ويسكت الهمس فى مراكش.
يسكت ولكن ينتقل مثلاً إلى ليبيا.
ونفس الدوائر الأجنبية المعينة.
ونفس طريقة الهمس.. ونفس اتجاهها.
وفى هذه المرة يتحول الهمس إلى ضجيج، وتمتد الأيدى تشير إلى تصرف حماسى للملحق العسكرى المصرى وقت أن بدأ الهجوم على مصر، وتتخذ منه الدليل القاطع والبرهان الحاسم!
ومع أن مصر سحبت ملحقها العسكرى الذى لم يفعل إلا أن تصرف بحماسة فى ظرف عصيب مر على وطنه، فإن هذا لم يكن كافياً فى نظر الدوائر الأجنبية المعينة..
وهذه المرة.. مصر تتآمر على عرش الملك السنوسى... وحين يظهر الملك السنوسى بنفسه استياءه لاتهام مصر بالتآمر عليه... يسكت الهمس...
يسكت ولكنه يحاول أن ينتقل من ليبيا إلى مكان آخر غيرها... يستطيع فيه أن يواصل نشاطه!
خوف من مصر.
ويحاولون نقله من صدورهم إلى بعض الرءوس الحاكمة فى الشرق العربى... بذراً لبذور الشك... وزرعاً للفرقة والخلاف!
خوف من مصر.
وتخويف بمصر... فلقد اكتشفت قيمة السلاح... وإذن يستعمل فى المعركة على أوسع نطاق.
بل لقد وصل الأمر إلى حد استعماله على مستوى فردى.
فى الخرطوم مثلاً...
انفجرت قنبلة فى دار إحدى المؤسسات.
ويذهب صاحب المؤسسة إلى سفارة أمريكا فى الخرطوم، يقول أن القنبلة وضعت فى مؤسسته لأنه يعارض سياسة مصر ويؤيد سياسة أمريكا...
ثم يقدم بعد حساباً بالتعويضات!
والعجيب أنه لا تمضى أسابيع قليلة حتى تنفجر قنبلة ثانية فى الخرطوم ويتضح أن الذى وضعها إنجليزى قبض عليه بالفعل، ويجرى معه الآن تحقيق.
ولولا أن استطاع التحقيق أن يتوصل إلى الجانى، لكان هنا من همس بأن مصر وراء القنبلة...
لماذا؟
لأن ذلك يثير حماسة أمريكا... وعطفها... وكرمها مع الذين يؤذون بسببها... أليس ذلك منطقياً؟!
بقى شئ واحد!
بقى أن مصر لا تحاول أن تقوم بدور إيجابى فى هذه العملية.
إنها تترك لمن يريد أن يصدق، حرية أن يصدق ما يريد!
لا تكذب أحداً... ولا تدفع عن نفسها تهمة.
بل والأكثر أنها لا يضايقها أن يحصل أى بلد فى الشرق العربى، على أى ميزة يستطيع أن يحصل عليها من عملية الخوف من مصر والتخويف بمصر!
بل لقد شجعت مصر يوماً عملية التخويف بها... والمثال حى قائم فى ليبيا...
كانت ليبيا تريد أن تحصل على أسلحة من بريطانيا، وكانت بريطانيا تماطل..
وكانت المشكلة موضع حديث فى مصر وقتها...
وقالت ليبيا:
- قولوا للإنجليز... إذا لم تعطونا السلاح فسوف نأخذه من مصر.
وكانت النتيجة أن حصلت ليبيا على كل ما أرادت من سلاح بريطانى... وفوقه معونة أمريكية!
وكان استعمال اسم مصر فى هذه المسألة يرضى مصر... بل وبمشورة مصر.
كل هذا والسياسة الأمريكية تجرى وترمح وتبرطع.
سفارات تجرى وترمح وتبرطع.
وصحف تجرى وترمح وتبرطع.
وجاء نيكسون وزار أفريقيا وراح بدوره يجرى ويرمح ويبرطع.
ومتى.. متى تكبر السياسة الأمريكية وتعقل وتركز؟!
ويبلغ الوارث السعيد... سن الرشد؟
الثلاثاء :
وبعدين مع سفارة الباكستان فى القاهرة..؟
تساؤل أقوله بهدوء لا يشوبه غضب أو ضيق.
وإنما هو إلى العتاب الرقيق أقرب منه إلى أى شئ آخر.
كل يوم أتلقى من سفارة الباكستان خطاباً.
وكل خطاب من سفارة الباكستان شتم وقدح فى الهند، أو شتم وقدح فى شخصية من شخصيات الهند.
وليت السبب كان خلاف الباكستان مع الهند من أجل كشمير.. وإذن لما قلت شيئاً، وكنت عزوت الأمر إلى حدة الصراع بين البلدين، ورغبة كل منهما فى شرح وجهة نظره فى موضوع النزاع، حتى ولو وصل الأمر إلى حد الشتم وإلى حد القدح.
ولكن ذلك ليس الموضوع الذى أتلقى بسببه رسائل سفارة الباكستان..
مرة من المرات مثلاً.. أو خطاب من الخطابات حوى صورة كاريكاتورية، منقولة من جريدة هندية، تصور مصر وحدها فى المعركة وقد تخلى عنها العرب جميعاً، وكانت الصورة فى اليوم الأول للهجوم، ولم يكن الموقف قد تجلى بعد ولا كانت فورة الشعوب العربية وثورتها انتصاراً لمصر قد انفجرت نيرانها.
ولكن سفارة الباكستان قفزت إلى الفرصة.
طبعت الصورة التى تخيلت أن فيها تعريضاً بمصر ثم وضعتها فى مظروف، ووضعت فى المظروف مع الصورة خطاباً معناه:
"انظروا ماذا تقول صحف الهند التى تدعى صداقة مصر.. !".
وقرأت الخطاب يومها وأنا أتميز غيظاً.
فإن المحاولة كانت ساذجة وأكاد أقول رخيصة.
حتى ولو كانت الصورة تحوى نقداً لمصر، فليس فى هذا ما يعيب الهند، ولا ما ينتقص من الجهد العظيم الذى شاركتنا به فى معركتنا الكبرى..!
هذه ناحية من المسألة.
وناحيتها الأخرى، أنه حتى ولو كانت الصورة تحوى نقداً لمصر فلم يكن
لسفارة الباكستان فى القاهرة أن تحاول حشر نفسها فى العلاقات بين الهند
ومصر..!
ويوم تلقيت هذا الخطاب، لم أفعل إلا أن ألقيت به فى سلة المهملات، واعتبرت الأمر منتهياً من جانبى، وكنت على استعداد لأن أسكت عليه، لا أشير إليه من قريب أو بعيد..!
ثم توالت خطابات سفارة الباكستان.
وكاد واحد منها أن يخرجنى عن سكوتى.
خطاب يحاول التشكيك فى موقف نهرو زعيم الهند، ويلقى ظلال الريب على تهديده بالانسحاب من الكومنولث، ويوحى بأن نهرو لم يكن جاداً فى هذا التهديد ولم يتخذ أى خطوة عملية فى اتجاه تنفيذه.
ومع أن الظروف أثبتت فيما بعد أن تهديد نهرو بالانسحاب من الكومنولث كان حقيقة مؤكدة، وكذلك كان فى مرتبة الحقائق المؤكدة ما كان لهذا التهديد من تأثير فى موقف الوزارة البريطانية وقتها.
مع أن الظروف أثبتت هذا كله، إلا أن سفارة الباكستان فى القاهرة لم يكن لها الحق فى المقام الأول أن تحاول التشكيك فى موقف نهرو من مصر..!
تلك أولاً إساءة إلى مصر..
ثم هى فى اعتقادى إساءة إلى شعب الباكستان..
إساءة لشعب الباكستان من حيث هى مناسبة للمقارنة بين ما فعله نهرو، وما فعله حكام الباكستان..!
حتى ولو كان نهرو يهدد مجرد تهديد.
حتى.. ولو أن هذا غير صحيح.. فماذا فعل حكام الباكستان نصرةً لمصر وتأييداً لها.
حقيقةً كانت لشعب الباكستان مواقف رائعة..
ولكننى هنا لا أتحدث عن شعب الباكستان وإنما عن حكام الباكستان.
حكام الباكستان زجوا ببلادهم، مع الأسف الشديد فى حلف بغداد، والدنيا كلها تعرف الآن ما هو حلف بغداد، وما هى وسائله، وما هى الغايات التى يسعى إلى تحقيقها..
وحكام الباكستان كانوا طليعة الذين حرضوا دالاس على سحب تمويل مشروع السد العالى.. وكان ذلك فى اجتماع الحلف الذى عقد فى شهر مارس سنة 1956 فى طهران.
وحكام الباكستان كان بينهم من وقف يلتمس الأعذار لبريطانيا فى هجومها على مصر.
وحكام الباكستان أيضاً كان بينهم من وقف يعرض بمصر فى اجتماع الحلف الذى عقد أخيراً فى أنقره..!
وكنا نؤثر أن نتناسى هذا ولا ننساه.
ولكن المقارنة لم يكن منها بد.. وسفارة الباكستان فى القاهرة تحاول التشكيك فى موقف نهرو.. ومن غير وجه حق..
وكنت حتى بعد هذا التشكيك فى نهرو على استعداد لمواصلة السكوت.. حتى كان هذا الأسبوع خطاب آخر.
خطاب فاق الحدود فى التهجم على كريشنا مينون، وكان ذلك بمناسبة زيارته لمصر فى الأسبوع الماضى..
وكدت ساعتها أمسك القلم وأكتب مقالاً أقول فيه: "إن كريشنا مينون يساوى فى رأيى دستة على الأقل من أمثال سهروردى رئيس وزراء الباكستان!"
ثم عدلت عن كتابة هذا المقال..
عدلت عنه بعد أن تكشفت أمامى حقيقة كانت خافية علىّ.
سألت نفسى:
- لماذا تفعل سفارة الباكستان هذا؟! لماذا تحاول تجريح الآخرين..؟!
وكان الرد الذى لم أجد غيره:
- ربما كان لسفارة الباكستان عذر.
لقد كان يسر هذه السفارة ويسعدها أن تجد موقفاً باكستانياً رسمياً تملأ الصفحات حديثاً عنه وفخراً به.
ولكن.. أما وليس هناك من ناحية الباكستان الرسمية ما يملأ سطراً من الفخر.. أما وهذا هو الحال.. فليست هناك وسيلة إلا محاولة هدم لمواقف الآخرين.
سفارة الباكستان بالقاهرة تشعر بالحرج.. ولها الحق..
ومن وسائل تعبيرها عن هذا الحرج، ولو أنها وسيلة تعبير سلبية، أن تملأ صفحات خطاباتها شتماً وقدحاً فى الهند وزعماء الهند..!
أليست حالة نفسية متكشفة الجوانب؟ والتمست العذر لسفارة الباكستان!
ومن التماس العذر توجيه الحديث بهذه اللهجة التى بدأت بها هذا الكلام:
- وبعدين مع سفارة الباكستان فى القاهرة..؟
تساؤل وجهته بهدوء لا يشوبه غضب أو ضيق..!
بل.. ربما كان فيه فهم..
وعذر..!
الخميس:
قال لى الدكتور عبد المنعم القيسونى وزير المالية:
- ألا تريد أن تكتب وصفاً لقبو تضع مصر فيه ما يساوى 68 مليون جنيه من الذهب؟
قلت: إيه!! 68 مليون جنيه من الذهب.. أين هى؟
قال:
- فى خزائن البنك الأهلى... وهى احتياطى الحكومة الذى لم يمس...
بل الذى حاولنا أن نزيد عليه... كتلاً من الذهب فوق كتل!
قلت للدكتور عبد المنعم القيسونى بعد لحظة سكوت: عندى فكرة أحسن...
ما رأيك لو جعلنا توفيق الحكيم، أديب مصر الكبير ومفكرها الأشهر، يكتب هذا الموضوع.
إن حب توفيق الحكيم للذهب وحرصه عليه، أصبح أسطورة خالدة.
ولا أشك أن ملايين القراء سوف يستهويهم منظر توفيق الحكيم واقفاً بين ثمانية وستين مليون جنيه من الذهب.
ستكون التعبيرات على وجهه مشهداً تاريخياً.
بريق عينيه... خلجات شفتيه... إشارات يديه... بل حتى حركات عصاه... ستكون قصة.
ثم المقال الذى سيكتبه...
لا أشك أنه سيكون قطعة فنية خالدة.
وتحمس وزير المالية للفكرة، ورفعت التليفون أتصل بتوفيق الحكيم.
ودار الحديث على الوجه التالى:
قلت لتوفيق الحكيم:
- ما رأيك فى 68 مليون جنيه ذهب؟
ولم يرد توفيق الحكيم على الفور، وإنما قال بعد لحظة صمت: أين أنت؟
قلت ضاحكاً:
- أنت تعلم أنى لا أشرب... وبالتالى أنا أكلمك بكامل وعيى!
قال توفيق الحكيم وأنا أتصوره يهز رأسه بسرعة:
- لا يا شيخ...!
ثم استطرد: ماذا قلت؟
قلت:
- ما رأيك فى 68 مليون جنيه ذهب.
قال ضاحكاً:
- هل هذا كلام... اسمع... صحيح... صحيح... من أين تتكلم؟
قلت: ليست هذه هى المشكلة.. المهم أن هناك تصريحاً من وزير المالية.
قال توفيق الحكيم:
- وهل سيصرح لى وزير المالية بأن آخذ هذه الثمانية والستين مليون جنيه من الذهب؟
قلت بسرعة:
- لا طبعاً... ولكنه على استعداد لأن يجعلك تراها وتزورها وتقضى يوماً معها... ما رأيك!
قال بحيرة: بصراحة لا أفهم شيئاً.. كلمنى "جد"..
قلت:
- أنا أكلمك "جد".. ما رأيك لو كتبت لآخر ساعة مقالاً عن تجربتك وسط 68 مليون جنيه ذهب... وسمحت لنا أن نلتقط لك مجموعة من الصور وأنت واقف وسطها.
قال توفيق الحكيم بارتياح: يا نهار.. أقف وسط 68 مليون جنيه ذهب... شئ لطيف... شئ لطيف.
وفجأة استدرك توفيق الحكيم... وعلا صوته واختلجت نبراته...
- لطيف؟ لطيف إيه... دى مصيبة... دى كارثة.
قلت: الله... لماذا غيرت رأيك بهذه السرعة؟
قال:
- تذكرت... تذكرت ساعة الخروج... كيف أقضى نهاراً بين 68 مليون جنيه ذهب... ثم أتركها آخر النهار وأخرج... هذه مؤامرة... مؤامرة على عقلى... ليطير عقلى.
وسكت توفيق الحكيم لحظة ثم قال:
- والا إيه؟
قلت ضاحكاً: إيه
30/3/1957
No comments:
Post a Comment