قبل أن أكتب هذا المقال، تناقشت فى موضوعه مناقشة عنيفة مع الدكتور شارل مالك وزير خارجية لبنان، الذى قضى فى القاهرة يومين فى مطلع هذا الأسبوع.
وكان ينبغى على ضوء المناقشة بين وزير خارجية لبنان وبينى ألا أحاول كتابة سطر فى هذا المقال، ولكن يظهر أن الساعة التى أعطاها لى الدكتور شارل مالك من وقته فى القاهرة ضاعت.. ضاعت عليه.. فإن الموضوع الذى أكتب فيه، هو بالذات الموضوع الذى رأى أنه ليس من حقنا - لا أنا ولا أحد غيرى فى الشرق العربى - أن نكتب فيه، أو مناقشته، أو نبدى وجهة نظرنا وملاحظاتنا عليه!
والموضوع هو: بيان أيزنهاور عن الشرق الأوسط!
إن المناقشة بين الدكتور شارل مالك وبينى بدأت على النحو التالى:
سألته:
- ما هو رأيك فى بيان أيزنهاور؟
قال:
- هذا السؤال خطأ من الناحية الفنية!
قلت:
- يسعدنى أن أسمع منك تصحيحاً.
قال:
- إن واشنطن عاصمة بلد مستقل، كما أن القاهرة عاصمة بلد مستقل، وكذلك بيروت وروما ومدريد، وغيرها وغيرها من عواصم الدنيا، من حق واشنطن أن ترسم لنفسها سياستها التى تحلو لها، تماماً كما هو من حق القاهرة وبيروت وروما ومدريد وغيرها أن ترسم سياستها التى تحلو لها.
لماذا تريدون أن يكون لكم الاستقلال.. ولا يكون الاستقلال لغيركم؟
أليس من حق واشنطن أن تعلن للدنيا رأيها فيما قد ترى أن تعلن فيه رأيها من مسائل؟
وسكت الدكتور شارل مالك لحظة وضع فيها ساقاً على ساق ثم استطرد:
- وإذن ما قيمة أن أقول لك رأيى، أو تقول لى رأيك، أو نندفع جميعاً إلى قول آرائنا فى بيان أيزنهاور.
ثم قال الدكتور شارل مالك بلهجته اللبنانية الأصيلة:
- سيدى.. هادا شئ ما هو وارد!
وقلت للدكتور شارل مالك:
- ولكن بيان أيزنهاور يمسنا.. يمسك أنت ويمسنى أنا، ويمس منطقتنا كلها.
قال الدكتور شارل مالك:
- ولو.. إن بيان أيزنهاور أمر واقع، والسؤال بإبداء الرأى فيه تعلق بالفروض، وإنما يجب أن يصبح السؤال هو:
"ماذا يجب أن يكون موقفنا تجاه هذا الأمر الواقع الذى هو بيان أيزنهاور؟"
قلت للدكتور شارل مالك:
- حيرتنى.. لقد درت بى حول الأرض كلها ثم عدت بى إلى حيث كنت.. أو قريباً من حيث كنت!
قال:
- أبداً، بين رأيى فى بيان أيزنهاور، وبين رأيى فى الطريقة التى ينبغى أن نواجهه بها فرق كبير.. لقد اشتغلت سنوات طويلة بتدريس الفلسفة وأنا أحب أن أرد المسائل إلى أصولها.
قلت:
- الذى كان فى تصورى أن "الرأى" فى بيان أيزنهاور مقدمة منطقية "للموقف" تجاه بيان أيزنهاور.
قال الدكتور شارل مالك بإصرار:
- أبداً.. "الرأى" فى البيان شئ "والموقف" تجاه البيان شئ آخر، "الرأى" ليس فى نطاق ما نملك لأنه ليس معروضاً علينا، "والموقف" فى نطاق ما نملك لأننا سوف نتخذه ونقرره.
هل ترى الفارق الدقيق بين الشيئين!
قلت:
- بصراحة.. لا أرى شيئاً!
قال:
هى مسألة فلسفة!
قلت:
- صحيح هى مسألة فلسفة!
ثم بدأت مناقشة.. لم تنته إلا بعد ساعة.. والتعبير بأنها انتهت فيه تجاوز، والواقع أنها لم تنته لأنى خرجت منها لأكتب فى الموضوع، الذى رأى الدكتور شارل مالك أنه ليس ذا موضوع. أكتب رأيى فى بيان أيزنهاور!
الصورة الساخرة.. والحقيقة الواقعة!
إن الرئيس أيزنهاور، فى بيانه عن الشرق الأوسط، أشبه ما يكون بجندى نشيط، أمسك بندقيته بحزم، ووقف على باب بيت ليمنع اللصوص أن يتسللوا إليه، ولكن ناراً شبت فى البيت، وانتقلت من غرفة إلى غرفة، وبدأت ألسنة اللهب المشتعل تطل من النوافذ تعوى وتصرخ، ولكن الجندى النشيط ببندقيته المتحفزة، ما زال واقفاً فى مكانه على الباب.. متأهباً للصوص!
صورة ساخرة.
ولكنها حقيقة إلى آخر تفصيل فيها.
الرئيس أيزنهاور يريد أن يأتى بقوات عسكرية لتحمى مداخل الشرق الأوسط من أى هجوم روسى مسلح، والنار تندلع فى الشرق الأوسط نفسه فى كل مكان فيه، ولكن الرئيس أيزنهاور مصمم على أن يحرس الأبواب حتى لا تدخل منها قوات حمراء.
إن الجندى النشيط - فى الصورة الساخرة - سوف يجد نفسه بعد قليل يحمى كومة من الأطلال والرماد، وكذلك سيجد رئيس جمهورية الولايات المتحدة.. سيجد أن الشرق الأوسط أصبح هو الآخر كومة من الأطلال والرماد!
هنا فى قلبه؟!
إن أعجب شئ فى مشاكل الشرق الأوسط اليوم؛ أن المنطق البسيط العادى، نسى فيها وضاع، أرضى تملؤها المشاكل من داخلها.. بلاد يسيل على ترابها الدم وتتجاوب آفاقها بأصداء طلقات الرصاص.. جيوش متحفزة لجيوش.. أفكار متربصة لأفكار.. مطامع.. دسائس.. مؤامرات.. مؤامرات بلغ من مداها أن شعباً بأكمله خُلع من دياره وطُرد منها، وجئ بشعب غريب ليأخذ الديار ويتحكم فيها ويحاول أن يتحكم منها.
معارك لا تنقطع، بين الجوع والجشع، بين العلم والخرافات، بين الأحرار والاستعمار.. معارك لا تنقطع، وانتصارات وهزائم، وقتلى وصرعى، كل هذا فى قلب الشرق الأوسط.. فى صميم قلبه، ثم يجئ الرئيس أيزنهاور ويشير إلى الحدود البعيدة للشرق الأوسط ويقول: أن هناك من تحدثه نفسه بالدخول
أليست تلك قصة الجندى النشيط ببندقيته على باب البيت المحترق.. يريد أن يحميه من اللصوص؟!
أليس المنطق أن يحاول الجندى النشيط أن يتعاون مع سكان البيت على إطفاء الحريق، ثم بعدها يفكر فى حراسته، أم المنطق أن يفعل مثل ما يفعل الرئيس أيزنهاور.. يريد أن يحمى حدود الشرق الأوسط من الشيوعية الدولية، هذا بينما الأخطار الحقيقية تكمن داخل الشرق الأوسط نفسه.
مصادر الخطر!
إن الذى كان يجب أن يعرفه الرئيس أيزنهاور هو أن هناك فى قلب الشرق الأوسط.. فى هذه الدقيقة مصدرين للخطر:
المصدر الأول: صراع الحياة والموت بين العرب وإسرائيل.
والمصدر الثانى: صراع الحياة والموت بين الاستقلال والاستعمار.
مصدران اثنان للخطر فى الشرق الأوسط، اثنان فقط ليس لهما ثالث.. وحتى إذا وجد الثالث أو الرابع فى أوهام بعض المتخيلين، فمن هذين المصدرين ومن أبوابهما الفسيحة يدخل إلى الشرق الأوسط!
وأنا أريد أن أناقش أيزنهاور بمنطق أيزنهاور، إنه يتوهم أن الشيوعية الدولية خطر على الشرق الأوسط، ليكن.. سنقبل الأمر على علاته لمجرد المناقشة، ولمحاولة الوصول إلى نتائج.
إن أيزنهاور فى بيانه يعدد الاتجاهات التى تسلكها الشيوعية الدولية فى الشرق الأوسط لكى تثبت فيه أقدامها، ويصف أيزنهاور هذه الاتجاهات بأنها:
أولاً - مساعدات عسكرية.
وثانياً - مساعدات اقتصادية.
ولنتكلم أولاً فى "أولاً".. فى المساعدات العسكرية!
هل جاءت الشيوعية الدولية - كما يسميها أيزنهاور - من الباب للطاق كما يقولون وأرغمت مصر مثلاً وهى أول من حصل على المساعدات العسكرية فى الشرق الأوسط على قبول هذه المساعدات؟!
أبداً.. ذلك لم يحدث، وإنما مصر - بكامل رشدها ووعيها وحرصها على مصالحها - هى التى طلبت السلاح.
ولماذا طلبت مصر السلاح من الشيوعية الدولية كما يسميها أيزنهاور؟
لأن بريطانيا - الاستعمار - حاولت أن تفرض على المنطقة احتكار سلاح، ما لبثت أن سايرتها فيه حليفتها.. حليفتها التى يتكلم اليوم رئيسها عن أخطار الشيوعية الدولية.
لقد طلبت مصر السلاح من بريطانيا ودفعت ثمنه مقدماً.. ولم تحصل عليه، وطلبته من الولايات المتحدة وألحت فى طلبه ثلاث سنوات ولم تحصل عليه ولم يكن أمامها إلا أن تطلبه من حيث كانت تستطيع أن تحصل عليه، ولكن لماذا طلبت مصر السلاح؟
لم تطلبه ليكون زينة فى المهرجانات، ولم تلح فى طلبه لمجرد المفاخرة والمباهاة، وإنما طلبته لأن عدواً مستحكماً فى قلب الوطن العربى على حدودها وحدود غيرها من أخوة الوطن الكبير، يعمل من الأرض التى اغتصبها معسكراً مسلحاً متحركاً يضرب ويروع.. ويضرب ويروع، ولا يريد للسلام أن يستقر لأن استقرار السلام آخر ما يحقق مراميه البعيدة، وكان هذا العدو يحصل على السلاح كلما أراد حصل عليه من بريطانيا، وحصل عليه من فرنسا، وحصل عليه من الولايات المتحدة، ولم يكن أمام مصر إلا أن تحصل هى الأخرى على السلاح.
تلك هى قصة السلاح الذى قدمته "الشيوعية الدولية" كما يسميها أيزنهاور إلى الشرق الأوسط، سببها نفس مصدرى الخطر.
الاستعمار.. واحتكاره للسلاح.
إسرائيل.. وتهديدها المستمر بالسلاح!
وإلا فماذا كان ينتظر أيزنهاور..! أن تجثو دول الشرق الأوسط على ركبتيها استسلاماً وتطلب الرحمة وتذرف الدموع؟
أم ماذا!
ثم نتكلم ثانياً عن "ثانياً":
عن المساعدات الاقتصادية.
الأمر فى هذه المرة بسيط.
ما هى المساعدات الاقتصادية التى قدمتها الشيوعية الدولية كما يسميها أيزنهاور لمصر؟
المساعدة الأولى أنها تساهم فى شراء جزء كبير من القطن المصرى.
إن القطن هو المحصول الرئيسى لمصر.
وكانت بريطانيا تشترى معظمه.. ولكن بريطانيا الآن لا تشترى.
ومحاولات الخنق الاقتصادى حاولت أكثر من مرة أن تطول عنقها، ولكن مصر كانت تنجو من مخالب المؤامرة كل مرة.
وإذن ماذا تفعل مصر بمحصولها الرئيسى.
تبقى على أرضها ملايين البالات مكدسة بعضها فوق بعض عاماً بعد عام أم تبيعها للذى يريد أن يشتريها.
ولقد جاءت الشيوعية الدولية - كما يسميها أيزنهاور - لتشتريها فهل كان يجب على مصر إخلاصاً لسواد عيون دالاس أن ترفض بيعها.
ثم نتكلم بصراحة:
إن سعر القطن فى مصر الآن أكثر ارتفاعاً مما كان فى العام الماضى.
مع أن أبواب البحر ظلت شهرين مسدودة فى وجه السفن التى تحمله إلى الذين يريدونه.
ومع أن مصر واجهت ظروف حرب.
فلماذا يبقى سعر القطن متماسكاً.. بل لماذا يتجه إلى الصعود؟
الأمر واضح، أن هناك طلباً مستمراً!
من الذى تآمر على مصر لكيلا يشترى قطنها؟
الاستعمار.
من الذى هاجم مصر ليسبب فيها ظروفاً اقتصادية مرهقة تنخفض معها أسعار القطن؟
الاستعمار... وإسرائيل.
وبالتالى من الذى أتاح للشيوعية الدولية - كما يسميها أيزنهاور - فرصة محاولة كسب ود شعوب الشرق الأوسط عن طريق التعاون الاقتصادى معها، نفس مصدرى الخطر الاستعمار وإسرائيل!
إنهما لم يتيحا الفرصة فقط للشيوعية الدولية كى تفعل هذا..
بل أتاحا لها ما هو أكثر من ذلك.. أتاحا لها شعور المنطقة بالوفاء تجاهها، وإلا كانت شعوب المنطقة كلها قططاً ناكرة للجميل.
ذلك هو الواقع، ولكن بمقاييس منطق أيزنهاور، فمن الذى يفتح الأبواب، ومن الذى يدعو الشيوعية الدولية إلى الدخول.
دفاع عن الشيوعية؟!
ولكن الشيوعية الدولية مظلومة.
إن أيزنهاور يحاول أن يجعل منها كبش فداء للجرائم والحماقات التى يرتكبها الآخرون، وأن أقصى ما يمكن أن يحتمله منطق الأشياء، هو أن الشيوعية الدولية - كما يسميها أيزنهاور - تحاول أن تستفيد من جرائم وحماقات الآخرين.
ولماذا لا تفعل ذلك؟
وأنها لتكون بلهاء ساذجة إذا لم تفعله.
ولكن هل تلام الشيوعية الدولية لأنها تستفيد من جرائم وحماقات الآخرين؟
أم يلام هؤلاء "الآخرون" لأنهم يرتكبون هذه الجرائم والحماقات!
وما هو العقل فيما كان يجب أن يفعله أيزنهاور؟
أكان العقل أن يكرس إمكانياته لكيلا تقع جرائم وحماقات؟
أم أن يحشد جيوشه ليمنع أحداً من استغلال هذه الجرائم والحماقات؟
ما هو حكم العقل.. إذا كان ينبغى أن يحكم العقل؟
استعراض سريع!
إن استعراضاً سريعاً لمعالم الأحداث فى الشرق الأوسط يكشف العجب.
كيف تسلسلت الحوادث.. وكيف تداعى بعضها وراء بعض؟!
لقد بدأت الحوادث تتحرك بسرعة منذ شهر يناير سنة 1955، فما الذى شهدناه طوال ذلك العام.. 1955 والعام الذى تلاه 1956.
إن هناك عشر نقط بارزة يمكن أن تكون علامات مميزة على طريق القلاقل.
فقد بدأ طريق القلاقل بحلف بغداد.
فمن هم أصحاب حلف بغداد وما هو حلف بغداد ولماذا حاربه كل وطنى فى الشرق العربى؟
لقد كان لمصر - مثلاً - فى حلف بغداد عدة أراء:
أولها - أنه صورة جديدة من صور السيطرة الدولية.
ثانيها - أنه لا يحقق أى دفاع عن الشرق الأوسط لأن الدفاع الأصيل عن الشرق الأوسط يجب أن ينبع من داخله.
ثالثها - أن الدفاع عن الشرق الأوسط يجب أن يكون فى الاتجاهات الاقتصادية والاجتماعية قبل الأحلاف العسكرية.
رابعها - أنه عجيب أن تكون بريطانيا هى رائد الدفاع عن الشرق الأوسط بينما هى التى تستعمر عدداً كبيراً من بلاده وتحتلها بالكره والغصب.
وحتى هذه المرحلة كان يمكن لمصر أن تكتفى بأن ترفض الانضمام إلى حلف بغداد وتعتبر أمره بالنسبة لها منتهياً.. وليس له بعد الآن وجود، وقد كان ذلك فعلاً هو اتجاه مصر، حتى بعد أن انضمت إليه العراق.
إن مصر ليست مبعوثة العناية الإلهية لإنقاذ الشرق من مصائب الأحلاف وهى ليست مستعدة أن تفرض أراءها على غيرها.. وإذا كان نورى السعيد يرى أن حلف بغداد يحقق لبلاده مصلحة فليكن له ما يريد، وليس لنا عليه إلا مجرد النصيحة.. مجرد نصيحة من شعب صديق.. لشعب صديق، ولكن الذى فتح الطريق إلى المعركة الكبيرة ضد حلف بغداد هو الدعوة القائمة والمستمرة إلى باقى الدول العربية بالانضمام إليه، هنا خرجت مصر تقاوم وتقاتل.
فلو كانت الخطة الأساسية لحلف بغداد نجحت، وانضمت إليه بعد العراق، سوريا ولبنان والأردن، إذن لكانت مصر قد عُزلت تماماً عن البلاد العربية... ولكانت مصر بقيت وحدها لتواجه الخطر الصهيونى الكامن فى قلب البلاد العربية، بينما انطلقت باقى البلاد العربية تتطلع إلى الشمال، إلى خطر الشيوعية الدولية - كما يسميها أيزنهاور، إلى خطر محتمل من الشمال، تاركةً خطراً محققاً فى القلب.
تلك أول نقط التحول... حلف بغداد، ومن الذى صنع حلف بغداد؟
الجواب: الاستعمار.
ثم باقى نقط التحول العشر!
النقطة الثانية بعد حلف بغداد هى حادثة غزة المشهورة فى 28 فبراير يوم اقتحمت قوات من إسرائيل قطاع غزة وقتلت ودمرت ووصفت الأمم المتحدة هذا العدوان بما نصه أنه: مدبر ووحشى!
ومن الذى ارتكب حادثة غزة فى 28 فبراير سنة 1952؟
الجواب: إسرائيل.
النقطة الثالثة هى احتكار السلاح، ولقد ذهبت مصر بعد حادثة 28 فبراير تتوسل... بل وتكاد تستجدى السلاح، من بريطانيا ومن أمريكا، بريطانيا قالت للبعثة المصرية التى ذهبت إلى لندن تشترى ما تجده من السلاح:
انتظروا حتى يوقف رئيس وزرائكم هجومه على حلف بغداد، وأمريكا اكتفت بالصمت عن الكلام... وعن الأعذار، وفرنسا اتجهت بكل جهدها إلى إرسال السلاح لإسرائيل.
فمن الذى احتكر السلاح وحاول باحتكاره أن يفرض سيطرته، وسيطرة إسرائيل على المنطقة؟
الجواب: الاستعمار وإسرائيل.
النقطة الرابعة هى الحرب الاقتصادية... الحرب التى بدأت بمحاولات خنق مصر عن طريق هدم شراء القطن، والتى انتهت بتجميد أرصدتها فى بريطانيا وحتى فى أمريكا، وأمريكا اليوم مثلاً تعيب على مصر أنها تتاجر مع الشيوعية الدولية - كما يسميها أيزنهاور.
وكيف تتاجر مصر مع أمريكا حتى إذا أرادت..
إذا كانت أمريكا تجمد أرصدة مصر من الدولارات..
وهى أموال مصرية حصلت عليها مصر من معاملاتها مع دول غير أمريكا.. ثم رأت ثقةً منها واطمئناناً لأمريكا أن تحفظها هناك فإذ أمريكا تجمدها.
فمن الذى يحاول أن يخنق؟
الجواب: الاستعمار.
النقطة الخامسة هى الحرب النفسية... حرب نفسية بدأت فى منتصف سنة 1955.. بدأتها بريطانيا وفرنسا وإسرائيل... وما زالت مستمرة حتى الآن.
وأمريكا مثلاً تشكو أحياناً من إذاعة صوت العرب المصرية، ولست أفهم لماذا لا تشكو أمريكا - ولو لوجه إنقاذ المظاهر - من المحطات التى تعمل ضد مصر لحساب الاستعمار.
هل تعرف أمريكا عدد هذه المحطات؟
عددها ثمانى محطات.
محطة رسمية من لندن، وصوت بريطانيا من قبرص، وصوت فرنسا من باريس، وصوت إسرائيل من تل أبيب، ومحطة إذاعة بغداد، وثلاث محطات إذاعة سرية، واحدة تسمى نفسها مصر الحرة وإذاعاتها موجهة من عدن، وثانية تسمى نفسها صوت الحق... وإذاعتها موجهة من قبرص، وثالثة ليس لها اسم، ولكن إذاعاتها موجهة من جنوب فرنسا، فمن الذى يشن هذه الحرب النفسية داخل المنطقة؟
الجواب: الاستعمار.
النقطة السادسة هى: تدفق السلاح أكثر وأكثر على إسرائيل، ثم رغبة إسرائيل المستمرة الدائمة فى إشاعة الفوضى على خطوط الهدنة.
تريد إسرائيل خلق توتر خطير على الحدود، تصوراً منها أن ذلك يلفت الأنظار إلى ضرورة فرض صلح معها على جيرانها العرب، وتصوراً منها أن ذلك ينفع فى تقوية خرافة إسرائيل الصغيرة المسكينة المحاطة بالأعداء من كل ناحية... وبالتالى ينفع هذا فى التشجيع على جمع التبرعات... للوحيدة المهددة بالخطر.
فمن الذى أعطى إسرائيل سلاحاً فوق سلاح حتى أصبحت الدولة المنكوبة بأسرها معسكراً مسلحاً! ومن الذى أشاع القلق؟!
الجواب: السلاح من الاستعمار والقلق من إسرائيل.
النقطة السابعة هى صفقة الأسلحة الروسية مع مصر.
وهى صفقة لم يكن منها مناص أو مفر، ولكن بريطانيا أقامت الدنيا لأن معنى هذه الصفقة أن احتكار السلاح قد انتهى فى الشرق الأوسط، وكذلك فعلت إسرائيل فقد كان معنى هذه الصفقة أن الجو لن يبقى خالياً لها تعتدى وتظن أنها بمنجاة من العقاب.
ولكن صفقة السلاح كانت فرصة لشن حملة كراهية واسعة النطاق ضد مصر، وهل كانت مصر تملك ألا تشترى السلاح؟
لا!
ومن الذى شن حملة الكراهية؟
الجواب: إسرائيل والاستعمار.
النقطة الثامنة هى انهيار نفوذ الاستعمار فى كل مكان بفعل وعى الشعوب ويقظتها، الجزائر فائرة وثائرة، الأردن تثور على تمبلر وتطرد الجنرال جلوب.
البحرين تضرب وزير خارجية بريطانيا بالحجارة.
ومن المسئول عن هذه اليقظة؟ ومن الذى يحاول أن يصد تيارها الجارف؟
الحرية تحركت.. والاستعمار يحاول أن يشل تقدمها، والحرية تنتصر.. والاستعمار ينهزم.
من الذى يتحمل مسئولية الصراع ونتائجه على الاستعمار.
الجواب: الاستعمار!
النقطة التاسعة هى حكاية تمويل السد العالى.. منذ قُدم العرض إلى أن سحب العرض، لقد ذهبت مصر إلى نيويورك تسعى وراء قرض من البنك الدولى، ولم يكن فى حسابها ولا فى تقديرها أن تحصل على معونة، ولكن أمريكا وبريطانيا - تطوعا - عرضتا المعونة وقبلتها مصر - كما تقبل شاكرة أى عون غير مشروط.
وكان هناك اعتقاد أن مصر ستسكت وتغمض عينيها عما يجرى حولها، ولكن مصر لم تفعل ذلك ولو كانت سكتت وأغمضت عينيها لكان كل ما تحرص عليه - بما فى ذلك السد العالى بنفسه - قد فقد وضاع.
وبدأت بريطانيا تغضب، وبدأ حلفاء بريطانيا فى اجتماعات حلف بغداد يقولون أنه لا بد من تأديب مصر وإرغامها على السكوت بسحب عرض تمويل السد العالى.
وكان سحب التمويل، والمرارة التى تركها فى النفوس.
ومن المسئول؟
الجواب: الاستعمار!
ثم تجئ النقطة العاشرة.. تأميم قناة السويس، تصحيحاً لجريمة تاريخية وسعياً وراء ربح مصرى مشروع... وإذ الدنيا تقوم... وتبدى مصر استعدادها للتفاهم، وينتهى مجلس الأمن بمشروع من ستة مبادئ تقبلها مصر ويتحدد موعد لمفاوضات مباشرة فى جنيف يوم 29 أكتوبر، ولكن 29 أكتوبر يشهد موعداً آخر... فى سيناء... مؤامرة عسكرية مسلحة لغزو مصر ومن الغزاة؟
الجواب: الاستعمار.. إسرائيل!
القلب والحدود؟!
أليس هذا هو طريق الحوادث... أو طريق القلاقل فى الشرق الأوسط؟
وأين هى مصادر الخطر فيه؟
أهى هنا فى قلب الشرق الأوسط... وفى داخله؟
أم هى هناك على المداخل الشمالية للأرض المشتعلة بالنار... ويريد جندى نشيط اسمه دوايت أيزنهاور، أن يخدع نفسه ويخدع الناس، ويمسك بندقية يحرس بها باب البيت من لصوص لم يجيئوا بعد، هذا بينما البيت نفسه طعام للنار ويوشك أن يتحول إلى رماد وحطام.
كذلك الشرق الأوسط، النار فى قلبه، وحلم أيزنهاور أن يضع جيشاً كبيراً هناك عند أقصى الشمال كى يحمى الحدود من لص أثيم يريد أن يتسلل تحت جنح الظلام.
صباح الخير أيتها الأوهام!!
16/1/1957
No comments:
Post a Comment