الاثنين:
ملاحظة واحدة سمعتها منه، ولم أترك له بعدها فرصة لحديث.
وكنت قبلها تاركاً له أذنى، حابساً عنه لسانى.
أى كنت أسمع ولا أتكلم.
ولكن ملاحظة لمست عصباً حساساً.
قال: - وكانت ظروف مشكلة قناة السويس هى الموضوع الذى التقى عنده اهتمامنا.
قال:
- طبعاً... تستطيعون الآن إملاء شروطكم فى مستقبل قناة السويس...
فى يدكم الورقة الرابحة وهى القناة نفسها.
وقد فشل استعمال القوة، وذلك أقصى ما كان يملك خصومكم من وسائل إرغامكم على التنازل.
لقد حالفكم الحظ.. وفى مقدوركم الآن ببساطة، أن تقولوا للدنيا هذه هى شروطنا، وإذا لم تعجبكم، فأمامكم البحر... اشفطوا ماءه المالح حتى آخر قطرة فيه!
وتطلع إلىّ الديبلوماسى الأفريقى الكبير... ثم استطرد:
- أليس هذا هو الموقف؟
وكان العصب الحساس فىّ ينبض، وتكاد نبضاته المسرعة أن تتحول إلى رعشة.
وقلت على الفور:
- لا... أنت تظلمنا... أنت تسلب وطننا صفحة من أعظم صفحات تاريخه.
واستطردت أقول:
- لا... ليس هذا صحيحاً.
إننا لا نتمسك بموقفنا الآن، والآن فقط، بعد أن فشل - كما تقول - استعمال القوة ضدنا، وذلك - على حد تعبيرك - أقصى ما كان يملكه خصومنا من وسائل لإرغامنا على التنازل!
إنما الصحيح، وذلك من دواعى فخرنا، أننا رفضنا التنازل، عندما كان خصومنا يملكون كل شئ ضدنا...
وأول ما كانوا يملكون، استعمال القوة، وكان شبحها المخيف، تهديداً مروعاً، لبلد صغير، وشعب ناشئ، ليس له بالحروب سابق خبرة... هذا بينما الذين يهددونه.. كانوا من محترفى الحروب!
هذا هو الصحيح!
ونظرت إلى الديبلوماسى الأفريقى.. إلى عيونه السوداء اللامعة كنجوم القارة العذراء.. السمراء، ثم قلت:
- لقد كانت هناك حكومات كثيرة، من قارتنا - من أفريقيا - ومن جارتنا الغالية آسيا... تمكن الإنجليز من جرها من أنوفها وتوريطها فى مؤتمر لندن الشهير، الذى اجتمع وفى أذهان الذين دعوا إليه ورتبوا مشاهده، أن يكون ستاراً تتم تحت حمايته عملية اغتصاب القناة من أصحابها الشرعيين.. بالحيلة أو بالتهديد... أو بالقوة إذا لزم الأمر!
أليست تلك هى الحقيقة؟
لا أظنك تجادل... ومع ذلك ماذا حدث بعدها؟
حدث أن هذا المؤتمر فى لندن، انتهى إلى ما أسموه مشروع الدول الثمانى عشرة... الذى تقرر عرضه على مصر.
وكانت مسألة عرضه على مصر مسألة شكلية.
فلقد اتضح الآن مما نشر من أسرار المؤامرة على مصر أن "ايدن" أصر على أن تكون المقترحات المقدمة لمصر، من نوع لا تستطيع مصر أن تقبله...
بل أن خبراء السياسة والديبلوماسية فى وزارة الخارجية البريطانية، عكفوا يومين كاملين على هذه المقترحات يتفننون فى صياغتها.
تفننوا يومين كاملين.. لا ليجعلوا المقترحات مقبولة لدى مصر!
لا...
وإنما ليجعلوا من المستحيل على مصر قبولها!
ثم جاءت بها لجنة منزيس إلى مصر فى جو عاصف.
الدول الكبرى هائجة... الدول البحرية تتظاهر... حرب الأعصاب على أشدها.
شبح الحرب - حرب النار والحديد - على الأفق.
قوات تحتشد... أساطيل تتحرك... أمواج من الطائرات بعد أمواج تتجه من بريطانيا وفرنسا... إلى قبرص... القاعدة المتأهبة للانقضاض لدى أول أمر وعند أبسط إشارة!!
وأكثر من هذا حرص الذين شكلوا لجنة منزيس... على أن يكون بين أعضائها... سيد من قارتنا... من أفريقيا، هو أكليلو وزير خارجية الحبشة، وسيد من جارتنا الغالية.. من آسيا، هو أردلان وزير خارجية إيران... كأنما الذين شكلوا لجنة منزيس، كانوا يريدون أن يقولوا لنا:
- الهول والدمار فى انتظاركم... وليس معكم أحد... حتى سندكم الروحى أفريقيا وآسيا، ليستا معكم.. وإنما هما هنا.. هنا معنا..!
وعدت مرة ثانية أنظر إلى العيون السوداء اللامعة كنجوم قارتنا العذراء السمراء.. عيون الديبلوماسى الأفريقى الجالس فى مواجهتى.. ثم أقول له:
- أليس ذلك ما جرى بالضبط؟
وهز رأسه فى حركة متتابعة وهو يقول:
- أجل... تماماً... تماماً!
قلت: عال!
ثم استطردت:
- وماذا قالت مصر للجنة منزيس وقتها؟!
لو أن مصر كانت تنازلت يومها، أو أبدت بعض علامات التنازل، لكنت فهمت ملاحظتك التى دفعتنى إلى كل هذا الحديث الطويل.
كنت فهمت قولك بالنص:
"طبعاً... أنتم الآن تستطيعون إملاء شروطكم فى مستقبل قناة السويس"!
ولكن مصر لم تتنازل يومها... ولم تبد أى علامة من علامات التنازل!
وإنما تمسكت بحقها، والجو من حولها كما وصفت لك!
ولو كانت مصر تنازلت يومها لكان لها العذر، وماذا تستطيع وحدها إزاء القوة القاهرة... الدول الكبرى والدول البحرية... ودول من أفريقيا وآسيا... جروها من أنوفها مع الأسف الشديد!
وأعود فأكرر لك:
- ولكن مصر لم تتنازل يومها.. ولم تبد أى علامة من علامات التنازل..!
بل ووصل الأمر إلى حد أن روبرت منزيس، رئيس وزراء استراليا، ورئيس اللجنة المعروفة باسمه... وصل الأمر إلى حد أن روبرت منزيس بنفسه... هدد جمال عبد الناصر رئيس جمهورية مصر..
لابد أنك سمعت القصة.. فتفاصيلها لم تعد سراً.
كان منزيس قد طالب بإدارة دولية لقناة السويس.
وبدأ الرئيس المصرى يرد عليه...
وكان جو قاعة الاجتماع فى دار الرئاسة المصرية متوتراً... مشدوداً.
وشرح الرئيس المصرى وجهة نظره فى الإدارة الدولية وقال ما يكاد نصه أن يكون:
- إن مصر لا تستطيع أن تقبل إدارة دولية للقناة...
ذلك أولاً انتهاك لسيادة مصر.
ثم هو ثانياً ليس حلاً لأى مشكلة.
ذلك لأن الإدارة الدولية لقناة السويس، حتى لو قبلت حكومة مصر قيامها، لن تستطيع أن تمارس عملها لأن شعب مصر سوف ينظر إليها باعتبارها اعتداء على استقلاله، ومن ثم سوف يقاوم وجودها، وتصبح الإدارة الدولية التى جاءت لحماية حرية الملاحة فى قناة السويس... فى حاجة إلى من يحميها من شعب معاد لها يحيط بها من كل ناحية!
وختم الرئيس جمال عبد الناصر كلامه قائلاً:
- وعلى هذا النحو، لن تكون الإدارة الدولية لقناة السويس، نهاية للمتاعب، وإنما ستكون بداية للمتاعب!
وسكت الرئيس جمال عبد الناصر.
ولكن منزيس لم يسكت.
فى الجو المتوتر المشدود فى القاعة ساعتها فعل منزيس آخر ما كان يتوقعه - حتى أعضاء لجنته - الذين فتحوا أفواههم من الدهشة وهم يرون منزيس يفعل ما فعله... ويقول ما قاله!
كان منزيس يجلس فى مواجهة الرئيس جمال عبد الناصر على الناحية الأخرى من المكتب..
وفجأة استند منزيس بكفه على المكتب ومال برأسه، وحملق فى وجه الرئيس جمال عبد الناصر.. وفتح إحدى عينيه على آخرها.. وأغمض الثانية بعض الشىء ثم قال بصوت بطئ كأنما هو يحاول أن يؤكد الألفاظ ويحمل كل لفظ فيها أكثر مما تحتمله نبراته.
- أنت ترى أن قبولك للإدارة الدولية لن يكون نهاية للمتاعب.. وإنما سيكون بداية لها.. دعنى أقول لك رأيى.. دعنى أؤكد لك أن رفضك للإدارة الدولية هو الذى سيكون البداية الحقيقية للمتاعب!
وسكت منزيس... ولكن التهديد كان واضحاً... سافراً!
وران على القاعة لومضة من الزمان سكوت ثقيل... رهيب.
وتطلعت أنظار الجالسين جميعاً إلى الرئيس المصرى..
وكان جمال عبد الناصر قد مد يده إلى ملف ملئ بالأوراق كان مفتوحاً أمامه، وأغلق جمال عبد الناصر ملف الأوراق فى حركة هادئة، ونظر إلى منزيس وقال له بصوت أكثر هدوءً من حركة إغلاق ملف الأوراق:
- أنا أعتبر الذى قلته تهديداً لى، وأعتبر بعده أن مباحثاتنا قد انتهت لقد قلت لك أن قبولى للإدارة الدولية سيكون بداية للمتاعب.
وأنت تقول لى أن رفضى للإدارة الدولية هو الذى سيكون بداية المتاعب!
وإذن فالمتاعب قادمة قادمة.. سواء أخذت أنا برأيك، أو أخذت أنت برأيى.
وما دام الأمر كذلك، فأنا أفضل أن لا يطول انتظارى.. أفضل أن أواجه المتاعب فوراً.. وأرفض الإدارة الدولية.
وتوقفت عن الحديث لحظة وتطلعت إلى الديبلوماسى الأفريقى.. وعيونه السوداء اللامعة كنجوم القارة العذراء السمراء.. ثم تساءلت:
- أنت تعرف هذه القصة كلها.
قال: أجل سمعت عنها.
قلت:
- بهذا الإصرار واجهت مصر لجنة منزيس، والظروف التى جاءت فيها هذه اللجنة على ما تعرف.. وما لا تزال تذكر.
وإذن كيف يمكن أن يقال لنا اليوم:
"طبعاً.. تستطيعون الآن إملاء شروطكم فى مستقبل قناة السويس. لقد فشل استعمال القوة، وذلك أقصى ما كان يملك خصومكم من وسائل إرغامكم على التنازل".
كيف يمكن أن يقال لنا اليوم هذا الكلام.
لقد قلت لك تعليقاً على هذا الكلام، إنك تظلمنا، وإنك تسلب وطننا صفحة من أعظم صفحات تاريخه.
إننا نتصور، أنه من دواعى فخرنا، أن لغتنا لم تتغير خلال المراحل الثلاث التى مرت بها المشكلة.
كنا على استعداد للتعاون الدولى.. ولم نكن على استعداد للسيطرة الدولية ذلك كان موقفنا طول الوقت.
كان موقفنا تحت التهديد العاصف.
وكان موقفنا تحت القنابل المتساقطة كالمطر.
ثم هو لا يزال موقفنا بعد أن أصبح الموقف كله فى صالحنا، أو كما تقول أنت وأنا أستعمل نص عبارتك:
"بعد أن أصبح فى مقدورنا الآن ببساطة... أن نقول للدنيا هذه هى شروطنا، وإذا لم تعجبكم، فأمامكم البحر... اشفطوا ماءه المالح حتى آخر قطرة فيه!!"
دعنى أسألك... هل فعلنا ذلك... بعد أن أصبحنا سادة الموقف؟
هل قلنا للدنيا - وكان فى مقدورنا كما تقول أنت بحق أن نقول لها - إذا لم تعجبكم شروطنا... فاشفطوا ماء البحر؟!
لم نفعل ذلك.
ولم يكن أحد ليلومنا لو أننا مثلاً قلنا للدنيا:
"بيننا وبينكم اتفاقية سنة 1888، وغيرها... هش... سكوتاً ولا يفتح أحد منكم فمه بكلمة واحدة!"
لم نفعل ذلك... كما قلت لك... وإنما خطونا بعد اتفاقية 1888... خطوات!
أعطينا داج همرشولد السكرتير العام للأمم المتحدة كل تعاون ممكن... وبشهادته هو!
تعهدنا أن لا نزيد الرسوم أكثر من واحد فى المائة كل عام.
تعهدنا بتخصيص ربع دخل القناة لمشروعات تحسينها.
تعهدنا بقبول التحكيم والتزام قراراته فى كل خلاف.
فعلنا هذا كله...
وليس فى هذا كله ما يمكن تفسيره بأنه "إذا لم تعجبكم شروطنا... فاشفطوا ماء البحر".
أبداً..
لقد قلنا بعد النصر... ما كنا نقوله تحت التهديد... وقبل المعركة غير المتكافئة!
نحن نتصور أن ذلك من دواعى فخرنا.
نحن نؤمن أن النصر لا يدير رءوس الأحرار... وإنما العبيد وحدهم هم الذين تدور رءوسهم بعد النصر ويأخذون الأمر كله تحكماً واستبداداً وغطرسة!
واستطردت أقول للديبلوماسى الأفريقى الكبير وعيونه السوداء اللامعة كنجوم القارة العذراء... السمراء:
- سمها فروسية... سمها شهامة... أو حتى سمها سذاجة وطيبة قلب!
كذلك نحن!!
الأربعاء:
لحساب من تعمل صحافة نيويورك؟
أجل!
وما هى غاياتها، وما وسائلها إلى هذه الغايات؟
أو باختصار، ما هو سر صحافة نيويورك؟
تتدافع هذه الأسئلة فى رأسى، بينما عيناى تجريان على سطور محضر رسمى حرفى للمؤتمر الصحفى الذى عقده جون فوستر دالاس وزير خارجية أمريكا أمس (الثلاثاء)... ومحضر رسمى حرفى آخر للمؤتمر الصحفى الذى عقده دوايت أيزنهاور رئيس جمهورية أمريكا اليوم - الأربعاء...
وفى هذين المحضرين الرسميين الحرفيين... تعنينى الأسئلة أكثر مما تعنينى الإجابات، ويثير عجبى موقف الصحفيين الذين يسألون أكثر مما يثيره موقف الساسة الذين يجيبون.
ولنأخذ نماذج من هذه الأسئلة... وسأبدأ بحديث جون فوستر دالاس... وسألتزم ترتيب الأسئلة كما وردت فى المحضر الرسمى حتى تتضح طريقة الإيحاء والتوجيه...
سؤال رقم 1
- مستر دالاس.. هل تستطيع أن تقول لنا شيئاً عن المفاوضات بشأن قناة السويس.. هل هناك رد من مصر على ردنا على مذكرة مصر.. وهل ترى فى ثنايا الموقف ما يبعث على الأمل فى تسوية تقوم على أساس المبادئ الستة التى أقرها مجلس الأمن؟
سؤال رقم 2
- مستر دالاس... هل تستطيع أن تذكر لنا النقط التى طلبت حكومة الولايات المتحدة تغييرها فى مذكرة مصر ثم كيف يصبح لهذه المذكرة قوة التزام دولى يضم دول العالم كلها؟!
سؤال رقم 3
- مستر دالاس... هل أخطرتكم حكومة إسرائيل، بأنها ستحاول إرسال باخرة عبر قناة السويس لاختبار مدى احترام حرية الملاحة فيها... وماذا سيكون موقف الحكومة الأمريكية إزاء هذه المحاولة؟!
سؤال رقم 4
- مستر دالاس... هل عندكم دليل، من أى مصدر من مصادركم فى مصر على أن مصر تنوى أن تُقلع عن العدوان على إسرائيل وتترك بواخرها تمر فى القناة؟
سؤال رقم 5
- مستر دالاس، ما هى قوى الضغط التى ما تزال تملكها فى أى مفاوضات مع مصر بشأن حق إسرائيل فى المرور فى قناة السويس، وماذا إذا أصرت مصر على عنادها واستمرت تخرق كل القيم المعنوية وتشيع الفوضى فى المنطقة... ماذا تصنع فى هذه الحالة؟!
سؤال رقم 6
- مستر دالاس... هل نستطيع أن نفهم أن الولايات المتحدة سوف تشارك مشاركة فعالة فى فرض عقوبات اقتصادية على مصر إذا هى لم تسمح بمرور إسرائيل فى قناة السويس؟
سؤال رقم 7
- مستر دالاس... إذا استمرت مصر فى عدوانها على إسرائيل ألا ترى معنا أن ذلك يبين بجلاء أن مصر لا تكن أى احترام لآراء الجنس البشرى؟
الشىء المدهش... أنه حتى جون فوستر دالاس... ضاق ذرعاً بهذه الأسئلة، بعد أن وصلت إلى هذا الحد...
ضاق ذرعاً إلى حد أنه لم يطق صبراً فقال رداً على السؤال السابع... وأنا أنقل عن المحضر الرسمى بالحرف الواحد:
- "اسمعوا... لست هنا لكى أتكلم نيابةً عن الجنس البشرى كله... أنا هنا أتكلم عن الولايات المتحدة وحدها!"
وأنتقل إلى المحضر الثانى... محضر مؤتمر أيزنهاور، وسألتزم مرة ثانية ترتيب الأسئلة كما وردت فى المحضر الرسمى حتى تتضح طريقة الإيحاء والتوجيه.
سؤال رقم 1
- Mr President أى "أيها الرئيس"، هل هناك أمل فى مفاوضات جدية مع مصر؟
سؤال رقم 2
- أيها الرئيس، إن انسحاب إسرائيل تم أخيراً على أساس إقناعها بأن حقها فى المرور من خليج العقبة وقناة السويس لن يكون موضوع نزاع.
والآن لقد أعلنت مصر أنها لا تعترف لإسرائيل بهذا الحق..
وعلى ضوء حديثك فى 20 نوفمبر والذى قلت فيه بالنص أن الوقت قد حان لكى يواجه المجتمع العالمى بحزم أى خرق من جانب مصر لأى تعهد من تعهداتها الدولية - على هذا الضوء ما الذى ستفعله حكومتكم ضد مصر؟!
سؤال رقم 3
- أيها الرئيس، إزاء موقف مصر العنيد فى مشكلة قناة السويس، وإزاء تنكرها للمبادئ الستة التى أقرها مجلس الأمن، وإزاء سياستها العدوانية ضد إسرائيل، وإزاء خرقها المتكرر لاتفاقية الهدنة، ألا ترى أن مصر تحت حكم جمال عبد الناصر أصبحت بلداً لا يحترم آراء الجنس البشرى؟!
والشىء المدهش، مرة ثانية، أن دوايت أيزنهاور، ضاق ذرعاً، كما ضاق من قبله جون فوستر دالاس، بطريقة توجيه هذه الأسئلة، فقال رداً على السؤال الثالث وأنا أنقل عن المحضر الرسمى بالحرف الواحد:
- "اسمعوا... ليس لنا هنا أن نتحدث عن بلد آخر بهذه الطريقة، ولا أن نمس أى حاكم يتولى منصباً مسئولاً فى بلد من بلدان العالم!"
هل هذه أسئلة توجهها صحافة بريئة ونزيهة، تريد أن تعرف الحقائق... وتتابع التطورات على هدى ورشاد؟
وهل هذه طريقة صياغة أسئلة... وتوجيه مناقشة... ليس من ورائها قصد إلا تنوير الرأى العام؟!
أم ماذا؟
الخميس:
"الأكاذيب التى أقاموها ضدى ومن حولى، ثم تصل إلى شعب كندا تعلمه بسلامة موقفى!"
وسكت هربرت نورمان، ولم أتصور ساعتها، أنه سيعثر على هذه الوسيلة التى تقتحم طريقها إلى كل فرد من أفراد الشعب الكندى تقول له: أن هربرت نورمان لم يكن خائناً...
لم أتصور أنه سيعثر على هذه الوسيلة وسيدفع عمره كله ثمناً لها.
ثم انتقل بنا الحديث إلى موضوعات أخرى.
قلت له رأيى فى رسالة عن "روح اليابان" كان قد كتبها خلال إقامته الطويلة فى بلاد الشمس المشرقة وكان قد أعطاها لى لكى أقرأها حين علم أن اليابان تثير اهتمامى أنا الآخر منذ قضيت فيها فترة من الوقت، أتركها لأذهب إلى كوريا... وأترك كوريا لأعود إلى اليابان.
ثم حدثنى عن دراسات بدأ يقوم بها فى مصر.
كان العصر الفاطمى فى مصر يلهب خياله... وقال لى أنه يعد رسالة عن أيام الفاطميين.
ثم وصل الحديث إلى القوات الكندية المشتركة فى قوة الطوارئ الدولية وقال لى:
- إن الحكومة المصرية لم تتعنت فى موضوع القوات الكندية... وأنا أشعر أن تسامحها كان مجاملة طيبة لى.
وقلت له:
- ذلك صحيح... إن معلوماتى أن تسامح مصر كان مجاملة... ومجاملة لك... ولك شخصياً.
وابتسم نورمان... وأشعر الآن وأنا أكتب هذه السطور، أن ابتسامته ساعتها، كانت ابتسامة حزينة.
ثم كانت آخر عبارة سمعتها من هربرت نورمان سفير كندا الذى لم ينتحر فى رأيى، وإنما قتلوه... آخر عبارة سمعتها منه، وآخر عبارة سوف أسمعها منه، فلقد ذهب إلى الأبد عقله الكبير ومنطقه السلس... قال لى وهو يهز رأسه:
- اسمع... أنا أرى أنكم هنا فى مصر تلقون بالاً إلى ما يكتب عنكم فى صحف الغرب... يجب أن تدركوا أن أعداءكم يزرعون هذا الكلام وبالتالى لا ينبغى أن تتركوه يؤثر فيكم...
لو أنكم ألقيتم بالاً إلى كل ما يكتب عنكم وأصدرتم على أساسه أحكامكم... لوجدتم أنفسكم فى بحر ليس له قرار!
رباه!
بصعوبة أحبس الدموع!
أكان يتحدث عنا.. أم كان يتحدث عن نفسه!
لقد راح ضحية للخطر الذى كان يحذرنا منه.
لقد غرق فى البحر الذى ليس له قرار.
ولكنه لم ينتحر... وإنما قتلوه!
6/4/1957
ملاحظة واحدة سمعتها منه، ولم أترك له بعدها فرصة لحديث.
وكنت قبلها تاركاً له أذنى، حابساً عنه لسانى.
أى كنت أسمع ولا أتكلم.
ولكن ملاحظة لمست عصباً حساساً.
قال: - وكانت ظروف مشكلة قناة السويس هى الموضوع الذى التقى عنده اهتمامنا.
قال:
- طبعاً... تستطيعون الآن إملاء شروطكم فى مستقبل قناة السويس...
فى يدكم الورقة الرابحة وهى القناة نفسها.
وقد فشل استعمال القوة، وذلك أقصى ما كان يملك خصومكم من وسائل إرغامكم على التنازل.
لقد حالفكم الحظ.. وفى مقدوركم الآن ببساطة، أن تقولوا للدنيا هذه هى شروطنا، وإذا لم تعجبكم، فأمامكم البحر... اشفطوا ماءه المالح حتى آخر قطرة فيه!
وتطلع إلىّ الديبلوماسى الأفريقى الكبير... ثم استطرد:
- أليس هذا هو الموقف؟
وكان العصب الحساس فىّ ينبض، وتكاد نبضاته المسرعة أن تتحول إلى رعشة.
وقلت على الفور:
- لا... أنت تظلمنا... أنت تسلب وطننا صفحة من أعظم صفحات تاريخه.
واستطردت أقول:
- لا... ليس هذا صحيحاً.
إننا لا نتمسك بموقفنا الآن، والآن فقط، بعد أن فشل - كما تقول - استعمال القوة ضدنا، وذلك - على حد تعبيرك - أقصى ما كان يملكه خصومنا من وسائل لإرغامنا على التنازل!
إنما الصحيح، وذلك من دواعى فخرنا، أننا رفضنا التنازل، عندما كان خصومنا يملكون كل شئ ضدنا...
وأول ما كانوا يملكون، استعمال القوة، وكان شبحها المخيف، تهديداً مروعاً، لبلد صغير، وشعب ناشئ، ليس له بالحروب سابق خبرة... هذا بينما الذين يهددونه.. كانوا من محترفى الحروب!
هذا هو الصحيح!
ونظرت إلى الديبلوماسى الأفريقى.. إلى عيونه السوداء اللامعة كنجوم القارة العذراء.. السمراء، ثم قلت:
- لقد كانت هناك حكومات كثيرة، من قارتنا - من أفريقيا - ومن جارتنا الغالية آسيا... تمكن الإنجليز من جرها من أنوفها وتوريطها فى مؤتمر لندن الشهير، الذى اجتمع وفى أذهان الذين دعوا إليه ورتبوا مشاهده، أن يكون ستاراً تتم تحت حمايته عملية اغتصاب القناة من أصحابها الشرعيين.. بالحيلة أو بالتهديد... أو بالقوة إذا لزم الأمر!
أليست تلك هى الحقيقة؟
لا أظنك تجادل... ومع ذلك ماذا حدث بعدها؟
حدث أن هذا المؤتمر فى لندن، انتهى إلى ما أسموه مشروع الدول الثمانى عشرة... الذى تقرر عرضه على مصر.
وكانت مسألة عرضه على مصر مسألة شكلية.
فلقد اتضح الآن مما نشر من أسرار المؤامرة على مصر أن "ايدن" أصر على أن تكون المقترحات المقدمة لمصر، من نوع لا تستطيع مصر أن تقبله...
بل أن خبراء السياسة والديبلوماسية فى وزارة الخارجية البريطانية، عكفوا يومين كاملين على هذه المقترحات يتفننون فى صياغتها.
تفننوا يومين كاملين.. لا ليجعلوا المقترحات مقبولة لدى مصر!
لا...
وإنما ليجعلوا من المستحيل على مصر قبولها!
ثم جاءت بها لجنة منزيس إلى مصر فى جو عاصف.
الدول الكبرى هائجة... الدول البحرية تتظاهر... حرب الأعصاب على أشدها.
شبح الحرب - حرب النار والحديد - على الأفق.
قوات تحتشد... أساطيل تتحرك... أمواج من الطائرات بعد أمواج تتجه من بريطانيا وفرنسا... إلى قبرص... القاعدة المتأهبة للانقضاض لدى أول أمر وعند أبسط إشارة!!
وأكثر من هذا حرص الذين شكلوا لجنة منزيس... على أن يكون بين أعضائها... سيد من قارتنا... من أفريقيا، هو أكليلو وزير خارجية الحبشة، وسيد من جارتنا الغالية.. من آسيا، هو أردلان وزير خارجية إيران... كأنما الذين شكلوا لجنة منزيس، كانوا يريدون أن يقولوا لنا:
- الهول والدمار فى انتظاركم... وليس معكم أحد... حتى سندكم الروحى أفريقيا وآسيا، ليستا معكم.. وإنما هما هنا.. هنا معنا..!
وعدت مرة ثانية أنظر إلى العيون السوداء اللامعة كنجوم قارتنا العذراء السمراء.. عيون الديبلوماسى الأفريقى الجالس فى مواجهتى.. ثم أقول له:
- أليس ذلك ما جرى بالضبط؟
وهز رأسه فى حركة متتابعة وهو يقول:
- أجل... تماماً... تماماً!
قلت: عال!
ثم استطردت:
- وماذا قالت مصر للجنة منزيس وقتها؟!
لو أن مصر كانت تنازلت يومها، أو أبدت بعض علامات التنازل، لكنت فهمت ملاحظتك التى دفعتنى إلى كل هذا الحديث الطويل.
كنت فهمت قولك بالنص:
"طبعاً... أنتم الآن تستطيعون إملاء شروطكم فى مستقبل قناة السويس"!
ولكن مصر لم تتنازل يومها... ولم تبد أى علامة من علامات التنازل!
وإنما تمسكت بحقها، والجو من حولها كما وصفت لك!
ولو كانت مصر تنازلت يومها لكان لها العذر، وماذا تستطيع وحدها إزاء القوة القاهرة... الدول الكبرى والدول البحرية... ودول من أفريقيا وآسيا... جروها من أنوفها مع الأسف الشديد!
وأعود فأكرر لك:
- ولكن مصر لم تتنازل يومها.. ولم تبد أى علامة من علامات التنازل..!
بل ووصل الأمر إلى حد أن روبرت منزيس، رئيس وزراء استراليا، ورئيس اللجنة المعروفة باسمه... وصل الأمر إلى حد أن روبرت منزيس بنفسه... هدد جمال عبد الناصر رئيس جمهورية مصر..
لابد أنك سمعت القصة.. فتفاصيلها لم تعد سراً.
كان منزيس قد طالب بإدارة دولية لقناة السويس.
وبدأ الرئيس المصرى يرد عليه...
وكان جو قاعة الاجتماع فى دار الرئاسة المصرية متوتراً... مشدوداً.
وشرح الرئيس المصرى وجهة نظره فى الإدارة الدولية وقال ما يكاد نصه أن يكون:
- إن مصر لا تستطيع أن تقبل إدارة دولية للقناة...
ذلك أولاً انتهاك لسيادة مصر.
ثم هو ثانياً ليس حلاً لأى مشكلة.
ذلك لأن الإدارة الدولية لقناة السويس، حتى لو قبلت حكومة مصر قيامها، لن تستطيع أن تمارس عملها لأن شعب مصر سوف ينظر إليها باعتبارها اعتداء على استقلاله، ومن ثم سوف يقاوم وجودها، وتصبح الإدارة الدولية التى جاءت لحماية حرية الملاحة فى قناة السويس... فى حاجة إلى من يحميها من شعب معاد لها يحيط بها من كل ناحية!
وختم الرئيس جمال عبد الناصر كلامه قائلاً:
- وعلى هذا النحو، لن تكون الإدارة الدولية لقناة السويس، نهاية للمتاعب، وإنما ستكون بداية للمتاعب!
وسكت الرئيس جمال عبد الناصر.
ولكن منزيس لم يسكت.
فى الجو المتوتر المشدود فى القاعة ساعتها فعل منزيس آخر ما كان يتوقعه - حتى أعضاء لجنته - الذين فتحوا أفواههم من الدهشة وهم يرون منزيس يفعل ما فعله... ويقول ما قاله!
كان منزيس يجلس فى مواجهة الرئيس جمال عبد الناصر على الناحية الأخرى من المكتب..
وفجأة استند منزيس بكفه على المكتب ومال برأسه، وحملق فى وجه الرئيس جمال عبد الناصر.. وفتح إحدى عينيه على آخرها.. وأغمض الثانية بعض الشىء ثم قال بصوت بطئ كأنما هو يحاول أن يؤكد الألفاظ ويحمل كل لفظ فيها أكثر مما تحتمله نبراته.
- أنت ترى أن قبولك للإدارة الدولية لن يكون نهاية للمتاعب.. وإنما سيكون بداية لها.. دعنى أقول لك رأيى.. دعنى أؤكد لك أن رفضك للإدارة الدولية هو الذى سيكون البداية الحقيقية للمتاعب!
وسكت منزيس... ولكن التهديد كان واضحاً... سافراً!
وران على القاعة لومضة من الزمان سكوت ثقيل... رهيب.
وتطلعت أنظار الجالسين جميعاً إلى الرئيس المصرى..
وكان جمال عبد الناصر قد مد يده إلى ملف ملئ بالأوراق كان مفتوحاً أمامه، وأغلق جمال عبد الناصر ملف الأوراق فى حركة هادئة، ونظر إلى منزيس وقال له بصوت أكثر هدوءً من حركة إغلاق ملف الأوراق:
- أنا أعتبر الذى قلته تهديداً لى، وأعتبر بعده أن مباحثاتنا قد انتهت لقد قلت لك أن قبولى للإدارة الدولية سيكون بداية للمتاعب.
وأنت تقول لى أن رفضى للإدارة الدولية هو الذى سيكون بداية المتاعب!
وإذن فالمتاعب قادمة قادمة.. سواء أخذت أنا برأيك، أو أخذت أنت برأيى.
وما دام الأمر كذلك، فأنا أفضل أن لا يطول انتظارى.. أفضل أن أواجه المتاعب فوراً.. وأرفض الإدارة الدولية.
وتوقفت عن الحديث لحظة وتطلعت إلى الديبلوماسى الأفريقى.. وعيونه السوداء اللامعة كنجوم القارة العذراء السمراء.. ثم تساءلت:
- أنت تعرف هذه القصة كلها.
قال: أجل سمعت عنها.
قلت:
- بهذا الإصرار واجهت مصر لجنة منزيس، والظروف التى جاءت فيها هذه اللجنة على ما تعرف.. وما لا تزال تذكر.
وإذن كيف يمكن أن يقال لنا اليوم:
"طبعاً.. تستطيعون الآن إملاء شروطكم فى مستقبل قناة السويس. لقد فشل استعمال القوة، وذلك أقصى ما كان يملك خصومكم من وسائل إرغامكم على التنازل".
كيف يمكن أن يقال لنا اليوم هذا الكلام.
لقد قلت لك تعليقاً على هذا الكلام، إنك تظلمنا، وإنك تسلب وطننا صفحة من أعظم صفحات تاريخه.
إننا نتصور، أنه من دواعى فخرنا، أن لغتنا لم تتغير خلال المراحل الثلاث التى مرت بها المشكلة.
كنا على استعداد للتعاون الدولى.. ولم نكن على استعداد للسيطرة الدولية ذلك كان موقفنا طول الوقت.
كان موقفنا تحت التهديد العاصف.
وكان موقفنا تحت القنابل المتساقطة كالمطر.
ثم هو لا يزال موقفنا بعد أن أصبح الموقف كله فى صالحنا، أو كما تقول أنت وأنا أستعمل نص عبارتك:
"بعد أن أصبح فى مقدورنا الآن ببساطة... أن نقول للدنيا هذه هى شروطنا، وإذا لم تعجبكم، فأمامكم البحر... اشفطوا ماءه المالح حتى آخر قطرة فيه!!"
دعنى أسألك... هل فعلنا ذلك... بعد أن أصبحنا سادة الموقف؟
هل قلنا للدنيا - وكان فى مقدورنا كما تقول أنت بحق أن نقول لها - إذا لم تعجبكم شروطنا... فاشفطوا ماء البحر؟!
لم نفعل ذلك.
ولم يكن أحد ليلومنا لو أننا مثلاً قلنا للدنيا:
"بيننا وبينكم اتفاقية سنة 1888، وغيرها... هش... سكوتاً ولا يفتح أحد منكم فمه بكلمة واحدة!"
لم نفعل ذلك... كما قلت لك... وإنما خطونا بعد اتفاقية 1888... خطوات!
أعطينا داج همرشولد السكرتير العام للأمم المتحدة كل تعاون ممكن... وبشهادته هو!
تعهدنا أن لا نزيد الرسوم أكثر من واحد فى المائة كل عام.
تعهدنا بتخصيص ربع دخل القناة لمشروعات تحسينها.
تعهدنا بقبول التحكيم والتزام قراراته فى كل خلاف.
فعلنا هذا كله...
وليس فى هذا كله ما يمكن تفسيره بأنه "إذا لم تعجبكم شروطنا... فاشفطوا ماء البحر".
أبداً..
لقد قلنا بعد النصر... ما كنا نقوله تحت التهديد... وقبل المعركة غير المتكافئة!
نحن نتصور أن ذلك من دواعى فخرنا.
نحن نؤمن أن النصر لا يدير رءوس الأحرار... وإنما العبيد وحدهم هم الذين تدور رءوسهم بعد النصر ويأخذون الأمر كله تحكماً واستبداداً وغطرسة!
واستطردت أقول للديبلوماسى الأفريقى الكبير وعيونه السوداء اللامعة كنجوم القارة العذراء... السمراء:
- سمها فروسية... سمها شهامة... أو حتى سمها سذاجة وطيبة قلب!
كذلك نحن!!
الأربعاء:
لحساب من تعمل صحافة نيويورك؟
أجل!
وما هى غاياتها، وما وسائلها إلى هذه الغايات؟
أو باختصار، ما هو سر صحافة نيويورك؟
تتدافع هذه الأسئلة فى رأسى، بينما عيناى تجريان على سطور محضر رسمى حرفى للمؤتمر الصحفى الذى عقده جون فوستر دالاس وزير خارجية أمريكا أمس (الثلاثاء)... ومحضر رسمى حرفى آخر للمؤتمر الصحفى الذى عقده دوايت أيزنهاور رئيس جمهورية أمريكا اليوم - الأربعاء...
وفى هذين المحضرين الرسميين الحرفيين... تعنينى الأسئلة أكثر مما تعنينى الإجابات، ويثير عجبى موقف الصحفيين الذين يسألون أكثر مما يثيره موقف الساسة الذين يجيبون.
ولنأخذ نماذج من هذه الأسئلة... وسأبدأ بحديث جون فوستر دالاس... وسألتزم ترتيب الأسئلة كما وردت فى المحضر الرسمى حتى تتضح طريقة الإيحاء والتوجيه...
سؤال رقم 1
- مستر دالاس.. هل تستطيع أن تقول لنا شيئاً عن المفاوضات بشأن قناة السويس.. هل هناك رد من مصر على ردنا على مذكرة مصر.. وهل ترى فى ثنايا الموقف ما يبعث على الأمل فى تسوية تقوم على أساس المبادئ الستة التى أقرها مجلس الأمن؟
سؤال رقم 2
- مستر دالاس... هل تستطيع أن تذكر لنا النقط التى طلبت حكومة الولايات المتحدة تغييرها فى مذكرة مصر ثم كيف يصبح لهذه المذكرة قوة التزام دولى يضم دول العالم كلها؟!
سؤال رقم 3
- مستر دالاس... هل أخطرتكم حكومة إسرائيل، بأنها ستحاول إرسال باخرة عبر قناة السويس لاختبار مدى احترام حرية الملاحة فيها... وماذا سيكون موقف الحكومة الأمريكية إزاء هذه المحاولة؟!
سؤال رقم 4
- مستر دالاس... هل عندكم دليل، من أى مصدر من مصادركم فى مصر على أن مصر تنوى أن تُقلع عن العدوان على إسرائيل وتترك بواخرها تمر فى القناة؟
سؤال رقم 5
- مستر دالاس، ما هى قوى الضغط التى ما تزال تملكها فى أى مفاوضات مع مصر بشأن حق إسرائيل فى المرور فى قناة السويس، وماذا إذا أصرت مصر على عنادها واستمرت تخرق كل القيم المعنوية وتشيع الفوضى فى المنطقة... ماذا تصنع فى هذه الحالة؟!
سؤال رقم 6
- مستر دالاس... هل نستطيع أن نفهم أن الولايات المتحدة سوف تشارك مشاركة فعالة فى فرض عقوبات اقتصادية على مصر إذا هى لم تسمح بمرور إسرائيل فى قناة السويس؟
سؤال رقم 7
- مستر دالاس... إذا استمرت مصر فى عدوانها على إسرائيل ألا ترى معنا أن ذلك يبين بجلاء أن مصر لا تكن أى احترام لآراء الجنس البشرى؟
الشىء المدهش... أنه حتى جون فوستر دالاس... ضاق ذرعاً بهذه الأسئلة، بعد أن وصلت إلى هذا الحد...
ضاق ذرعاً إلى حد أنه لم يطق صبراً فقال رداً على السؤال السابع... وأنا أنقل عن المحضر الرسمى بالحرف الواحد:
- "اسمعوا... لست هنا لكى أتكلم نيابةً عن الجنس البشرى كله... أنا هنا أتكلم عن الولايات المتحدة وحدها!"
وأنتقل إلى المحضر الثانى... محضر مؤتمر أيزنهاور، وسألتزم مرة ثانية ترتيب الأسئلة كما وردت فى المحضر الرسمى حتى تتضح طريقة الإيحاء والتوجيه.
سؤال رقم 1
- Mr President أى "أيها الرئيس"، هل هناك أمل فى مفاوضات جدية مع مصر؟
سؤال رقم 2
- أيها الرئيس، إن انسحاب إسرائيل تم أخيراً على أساس إقناعها بأن حقها فى المرور من خليج العقبة وقناة السويس لن يكون موضوع نزاع.
والآن لقد أعلنت مصر أنها لا تعترف لإسرائيل بهذا الحق..
وعلى ضوء حديثك فى 20 نوفمبر والذى قلت فيه بالنص أن الوقت قد حان لكى يواجه المجتمع العالمى بحزم أى خرق من جانب مصر لأى تعهد من تعهداتها الدولية - على هذا الضوء ما الذى ستفعله حكومتكم ضد مصر؟!
سؤال رقم 3
- أيها الرئيس، إزاء موقف مصر العنيد فى مشكلة قناة السويس، وإزاء تنكرها للمبادئ الستة التى أقرها مجلس الأمن، وإزاء سياستها العدوانية ضد إسرائيل، وإزاء خرقها المتكرر لاتفاقية الهدنة، ألا ترى أن مصر تحت حكم جمال عبد الناصر أصبحت بلداً لا يحترم آراء الجنس البشرى؟!
والشىء المدهش، مرة ثانية، أن دوايت أيزنهاور، ضاق ذرعاً، كما ضاق من قبله جون فوستر دالاس، بطريقة توجيه هذه الأسئلة، فقال رداً على السؤال الثالث وأنا أنقل عن المحضر الرسمى بالحرف الواحد:
- "اسمعوا... ليس لنا هنا أن نتحدث عن بلد آخر بهذه الطريقة، ولا أن نمس أى حاكم يتولى منصباً مسئولاً فى بلد من بلدان العالم!"
هل هذه أسئلة توجهها صحافة بريئة ونزيهة، تريد أن تعرف الحقائق... وتتابع التطورات على هدى ورشاد؟
وهل هذه طريقة صياغة أسئلة... وتوجيه مناقشة... ليس من ورائها قصد إلا تنوير الرأى العام؟!
أم ماذا؟
الخميس:
"الأكاذيب التى أقاموها ضدى ومن حولى، ثم تصل إلى شعب كندا تعلمه بسلامة موقفى!"
وسكت هربرت نورمان، ولم أتصور ساعتها، أنه سيعثر على هذه الوسيلة التى تقتحم طريقها إلى كل فرد من أفراد الشعب الكندى تقول له: أن هربرت نورمان لم يكن خائناً...
لم أتصور أنه سيعثر على هذه الوسيلة وسيدفع عمره كله ثمناً لها.
ثم انتقل بنا الحديث إلى موضوعات أخرى.
قلت له رأيى فى رسالة عن "روح اليابان" كان قد كتبها خلال إقامته الطويلة فى بلاد الشمس المشرقة وكان قد أعطاها لى لكى أقرأها حين علم أن اليابان تثير اهتمامى أنا الآخر منذ قضيت فيها فترة من الوقت، أتركها لأذهب إلى كوريا... وأترك كوريا لأعود إلى اليابان.
ثم حدثنى عن دراسات بدأ يقوم بها فى مصر.
كان العصر الفاطمى فى مصر يلهب خياله... وقال لى أنه يعد رسالة عن أيام الفاطميين.
ثم وصل الحديث إلى القوات الكندية المشتركة فى قوة الطوارئ الدولية وقال لى:
- إن الحكومة المصرية لم تتعنت فى موضوع القوات الكندية... وأنا أشعر أن تسامحها كان مجاملة طيبة لى.
وقلت له:
- ذلك صحيح... إن معلوماتى أن تسامح مصر كان مجاملة... ومجاملة لك... ولك شخصياً.
وابتسم نورمان... وأشعر الآن وأنا أكتب هذه السطور، أن ابتسامته ساعتها، كانت ابتسامة حزينة.
ثم كانت آخر عبارة سمعتها من هربرت نورمان سفير كندا الذى لم ينتحر فى رأيى، وإنما قتلوه... آخر عبارة سمعتها منه، وآخر عبارة سوف أسمعها منه، فلقد ذهب إلى الأبد عقله الكبير ومنطقه السلس... قال لى وهو يهز رأسه:
- اسمع... أنا أرى أنكم هنا فى مصر تلقون بالاً إلى ما يكتب عنكم فى صحف الغرب... يجب أن تدركوا أن أعداءكم يزرعون هذا الكلام وبالتالى لا ينبغى أن تتركوه يؤثر فيكم...
لو أنكم ألقيتم بالاً إلى كل ما يكتب عنكم وأصدرتم على أساسه أحكامكم... لوجدتم أنفسكم فى بحر ليس له قرار!
رباه!
بصعوبة أحبس الدموع!
أكان يتحدث عنا.. أم كان يتحدث عن نفسه!
لقد راح ضحية للخطر الذى كان يحذرنا منه.
لقد غرق فى البحر الذى ليس له قرار.
ولكنه لم ينتحر... وإنما قتلوه!
6/4/1957
No comments:
Post a Comment