Friday, 10 July 2009

هل قالها أيزنهاور.. أو هو لم يقلها؟

السياسة الأمريكية فى الشرق الأوسط قفزات فى الظلام
ماذا جرى وراء الكواليس فى الأمم المتحدة؟!
رسالة من الملك سعود للوفود العربية ثم ماذا حدث بعدها؟

سألنى صحفى أمريكى فى القاهرة:
- لقد كتبت فى العدد الماضى من آخر ساعة تقول: إن عندك نصيحة للرئيس الأمريكى دوايت أيزنهاور.. نصيحة تساوى مليون دولار.
كذلك قلت!
وكانت نصيحتك له أن يوجه إلى إسرائيل إنذاراً يطالبها فيه بالانسحاب فوراً من خليج العقبة وقطاع غزة... و"إلا".
وكانت نقطه الارتكاز فى مقالك هى: كلمه "وإلا"، وكنت تقصد هذه الكلمة عندما أخذت لهذا المقال عنوان "لو أنه قالها"...
وسكت الصحفى الأمريكى، لحظة حاول فيها أن يجعل عينيه تلتقيان بعينى ثم استطرد:
- والآن لقد قالها أيزنهاور!
قالها بلسان المندوب الأمريكى الدائم لدى الأمم المتحدة: هنرى كابوت لودج!
لقد طلب لودج من إسرائيل أن تنسحب "وإلا" فإن أحداً لا يستطيع أن يتكهن بالعواقب التى يمكن أن تترتب على عنادها!
لقد قالها بالنص: "وإلا".
فما هو رأيك أنت!؟
أحضان الأوهام
قلت للصحفى الأمريكى:
- أبداً لم يقلها!
هذا رأيى.. ما أبعد جرس "وإلا" التى طلبت منه أن يقولها، عن "وإلا" التى قالها فعلاً.
أظنك تسلم معى أنه ليست لى مصلحة فى إنكار أنه قالها.. لو أنه كان فعلاً قالها!
كنت على الأقل أستطيع أن أدعى لنفسى فخراً أنازع به غيرى من الناس!
ولكنى لا أستطيع أن ألقى بنفسى فى أحضان الأوهام!
إننى - وأنا أعنى الذى أقوله صادقاً - لا أرى أن أيزنهاور - أو مندوب أيزنهاور - اقترب من كلمه "وإلا" التى طلبتها، فضلاً عن أن يكون قالها فعلاً!
صحيح إن هنرى كابوت لودج طالب إسرائيل بالانسحاب "وإلا"...
صحيح ولكن صحيح أيضاً، أن هنرى كابوت لودج فى نفس الخطاب نادى ببقاء قوات الطوارئ الدولية فى مضيق تيران، أى فى قطعة من أرض مصر!
ما معنى هذا؟
معناه - من غير لعب بالألفاظ - أن لودج حقق لإسرائيل ما كانت تريده إسرائيل.
كان ما تريده إسرائيل أن تحصل على ضمانات فرضتها، قبل أن تستجيب لقرار الانسحاب.
فما هى قيمة أن يقال لإسرائيل إذن:
لابد من إطاعة قرار الانسحاب "وإلا".
ما قيمة أن يلوح لها بنار العواقب إذا كانت شروطها لإتمام الانسحاب تلقى الرضاء وتلقى التأييد؟!
أو بتعبير آخر كانت إسرائيل تقول:
"ننسحب ولكن بشروط".
وجاء المندوب الأمريكى العام فقال فى نفس:
"لابد أن تنسحبوا وإلا".
وفى النفس الثانى استدرك على الفور:
"وشروطكم للانسحاب على العين والرأس".
أين الحزم وأين العزم؟
وأين الإنذار وأين العواقب التى لا يمكن التكهن بها؟
أين؟!
الصباح والمساء!
إن السياسة الأمريكية تجاه الشرق الأوسط أصبحت ألغازاً أعترف بعجزى حتى هذه الدقيقة عن فهمها.
بل أعترف بعجزى عما هو أكثر من ذلك.
أعترف بعجزى عن القدرة على مجرد متابعة تطوراتها، لغزاً يجر ذيل لغز آخر!
تخطو السياسة الأمريكية هنا خطوة على طريق.
وفجأة تحدث قفزة فى الظلام، وإذا السياسة الأمريكية، هناك.. بعيداً على طريق آخر، لا يربطه بالطريق الذى بدأت الخطو عليه، درب ولا مسلك!
وتقول السياسة الأمريكية شيئاً فى الصباح.
وإذا هى عند الظهر تتكلم لغة أخرى.
فإذا جاء المساء بدأت السياسة الأمريكية ترطن بلغة ثالثة!
وتظهر أمريكا نواياها.
ثم تجئ أعمالها وتنقض هذه النوايا وتتحرك خطة أمريكية فى ناحية.
وإذا من الناحية المضادة لها... خطة أخرى... أمريكية أيضاً.
ثم إذا الخطط الأمريكية من الناحيتين تتصادم علناً... وأحياناً مع المصادمات.. فرقعات وانفجارات!
شيء عجيب... حقيقة عجيب!
الأصداء تحتبس!
إن الأسابيع الأخيرة وحدها تقدم أكثر من نموذج حى لهذه الألفاظ الغامضة!
وقع العدوان على مصر... وكان المعتدون الثلاثة أصدقاء لأمريكا.
وأعلنت أمريكا للعالم أنها خيرت بين المبادئ وبين الأصدقاء، فاختارت المبادئ.
وكانت فرحة الدنيا لا تعدلها فرحة، حينما وقفت أمريكا تتعاون مع دول أفريقيا وآسيا، تعاوناً صريحاً واضحاً فى الأمم المتحدة.
وبينما التصفيق يدوى فى أسماع الدنيا.. علا صوت أيزنهاور.
علا صوته يتخطى الأمم المتحدة فى مشروع لصيانة الأمن فى الشرق الأوسط!
علا صوته يتكلم بمنطق القنابل الذرية والصواريخ الموجهة.
علا صوته يدفع العالم مرة ثانية من غير مقتض، إلى ثلاجة الحرب الباردة.. وإلى عواصفها وجليدها وزمهريرها!
واختنق دوى التصفيق.. واحتبست أصداؤه!
بداية ونهاية!
ثم جاءت المناقشة الأخيرة فى الجمعية العامة للأمم المتحدة.
وتكررت المأساة التى كادت تصبح الآن تقليداً راسخاً من تقاليد السياسة الأمريكية.
بداية فى طريق..
ونهاية فى طريق آخر.
كانت البداية اشتراك أمريكا مع مجموعة من الدول الآسيوية فى مقدمتها الهند وإندونيسيا، بمشروع قرارين.
قرار يطالب إسرائيل بالانسحاب فوراً.
وقرار يدعو همرشولد، السكرتير العام للأمم المتحدة، أن يتخذ من التدابير ما يكفل إقرار الأمن فى نطاق تأكيد اتفاقية الهدنة المعقودة سنة 1949.
ومرة أخرى جاءت ساعات كانت فرحة الدنيا لا تعدلها فرحة.
لقد عادت أمريكا - مرة أخرى - تتعاون مع دول أفريقيا وآسيا، تعاوناً صريحاً وواضحاً فى الأمم المتحدة...
وتوقفت لحظة، ثم قلت للصحفى الأمريكى الذى كان جالساً أمامى... قلت له: وأنا أمد يدى إلى خطاب كنت قد تلقيته قبل زيارته لى بدقائق... وكان قد أرسله إلى، ديبلوماسى صديق عضو فى أحد الوفود الآسيوية لدى الأمم المتحدة!
قلت للصحفى الأمريكى:
- هنا وصف شاهد عيان للذى جرى وراء الكواليس فى نهاية هذا الأسبوع فى الأمم المتحدة...
اسمع ماذا يقوله بالحرف الواحد:
"لقد كانت سعادتنا واضحة بأن الولايات المتحدة الأمريكية عادت تتعاون مع الشعوب الجديدة الصاعدة نحو المستقبل.
وكان أعضاء الوفد الأمريكى أنفسهم، لا يخفون سعادتهم بالتعاون معنا...
وبدا أن كل شئ سيجىء كما ينبغى أن يجئ، إذا كان هناك شئ اسمه عدل دولى.
انسحاب إسرائيلى.
ثم تطبيق صحيح لاتفاقية الهدنة.
وإذن سيكون من حقنا أن نتطلع إلى فترة هادئة... تسكن فيها أمور الشرق الأوسط، بل ويعود إليه استقراره الضائع، خصوصاً إذا تيسر الوصول إلى حل - ولو كان مؤقتاً - للمشاكل التى تترتب على فتح قناة السويس للملاحة.
وكانت ملابسات الأحوال كلها تدفع رياح التفاؤل إلى قلوبنا، فقد جاءت أخبار من واشنطن تقول أن جلالة الملك سعود - ضيف أمريكا الآن - طلب إلى الوفود العربية أن تعطى أصواتها فى جانب المشروع الآسيوى الأمريكى... بقراريه.
وكان بعض هذه الوفود يرى، بادئ ذى بدئ، أن يمتنع عن التصويت، من باب الحذر والاحتراس، ولكن رسالة الملك من واشنطن كانت تفتح من أبواب الرجاء والأمل، ما يغنى عن أبواب الحذر والاحتراس!
واتفقت كلمة جميع الوفود العربية على أن تعطى المشروع أصواتها.
وبدأت المناقشات فى الجمعية العامة للأمم المتحدة.
وجاء الدور على المندوب الأمريكى.
ولا أستطيع أن أصف لك شعورنا ونحن نسمعه يقول لإسرائيل أنها ما لم تنسحب فوراً، فإن أحداً لا يستطيع أن يتكهن بالعواقب التى يمكن أن تترتب على عنادها!
كنا نسمعه فى طرب وفى نشوة!
وفجأة..
فجأة خرج صوته نشازاً على اللحن الأصيل.
فجأة إذا المندوب الأمريكى يتحدث عن ضرورة إبقاء بعض قوات الطوارئ الدولية فى مضيق تيران!
رباه!
ماذا جرى له؟
بل اسألنى ماذا جرى لنا؟
ذلك كلام يخرج عن حدود المشروع الأصلى، الذى ينص القرار الأول منه على الانسحاب بينما ينص قراره الثانى على بعث الحياة فى اتفاقية الهدنة!
فمن أين جاء كابوت لودج بهذا الكلام الذى يقوله الآن؟!
ومن الذى وضع على لسانه هذا التفسير؟!
واتفاقه السابق معنا.. والمعلومات التى بنى الملك سعود عليها طلبه إلى الوفود العربية بأن تعطى المشروع أصواتها؟
هذا كله... ماذا جرى له؟
لو أنك كنت معنا وقتها!
لو أنك رأيتنا!
كنا جميعاً فى دهشة... فى ذهول.. كأن صاعقة انقضت فوق رؤوسنا على حين غفلة!
لقد كان رأينا جميعاً أن كلام المندوب الأمريكى لا يقدم ولا يؤخر فى الموضوع.. فإن الذى قاله تفسير أمريكى.. مجرد تفسير لم يرد فى نصوص مشروع القرار الذى جرى عليه التصويت.. ومن ثم فإن أهميته ثانوية.
ولكن!
ولكن لماذا؟
ماذا أجبره على تفسير - مجرد تفسير - أضاع به النتيجة فى كل ما قدم من جهد؟
لقد رأيت عضواً فى الوفد الهندى يضرب كفاً بكف!
ورأيت الوفود العربية تتشاور فيما بينها على عجل، وإذا هى تخرج بسرعة من أبواب الرجاء والأمل، وتهرع عائدة إلى أبواب الحذر والاحتراس.. وتقرر الامتناع عن التصويت.
ثم إذا وزير خارجية مصر يضطر إلى طلب الكلمة ليعلن وجهة نظر مصر فى أن مهمة قوات الطوارئ الدولية لا ينبغى أن تخرج من الحدود المرسومة لها.. ثم... ثم يهاجم تفسير المندوب الأمريكى لمشروع قرار كان هذا المندوب نفسه واحداً من الذين قدموه للجمعية العامة للأمم المتحدة".
وتوقفت عن القراءة.
وكان الصحفى الأمريكى يتطلع إلى...
وشئ ما فى ملامحه ذكرنى بوصف الديبلوماسى الآسيوى الصديق فى خطابه، لحالة الوفود العربية الآسيوية وهى تسمع تفسير المندوب الأمريكى.
هو الآخر كان فى دهشة.. فى ذهول.. كأن صاعقة انقضت فوق رأسه على حين غفلة.
وتمتم بحيرة:
- عجيبة... لماذا يتصرفون هكذا؟
قلت له متسائلاً فى يأس:
- تسألنى أنا؟!

6/2/1957



No comments:

Post a Comment