Saturday, 4 July 2009

ليس هذا المقال تعليقاً على بيان أيزنهاور!

دخل علىّ سكرتير تحرير "آخر ساعة" هذا الصباح يسألنى:

- هل بدأت تكتب الافتتاحية؟

قلت:

- على وشك أن أبدأ كتابة السطر الأول منها.

قال وكأنه كشف السر الذى لم أفض به بعد إلى الصفحة البيضاء التى تنتظر على مكتبى بنفاذ صبر:

- هى عن بيان أيزنهاور.. أليس كذلك؟!

ولم ينتظر أن أرد، فقد كان يعتقد أن الذى قاله ليس مجرد حدس وظن، وإنما هو حقيقة جغرافية كاستدارة الأرض، وشروق الشمس وغروبها!

ولكن، وبرغم "جغرافية" سكرتير تحرير "آخر ساعة"، فإن هذه الافتتاحية ليست عن بيان أيزنهاور.

لعدة أسباب:

أولها: أننى منذ سمعت هذا البيان، أُفتش فى ثناياه عن جديد، فلا أكاد ألمح بارقة!

ثانيها: أننى أستطيع أن أقول رأيى فى هذا البيان فى كلمة واحدة دون حاجة لتخصيص افتتاحية كاملة له..

إن كلمة "أعور" هى فى رأيى خير وصف لبيان أيزنهاور.

إنه بيان ينظر بعين واحدة، ويقتلع بيده عينه الأخرى، حتى لا تغافله صدفة وتختلس نظرة إلى الحقائق الماثلة أمامها.

إنه بيان أعور.. يرى بعينه اليسرى.. ولكن عينه اليمنى ظلام.

لقد رأى الخطر على اليسار.

ولكنه لم ير الخطر على اليمين.

لقد رأى خطط السوفيت للتربص بأرضنا وهى ما زالت بعد فى مرتبة النوايا.

ولكنه لم يستطع أن يرى خطط بريطانيا وفرنسا وإسرائيل للتربص بأرضنا، وهى لم تعد مجرد نوايا، بل خرجت كشياطين الشر، تحرق وتدمر، وتسفك دم أبناء هذه الأرض.. على ثرى هذه الأرض!

وسبب ثالث وأخير هو اعتقادى أن مصير الشرق الأوسط لن يتقرر إلا بإرادة شعوبه.

وسيد البيت الأبيض الأمريكى يستطيع أن يقول ما يشاء.

وسادة الكرملين الأحمر الروسى يستطيعون أن يقولوا ما يشاءون.

ولكن شعوب المنطقة هى التى ستكتب التاريخ!

بيان أيزنهاور إذن - بعد هذا كله - قنبلة فى الحرب الباردة بين الشرق والغرب، وهى حرب لا تريد دول المنطقة أن تدخل فيها، ولا أن تقترب من دائرتها.

إن واشنطن مليئة بالصواريخ الموجهة.

وموسكو مليئة بالصواريخ الموجهة.

أما القاهرة، وأما دمشق والرياض وعمان والخرطوم وبيروت، وأما بغداد - باستثناء رجل واحد - فليس فيها إلا أغصان زيتون، تهتز بأمل ورجاء، فى سلم كريم لا تهدده طلقات المدافع، ورخاء شامل لا تمزقه صرخات الجوعى وأنات المرضى.

إن الكبار - أصحاب الصواريخ الموجهة - يملكون المطامع التى تدفعهم إلى الحرب الباردة.. ومن يدرى فقد تتحول فجأة إلى ساخنة..

أما الصغار فإنهم لا يملكون المطامع.. وإنما يملكون الآمال.. وفرق كبير بين المطامع والآمال.

إنه الفرق بين الحرب.. والسلام.

إنه الفرق بين المحراث.. والدبابة.

إنه الفرق بين تخطيط لبناء مدينة.. وبين خطة لاحتلال مدينة..

ما هو - إذن - الموضوع الذى لم يستطع بيان أيزنهاور أن يشدنى منه..!

هو.. بالتحديد: غزة!

إن إسرائيل، ما زالت حتى هذه الدقيقة، تتحدث عن إصرارها على عدم الانسحاب من غزة، مع ما فى ذلك من تحدٍ سافر، وصارخ، لقرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة!

لقد بعث همرشولد - السكرتير العام للأمم المتحدة - برسالة تلو رسالة إلى بن جوريون رئيس وزراء إسرائيل.

ولكن صوت همرشولد.. لم يجد له أى صدى فى تل أبيب.

ولقد طار الجنرال بيرنز منذ يومين إلى إسرائيل، ليجتمع بالجنرال موشى ديان.

ولعلنى لا أذيع سراً إذا قلت إن الجنرال بيرنز خرج من مقابلته لموشى ديان ليكتب تقريراً لهمرشولد يقول له فيه:

"إن إسرائيل ما زالت تعاند".

وأنا أعلم من الأخبار التى تلقيتها من نيويورك فى الساعات الأخيرة إن همرشولد يفكر فى إنذار نهائى يوجهه لبن جوريون.

وكذلك هو يفكر - إذا لم يجد ما يرضيه بعد هذا الإنذار - فى أن يدعو الجمعية العامة للأمم المتحدة إلى جلسة خاصة طارئة لتبحث الموضوع وترى فيه رأيها.

وكل هذا حسن ومعقول، يلقى منا العرفان ويلقى التقدير.

ولكن هناك بعض نقط ينبغى أن تستقر فوق بعض حروف!

* بين هذه النقط أن الجلاء عن غزة فى مثل أهمية الجلاء عن بورسعيد.

وإذا كان هناك من يتصور أن مصر يلهيها الجلاء عن بورسعيد، وينسيها الجلاء عن غزة فهو مخطئ.

* وبين هذه النقط أن مصر لا يمكن أن تصبر على وجود إسرائيل فى غزة إلى غير ما مدى.. إن الصبر كل صبر فى الدنيا له حد، وصبر مصر فى هذه المسألة بالذات شارف نهايته.

* وبين هذه النقط أن مصر حاولت أن تثبت حسن نواياها بما قطع كل لسان يحاول أن يتهمها بالأنانية أو بالرغبة فى تعقيد المسائل، ولهذا سمحت مصر بالبدء فى عملية تطهير القناة من غير ما انتظار لجلاء إسرائيل عن غزة - ولم يكن هذا استكانة الضعيف، وإنما كان تسامح القوى.

إن شعب مصر لا يرضيه أن تموت شعوب أوروبا الغربية من البرد والصقيع.

وشعب مصر لا يرضيه أن تتعطل تجارة الدول التى تستخدم قناة السويس وتعتمد عليها فى اقتصادها.

وشعب مصر لا يرضيه أن تصبح قرارات الأمم المتحدة حبراً على ورق، ولذلك حاول أن يتعاون بكل طاقاته وإمكانياته، ليس فقط لتأكيد نصوص القرارات، وإنما لتحقيق روح هذه القرارات.

* وبين هذه النقط أن الأمم المتحدة لابد أن تتحمل مسئوليتها الكاملة فى صيانة قراراتها، فإذا انهار بين هذه القرارات واحد منها، فإن الجهود الهائلة التى بذلت فى الأسابيع الأخيرة لتهدئة الحالة فى الشرق الأوسط سوف تنهار من أساسها، ولن يتيسر الفصل بسهولة بين جزء من المشكلة وجزء آخر منها، وإنما سوف تختلط العوامل، وتتفاعل التأثيرات، وسوف يصبح من العسير بعدها أن تسيطر الأعصاب الباردة على الموقف، أو أن ينزل السيد المسيح مرة ثانية إلى الأرض ليدير خده الأيسر للذين صفعوه على الخد الأيمن..

* وبين هذه النقط أن أحداً من الذين شاركوا فى العدوان الأخير المسلح ضد مصر لن يخرج من هذا العدوان بأى كسب مادى أو سياسى.

وإذا سمحت الأمم المتحدة بهذا أن يحدث - أو إذا سمحت به شعوب المنطقة - فإن كل ضمانات السلامة وكل ضمانات الأمن فى هذه المنطقة سوف ينفلت عيارها، وتختل موازينها.

* وبين هذه النقط أن الولايات المتحدة الأمريكية قبل غيرها من الدول تتحمل القسط الأكبر من العبء الواقع على كاهل الأمم المتحدة.

فقد كانت الولايات المتحدة صاحبة مشروع القرار الذى وصف إسرائيل بالعدوان.

وكانت كذلك صاحبة القرار الذى طالب بانسحاب القوات المعتدية.

ويومها وقف الرأى العام العالمى كله وراء الولايات المتحدة.

فماذا جرى من يومها إلى الآن؟

إن الولايات المتحدة الأمريكية لن تستطيع أن تدافع عن نفسها حين تتعلل بعناد إسرائيل ورأسها الصلب الجامد.

تلك خرافة لا تجوز على العقول!

لقد رأينا هذه الخرافة تنكشف منذ أسابيع قليلة.

كان بن جوريون بعد انسحاب مصر من سيناء قد وقف فى الكنيست يعلن ضم سيناء إلى إسرائيل ويستشهد بآيات من التوراة حاول أن يحملها فوق ما تحتمل ليجعل منها شهادة زور تخدع التاريخ، وتُسخر المقدسات لتبرير الجرائم!

ثم كتب له أيزنهاور خطاباً واحداً.

ويومها كان أيزنهاور يستعمل عينيه الاثنتين، ويعلن بألسنة المتحدثين باسمه فى الصحافة والإذاعة، أن الولايات المتحدة تراعى المبادئ قبل أن تراعى الأصدقاء!

ولم يكد بن جوريون يتسلم خطاب أيزنهاور، حتى وقف فى الكنيست يعلن عزم إسرائيل على الانسحاب من سيناء، ولم ينس أن يستشهد بآيات أخرى من التوراة، وكان الله فى عون هذا الكتاب السماوى، الذى يحاول رئيس وزراء إسرائيل أن يعبث به كلما شاء مرة أن يتردى إلى أحقر النزوات الأرضية!

الولايات المتحدة إذن تقدر.

فإذا حاولت اليوم أن تتعلل فليس لكل أعذارها معنى إلا شئ واحد.

لن تكون المسألة ساعتها أنها لا تقدر وإنما ستكون المسألة ساعتها أنها لا تريد!

* بقيت أخيراً نقطة ينبغى أن تستقر بعد على حرفها.

لقد وقف سلوين لويد وزير خارجية بريطانيا فى مجلس العموم أخيراً يقول:

- إن قطاع غزة يجب ألا يعود إلى مصر، وإنه إذا كان لابد أن تنسحب إسرائيل منه، فإن الحل الذى تفضله بريطانيا فى هذه الظروف هو أن يوضع القطاع تحت إدارة الأمم المتحدة.

ومنذ اليوم الذى قال فيه سلوين لويد هذا الكلام، حاولت بعض الدوائر أن تردده.. وشوشةً وهمساً.

والذى ينبغى أن يقال من الآن، وقبل أن يتورط أو ينزلق أحد على تيار النهر الذى لا عودة منه، هو أن مصر ليست على استعداد لقبول مثل هذه الفكرة.

- إن ذلك لم يكن ضمن قرارات الأمم المتحدة التى قبلتها مصر.

- إن قطاع غزة مسئولية مصرية تجاه شعب فلسطين حتى يتحقق حل نهائى لمشكلة فلسطين كلها.

- إن مصر ما زالت على استعداد لأن تتعاون مع الأمم المتحدة، لإيجاد مثل هذا الحل لمشكلة فلسطين كلها، وما زالت على استعداد للبحث فى إجراءات تعيد السلام إلى أرض السلام.

ولكن الذى ليست مصر على استعداد له، هو أن يكون الوحى فى أى حل صادراً من متآمر صغير خائب اسمه: سلوين لويد!!

9/1/1957

No comments:

Post a Comment