Friday, 10 July 2009

يوميات أخبار اليوم

الأحد:
كعواصف هذه الأيام دفع باب مكتبى ودخل.
وكسماء هذه الأيام كان عابس الملامح مقطب التقاطيع.
قلت له: خيراً!
قال بحزم: خلاص!
قلت: يا خبر.. هل قامت القيامة؟.. كيف إذن لم تحمل إلينا البرقيات هذا النبأ الرهيب؟
قال: هل تسخر؟.. أنت هنا جالس فى مكتبك هذا بينما البلد فى الخارج يتحول إلى "يمن" أخرى!
قلت بدهشة: يمن؟
قال: أجل.. ماذا تظن أننا سنصبح بعد أن يخرج جميع الأجانب من البلد ويتركوه ويتركونا وحدنا.. ماذا يكون حالنا بعدها.. لن نكون إلا صورة أخرى لليمن السعيدة، هل توافق على هذا؟ هل تريد أن تصبح مصر كاليمن؟ هل تريد أن تصبح القاهرة مثل صنعاء، والإسكندرية مثل الحديدة؟
قلت على الفور: أبداً!
قال: ومع ذلك فهذا هو الذى سيحدث تماماً.
خذ هذه الإحصائية واقرأها.
كان عدد الأجانب فى مصر سنة 1927 أربعمائة ألف.
وكان عددهم سنة 1937 ثلاثمائة ألف.
وكان عددهم سنة 1947 مائتين وخمسين ألف.
ونحن الآن سنة 1957.. كم تظن عددهم الآن؟
إن معظمهم يحزم حقائبه استعداداً للرحيل.
ولهم حق..
لماذا يبقون هنا ونحن نفعل بهم هذا الذى نفعله؟
قلت: ماذا فعلنا بهم؟
قال بحدة: هل بيننا فى هذه الغرفة أجنبى غريب.
قلت: أبداً أنت وأنا فقط.
قال: إذن لماذا تريد أن يخدع أحدنا الآخر.. هل تريد أن تلف وتدور علىّ؟
قلت: أبداً.. ذلك لم يكن قصدى.. وإنما أنا أسألك بجد.
قال وهو يخبط على المكتب بيده: ألا تعرف أننا طردناهم.. هل تنكر أن الحكومة المصرية طردت بعض الأجانب من مصر؟
قلت: هذا صحيح.
إن الحكومة المصرية فعلاً أخرجت بعض الإنجليز والفرنسيين من مصر. وقررت إخراج عدد من الذين لا جنسية لهم. ولكن المجموع الكلى لهؤلاء جميعاً لم يزد على ألف شخص.
قال بحدة: إذن أنت تعترف؟
قلت: صبرك.. ودعنى أشرح لك القصة من أولها.
لقد قامت بريطانيا وفرنسا بهجوم عسكرى مسلح على مصر!
هل تذكر هذا أم أن اهتمامك بأن لا تصبح مصر صورة أخرى من اليمن السعيدة أنساك ذكراه؟
قال بحزم: لا لزوم للسخرية.. إننى أتكلم جداً.
قلت: وأنا أتكلم جداً أؤكد لك...
أنت تذكر طبعاً أنه كان هناك هجوم عسكرى مسلح على مصر.
ماذا تفعل الدول المتحاربة برعايا أعدائها وقت المعارك؟
تضعهم جميعاً وراء أسوار المعتقلات.
ذلك ما يحدث.. بل حدث فى مصر أكثر منه.
اعتقلنا رعايا الألمان والطليان، ولم نكن قد أعلنا الحرب بعد على الألمان والطليان، وإنما وضعنا أكثر من مائة ألف من رعاياهم وراء الأسوار لمجرد أمر صدر من السفارة البريطانية فى القاهرة!
تذكر ذلك كله طبعاً؟
ومع هذا فإن مصر بعد الهجوم المسلح- البريطانى الفرنسى - عليها لم تعتقل رعايا بريطانيا وفرنسا وكان الإجراء الوحيد الذى اتخذته هو أنها طلبت من هؤلاء الرعايا أن يتقدموا إلى أقسام البوليس التى يقيمون فى دائرتها، ويحيطوها بعناوينهم محددة.
وغير هذا لا شئ.
وأظنك تسلم معى أن هذا كان منتهى درجات التسامح... بل واسمح لى أن أقول منتهى درجات السذاجة!
ماذا حدث بعد ذلك؟
حدث أثناء غزو بورسعيد أن بعض الرعايا الإنجليز والفرنسيين الذين كانوا يقيمون فى المدينة قبل الغزو تدخلوا فى المعركة.
لم يدافعوا عن المدينة التى فتحت لهم صدرها طول عمرها.
وإنما - وبينما المدينة العظيمة تخوض معركتها - انقلب عليها هؤلاء.
حملوا السلاح من النوافذ والشرفات وصوبوه إلى.. إلى ظهور المصريين الذين كانوا يدافعون عن وطنهم!
واضطرت مصر بعدها أن تشدد إجراءاتها.
ومع ذلك كان كل ما اتخذته مصر من إجراءات بعدها هو أنها طلبت من الرعايا الإنجليز والفرنسيين أن يلزموا بيوتهم لا يغادرونها!
وغير هذا لا شئ!
وأظنك تسلم معى - مرة ثانية - أن هذا كان منتهى درجات التسامح.. بل منتهى درجات السذاجة!
ماذا حدث بعد ذلك؟
بدأ راديو باريس يذيع أن حياة الإنجليز والفرنسيين فى مصر مهددة.
ثم وقف العقرب كريستيان بينو وزير خارجية فرنسا فى الجمعية الوطنية الفرنسية يقول: "إن بريطانيا وفرنسا ستواصلان القتال فى مصر حتى بعد احتلال القاهرة لحماية رعاياهما فى العاصمة المصرية"!
هنا فقط تحركت مصر، ووضعت قائمة ببعض الخطرين من الإنجليز والفرنسيين.
وحتمت عليهم أن يخرجوا من مصر.
عملية تأمين لابد منها لسلامة مصر حتى لا يتكرر الذى حدث فى بورسعيد بشكل أو بآخر.
وغير الإنجليز والفرنسيين، ما يقرب من ثلاثمائة شخص لا جنسية لهم. وكانت مصر رحيمة بهم على أى حال فلم تطردهم من مصر، وإنما استدعى وزير الداخلية المصرية مندوب الصليب الأحمر السويسرى وقال له: عندنا بعض الخطرين ممن لا جنسية لهم، عددهم يتراوح بين مائتين وخمسين وثلاثمائة.. ونحن لا نريدهم هنا، ولكننا لا نريد أن نتركهم فى العراء.
إننا نطلب من الصليب الأحمر أن يبحث لهم عن بلاد تقبل دخولهم إليها.. وعندها فقط سنطلب إليهم الخروج من مصر!
وكان العدد الإجمالى، للإنجليز والفرنسيين الخطرين، وللذين لا جنسية لهم، لا يزيد على ألف شخص بحال من الأحوال.
ثم أعلنت مصر بعدها أنها على استعداد لأن تسهل خروج أى إنجليزى أو فرنسى لا يريد البقاء فى مصر. على الأقل حتى لا تصبح لكريستيان بينو حجة يتذرع بها.
تفتح مصر أبوابها لرعاياه.. ثم يكون جزاؤها أن يصبح هؤلاء الرعايا خطراً عليها لأن كريستيان بينو يغزوها ليصون مصالح هؤلاء الرعايا... مهزلة!
أظنك لا تستطيع أن تنكر ذلك؟
قال: لا.. فى هذا الحق معك.. ولكن هناك أكثر من هؤلاء... أكثر من الألف الذين حددت عددهم خرجوا.. إنهم يعتقدون أنه لم يعد لهم مكان فى مصر.. لن تكون لهم بعد اليوم الفرصة التى كانت لهم.. لقد كانت لهم دائماً الفرصة الأولى.
قلت: بصراحة.. ذلك حقهم!
أؤكد لك أننا فى مصر نشعر بالدور العظيم الذى قام به الأجانب فى بلادنا.
لقد كان هذا الدور فى صالحهم ما فى ذلك شك ولكننا أفدنا منه، ذلك أمر لا نستطيع إنكاره

ونحن نريد أن يبقى فى بلادنا كل أجنبى يريد أن يبقى فيها. إننا لا نستطيع أن نعتزل. ودور مصر التاريخى أنها مفترق طرق على خريطة العالم، وفى مفارق الطرق يوجد عادةً أكثر من الذين يعيشون عليها، كثيرون من القادمين والذاهبين يتوقفون طويلاً على مفارق الطرق.

ولكن هناك شئ صغير. لقد قلت لى أنهم يشعرون أن الفرصة الأولى - وكانت دائماً لهم - لم تعد الآن لهم.

ذلك صحيح.

وذلك حق.

لابد أن تكون الفرصة الأولى فى أى بلد لابن هذا البلد.

هذا الكلام لا يغضب أحداً ولا ينبغى أن يغضب أحداً.

وذلك هو الحال فى كل الدنيا، الفرصة الأولى فى إنجلترا للإنجليزى، وفى فرنسا للفرنسى.

وقد آن لمصر أن يستقيم الأمر فيها.

منذ الآن الفرصة الأولى فى مصر لأبنائها.

لأحمد ومحمد وعبد المسيح وصليب.

قال: أنت إذن لا تريد الخبرة الأجنبية؟

قلت: بالعكس.. كيف فهمت من كلامى أنى أريد أن أقفل أبواب مصر فى وجه الخبرة الأجنبية. إنى أريد من كل شركة مصرية وكل صاحب عمل مصرى أن لا يتردد دقيقة فى أن يستخدم أى عدد يشاء من المستشارين الأجانب.

ولكنى لا أتصور أن لا يكون فى مصر إلا شركات أجنبية تتولى هى أن تستخدم مستشارين مصريين.

لا...

ذلك شئ فات أوانه.

قال: وهذه القوانين التى صدرت أخيراً.

لماذا هذا الإصرار على أن تكون كل البنوك فى مصر شركات مصرية؟

قلت: لعدة أسباب:

أولاً: أن هذا هو الحال فى كل بلاد الدنيا.. هل يستطيع أى واحد أن يفتح بنكاً فى إنجلترا.. أبداً.. لابد أن يكون البنك شركة مساهمة بريطانية!

ومع ذلك دعنى أقدم لك مثالاً صغيراً.

لقد كانت البنوك البريطانية والفرنسية التى تعمل بمصر لا تملك رأس مال أصيل.

كل هذه البنوك لم تستورد من بلادها أكثر من مليونين من الجنيهات فقط لا غير!

ولكن هذه البنوك كانت تعمل وتباشر نشاطها فى ودائع مقدارها مائة مليون جنيه!

هذه المائة مليون جنيه كانت كلها ودائع مصرية.

وأنا أريد أن أسألك سؤالاً واحداً: هل تعرف كم كانت تبلغ الأرباح التى تحولها هذه البنوك التى تعمل فى مصر من غير رأس مال- إلى خارج مصر؟

اسمع!

كانت مصر تحول كل عام مبلغ خمسة عشر مليوناً من الجنيهات بالنقد الصعب هى قيمة أرباح هذه البنوك.

15 مليون جنيه.. من النقد الصعب أرباحاً لرأسمال قدره مليونا جنيه.. كل سنة!

15 مليون جنيه نقد صعب.

هل تتصور هذا؟

أى 45 مليون دولار.

أى أكثر مرة ونصف مرة من أكبر مبلغ تلوح به أمريكا مساعدة للدولة الأكثر إخلاصاً لها فى الشرق الأوسط!!

هل كان معقولاً أن يخرج هذا المبلغ كل عام رسمياً من مصر.

لست خبيراً فى الاقتصاد.

ولا أنا بارع فى لغة الأرقام، فإنى فى معظم الأحيان لو سئلت عما فى جيبى من نقود لعجزت أن أجيب.

ولكن الصورة التى توحى بها هذه الحالة.. هى صورة بقرة حلوب.

البقرة مصر.

وبنوك بريطانيا وفرنسا ممسكة بضروعها.

واللبن والزبد والقشدة كلها تذهب خارج مصر.

غير معقول!

هل تسمى هذا تعصباً؟

قال: ورأس المال الأجنبى.. كيف يرضى بعدها أن يجئ؟

قلت: إن كل الضمانات مازالت موجودة لرأس المال الأجنبى والباب أمامه مفتوح... بل والأذرع مفتوحة أيضاً...

ومع ذلك لا تخدع نفسك - أقولها آسفاً - ولكنها الحقيقة الواقعة.

إنك لا تملك هنا فى مصر شيئاً يستطيع أن يغرى ما تحلم به من رأس المال الأجنبى.

مرة أخرى لست خبيراً فى الاقتصاد، ولا بارعاً فى لغة الأرقام!

إن رأس المال الأجنبى فى بلاد كالشرق الأوسط مثلاً لا يرضى بالاقتراب وتحمل المخاطر إلا وراء ربح لا يقل عن مائة فى المائة!

كان ذلك ممكناً فى مصر فى القرن الماضى.. حين كانت العيون لم تتفتح بعد.. والأفكار لم تتطلع إلى بعيد.

وقد مضى هذا الوقت.

والآن ماذا عندنا لإغراء رأس المال الأجنبى بربح لا يقل عن مائة فى المائة؟

إن رأس المال الأجنبى لا يستطيع أن يحصل على هذه النسبة العالية من الربح إلا عندما يضع يده على المصادر الطبيعية.

هذه أفريقيا وآسيا كلها.

أين هو رأس المال الأجنبى؟

ستجده حيث تجد المصادر الطبيعية للثروة.

البترول فى المملكة السعودية والعراق وإيران مثلاً.

مناجم الصفيح ومزارع المطاط فى الملايو.

مناجم الذهب والماس فى جنوب أفريقيا.

هذا هو الصيد الوحيد الذى يستطيع إغراء رأس المال الأجنبى.

فهل عندك فى مصر مثل هذا الصيد.

وإذن لن يجيئك رأس المال الأجنبى الذى تحلم به.

ومع ذلك فلقد كانت هناك تجربة قائمة.

ما من بلد شجع رأس المال الأجنبى ووفر الضمانات لحمايته مثل مصر بعد الثورة مباشرةً.. فماذا جاءها من هذا الرأس المال الأجنبى؟

عشرة ملايين دولار.. لا أكثر ولا أقل فى مدى خمس سنوات.

وجاءت بها شركة تبحث عن البترول.. مصدر طبيعى أيضاً!

هل ترى وجهة نظرى؟

هل ترى فيها تعصباً.. هل ترى فيها ضيق أفق.. هل ترى فيها تقليداً لليمن السعيدة؟!

الثلاثاء:

صفقت من القاهرة للماريشال العتيد فى بلجراد!

الماريشال تيتو.

صفقت له، وقد أعلن رسمياً أنه عدل عن الزيارة التى كان يزمع القيام بها إلى الولايات المتحدة الأمريكية فى الربيع القادم، بسبب الحملة العنيفة التى قامت ضده بمناسبة الحديث عن دعوته لزيارة أمريكا.

صفقت له، والبرقيات، واحدة بعد الثانية، تحمل إلى تفاصيل السخافات الرسمية، وغير الرسمية، التى تعرض لها هذا العاهل العربى، فى رحلته إلى بلاد رعاة البقر!

1- برقية تقول أن "واجنر" عمدة نيويورك- -تحت تأثير من يهود نيويورك- رفض أن يقام للعاهل العربى استقبال رسمى، عندما يهبط من الباخرة "كونستيوشن" على أرصفة النهر الغربى فى نيويورك.

2- برقية تقول أن "واجنر" حاول أن يجعل موكب العاهل الضيف يسير فى شوارع نيويورك من غير أى استعداد خاص.. أى أن تسير عربة الملك وسط زحام المدينة تنتظر دورها فى المرور.

3- برقية تقول أن جمعاً من الطلبة الصهيونيين، ساروا باللافتات أمام الفندق الذى نزل فيه الملك فى نيويورك يحملون لافتات كتبت عليها عبارات تجافيها اللياقة، وينأى عنها الأدب، وينفر منها الذوق السليم!

4 - برقية.. بل برقيات، تحمل نماذج مما كتبته صحف أمريكا عن الملك سعود، وعلى رأس القائمة منها مقال كتبته مجلة "تايم" التى وضعت على غلافها صورة للملك، ثم راحت فى أربع صفحات كاملة تطعن وتغمز، وتتعرض لما لم يكن ينبغى أن تتعرض له بحال من الأحوال!

5- برقية.. بل برقيات تتحدث عن الغرض الحقيقى الذى تهدف إليه الولايات المتحدة الأمريكية من وراء زيارة الملك سعود لأمريكا فى هذه الظروف.. وتقول هذه البرقيات أن واشنطن تأمل فى إقناع الملك سعود بالابتعاد عن مصر تمهيداً لعزل السياسة المصرية فى الشرق الأوسط وسحب أصدقائها منها صديقاً بعد صديق.

ثم تمضى البرقيات تحدد بما لا يجعل مجالاً للشك فى أن المصدر الذى تستقى منه أخبارها هو بعض الموظفين الرسميين فى الحكومة الأمريكية، فتذكر الخطوات التالية:

* محاولة ترتيب لقاء بين الملك سعود وبين الأمير عبد الإله لخلق محور هاشمى سعودى، لا للرغبة فى إزالة خلاف تقليدى قديم، بل لمجرد تصور أن هذا يعتبر - فى رأى الذين أوحوا بهذه الأخبار- عملاً مضاداً لصداقة الملك سعود لمصر.

* محاولة للتلويح للملك سعود بإمكان حل مشكلة البوريمى -لا لأن البوريمى حق للعربية السعودية- وإنما لمجرد تصور أن هذا -فى رأى الذين أوحوا بهذه الأخبار- يلهى الملك سعود عن الاهتمام بخروج إسرائيل من غزة وخليج العقبة!

* محاولة لخلق منافسة ليس لها وجود على زعامة العالم العربى.. فتكتب الصحف الأمريكية فى بلاهة منقطعة النظير قائلة ما نصه:

" ينبغى أن نكتب دائماً أن سعود هو زعيم العالم العربى، فإن ذلك يضايق عبد الناصر، الذى يعتبر نفسه زعيم العالم العربى"!

وليت الذين يحاولون هذا كله يريحون أنفسهم، ويهدئون فوران أعصابهم.

ليتهم يعرفون أن هذه المحاولات جميعاً تصب فى نهر الفشل!

إن الخلاف بين البيت السعودى والبيت الهاشمى سيزول..

سيزول لمصلحة العرب أنفسهم، وليس لمصلحة واشنطن..

والبوريمى ستعود للعربية السعودية.. لأنها حق للعربية السعودية.. ستعود بقوة الحق، لا بتلويح الإغراء من واشنطن.

والملك زعيم للعالم العربى.. والعالم العربى هو الذى خلع عليه هذه الزعامة، ولا تستطيع ولا تملك أن تخلعها عليه واشنطن!

ثم أى سخف هذا الذى يلاقيه ضيف عربى فى بلاد رعاة البقر.. سخف فى حق من ينبغى تجاهه كل لياقة واحترام.

ثم سخف فى إحراجه بما لا ينبغى أن يحرج به ملك عربى أمام العرب جميعاً.

إنه سخف يثير العرب جميعاً.. فماذا كان قصد الحكومة الأمريكية من دعوة العاهل العربى؟

ألم يكن القصد من هذه الزيارة هو تحسين العلاقات بين العرب وبين أمريكا؟

سؤال: ماذا كان سيحدث إذن إذا كان القصد من الزيارة هو تسوئ العلاقات...

ماذا...؟

ردوا علىّ بالله عليكم!!

الخميس:

دق جرس التليفون فى مكتبى والمتحدث هو "بيل لاندرى" مدير وكالة اليونايتد برس فى القاهرة.

وقال "بيل لاندرى":

هل أستطيع أن أنقل برنامج الرئيس جمال عبد الناصر اليوم، إن مندوب "الأخبار" فى الرياسة لابد كتبه لكم، فهل تستطيع أن تعطيه لى الآن؟

قلت" لبيل لاندرى":

لا أعرف ما إذا كان مندوب الأخبار فى الرياسة قد كتبه أم لم يكتبه بعد.. إن الوقت مازال مبكراً.. فنحن الآن فى السابعة مساءً.

ثم استطردت:

على أى حال سوف أطلب إلى مندوب الأخبار أن يتصل بك ويمليه عليك إذا كان قد أعده وفرغ من كتابته.

وقال بيل لاندرى بلهفة غير عادية:

أرجوك أن تساعدنى فى هذا.. إن السرعة لها اعتبار خطير فى هذا الظرف بالذات!

قلت فى دهشة بريئة حتى هذه الثانية:

بيل.. ولكن منذ متى تهتم وكالات الأنباء بالبرنامج العادى للرئيس جمال عبد الناصر؟ وما وجه العجلة؟... خصوصاً أنه ليست هناك مباحثات هامة أو اجتماعات خطيرة؟

قال بيل لاندرى:

الحقيقة أننى تلقيت طلباً شديد الاستعجال من لندن.

اسمع... سأقرأ عليك البرقية التى تلقيتها الآن:

"ابعث لنا كل التفصيلات عن تحركات جمال عبد الناصر اليوم".

قلت لبيل لاندرى: غريبة!

قال: فعلاً.. التفسير الوحيد لها فى رأيى هو أنهم يتصورون أن هناك شيئاً غير عادى اليوم فى برنامج جمال عبد الناصر.. ومن هنا اهتمامهم.

ومرت بضع دقائق...

ثم عاد بيل لاندرى يطلبنى مرة ثانية على التليفون...

وسمعت صوته يقول: لقد عرفت السر.

قلت: ما هو؟

قال: إشاعة غريبة... لقد نقلت بعض المصادر فى زيورخ... -نقلاً عن باريس- إلى لندن برقية تقول أن جمال عبد الناصر قد انتهى.

قلت بدهشة: ماذا تعنى؟

قال: أعنى أنهم تصوروا أنهم خلصوا منه.. لقد فهموا من هذه الإشاعة أن حادثاً وقع له وأنه زال من طريقهم إلى الأبد.. هل فهمت..

قلت: فهمت.

قال: لقد عرفت على أى حال أنها إشاعة.. ولكن هل تعرف ماذا كان تأثيرها فى بورصة لندن.

قلت: ارتفعت الأسعار.. هل هذا ما حدث؟

قال "بيل لاندرى" وهو يغرق فى الضحك:

أجل.. هذا هو ما حدث.. ما أن انتشر فى لندن أن حادثاً قد وقع لجمال عبد الناصر وأنهم خلصوا منه حتى سجلت البورصة ارتفاعاً فى الأسعار زاد على عشرات الملايين من الجنيهات!

قلت لبيل لاندرى: مساكين.. حياتهم كلها معلقة بالأوهام.

الإشاعات تدفع بورصتهم إلى الصعود.

والحقائق تدفع بورصتهم إلى الهبوط.

مساكين!

أملهم وهم.. واليأس هو الحقيقة!

وقال "بيل لاندرى": والآن ماذا أكتب للندن؟

قلت: قل لهم أنه بخير.. وإن الله معه!

قال بيل لاندرى ضاحكاً: إذن ستعود بورصة لندن إلى الهبوط!

قلت: وأنا أضع سماعة التليفون مكانها:

أحسن!

سررت!

* سررت وأنا أقرأ أن الملكة دينا ملكة الأردن سوف تعود إلى عمان بعد فترة قليلة.

لقد كان نبأ اعتزامها العودة إلى العاصمة الأردنية باعثاً للطمأنينة فى قلوب الذين يحبون الخير للأردن، وملكه وملكته.

* سررت وأنا أقرأ أن الحكومة الأمريكية استدعت هنرى بايرود سفيرها الآن فى جنوب أفريقيا، وسفيرها السابق فى القاهرة، ليدلى برأيه فى أحداث الشرق الأوسط.

إن الذين كانوا يكرهون بايرود كانوا يقولون:

إنه لم يكن سفيراً لأمريكا لدى مصر، وإنما كان سفيراً لمصر لدى أمريكا.

ولم يكن ذلك صدقاً..

ولسوف تثبت الأيام أن بايرود حاول أن يكون سفيراً حقيقياً لأمريكا لدى مصر.. على أساس أن عاصمة أمريكا هى واشنطن.. وليست تل أبيب...

2/2/1957

No comments:

Post a Comment