الأسابيع الثمانية القادمة أخطر فترة فى تاريخ الشرق الأوسط
6 تيارات من الحوادث تريد أن تعبر عنق الزجاجة
حرب الأعصاب الهائلة التى تواجهها المنطقة ومصر بالذات!
ليس هذا الحديث نظرة إلى المستقبل على حساب النجوم.. ولا هو محاولة للتطلع نحو الغد فوق تخت رمل مضروب!.. إنما هو مجرد تذكير بمجموعة الحوادث التى تقاربت، وتلاقت، وتشابكت، وتكاد تصل فى نفس الوقت تقريباً.. إلى نتائجها المحددة أو شبه المحددة على أقل تقدير!6 تيارات من الحوادث تريد أن تعبر عنق الزجاجة
حرب الأعصاب الهائلة التى تواجهها المنطقة ومصر بالذات!
إن الأسابيع الثمانية المقبلة ستكون من أخطر الفترات فى تاريخ الشرق الأوسط.
[1] فى مدى ساعات من هذه الدقيقة سوف يتضح على وجه اليقين، الموقف النهائى الذى قررت إسرائيل أن تتخذه عملياً فى انسحابها من خليج العقبة وجزر خليج العقبة، وقطاع غزة.
فإذا كان هناك تلكؤ... أو تباطؤ... أو محاولات من المعتدى للحصول على أى كسب من وراء اعتدائه... فإن الطريق الذى ستسلكه الحوادث لن يكون طريقها إذا لم يحدث هذا كله.
[2] وإذا تم انسحاب إسرائيل من الخليج والجزر والقطاع واحترمت قرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة، فمعنى ذلك أن الآمال المعلقة على فتح قناة السويس للملاحة فى الأيام الأولى من شهر مارس يمكن أن تلقى أمامها كل آفاق النجاح.
فإن قرارات الأمم المتحدة كل، واحد، غير قابل للتجزئة، وإذا كان هناك من يفكر فى العبث بهذه القرارات، فإن التفانى فى الإخلاص لها من أى جانب آخر يصبح تضحية من غير مقابل.. بل ويصبح تفريطاً من هذا الجانب فى ضمانات سلامته.
[3] وقبل أن تُفتح القناة للملاحة لابد من تفاهم.. أو بمعنى أصح لابد من فهم لبعض الأوضاع المتعلقة بالقناة.
بينها أن مصر كانت وما زالت على استعداد لقبول التعاون الدولى فى قناة السويس، ولم تكن ولا تزال غير مستعدة لقبول سيطرة من جانب دولة أو مجموعة من الدول على قناة السويس.
وبينها أن كل من يمر من قناة السويس يجب أن يدفع رسوم المرور المقررة فى قناة السويس، وإذا كانت مصر قد سكتت قبل العدوان، على إصرار السفن البريطانية والفرنسية على الدفع لشركة قناة السويس القديمة، فإن هذا السكوت الآن لا مبرر له.
كانت مصر فى الماضى تقبل التضحية لكى تنقذ السلام، حتى يجئ يوم يعود فيه العقل إلى كل من بريطانيا وفرنسا.. فتقبلا الدفع.. وتقبلا تسوية الحسابات الماضية.
ولكن السلام الذى ضحت مصر من أجله.. كان أحد الشهداء فى معركة العدوان الغادرة... فى مؤامرة 29 أكتوبر سنة 1956.
ومن ناحية أخرى فإن السكوت على إصرار بريطانيا وفرنسا على عدم الدفع إنما هو مخالفة واضحة وصريحة لاتفاقية سنة 1888، فهو فى حقيقة الأمر تمييز لهاتين الدولتين على غيرهما من دول العالم، إذ معناه الواضح أن سفن هاتين الدولتين تعبر القناة بالمجان.. ولماذا تدفع الهند وتدفع إندونيسيا وتدفع سيلان مثلاً.. بينما تستمتع بريطانيا وفرنسا بالمرور وكل ما يلازم المرور من تسهيلات... من غير مقابل!!
[4] وثمة محاولات تبدأ الآن - أو هى على وشك أن تبدأ - تتجه إلى الضغط على مصر لكى تسمح للسفن التى تحمل أعلاماً إسرائيلية بالمرور فى قناة السويس وينبغى أن يكون مفهوماً من غير مجال للف أو دوران، أو لعب بالألفاظ أن هذه المسألة جزء لا يتجزأ من مشكلة فلسطين.
[5] إن مصر مستعدة إلى غير ما حد أن تتعاون مع الأمم المتحدة للبحث فى إجراءات تضمن الهدوء فى منطقة الشرق الأوسط، ولكن العقبة التى تعترض رغبة مصر الصادقة فى التعاون مع الأمم المتحدة، هى إيمان إسرائيل وعملها الدائب المستمر على إشاعة القلق، باعتبار أن هذا القلق أدى إلى تحقيق أغراضها فى جمع التبرعات من أمريكا أولاً... وفى محاولة لجر أقدام الحكومة الأمريكية إلى التورط أكثر وأكثر فى مشاكل الشرق الأوسط!
[6] وفى خلال هذه الفترة كلها سوف يكون مشروع أيزنهاور الجديد للشرق الأوسط، قد تحدد وبانت معالمه، وحدد موقفه من دول الشرق الأوسط وحددت دول الشرق الأوسط موقفها منه، وكان لذلك التحديد أثره فى الصراع الدائر فى داخل المنطقة... والصراع الدائر حولها... فى خارجها!
تلك هى الخطوط الرئيسية التى تتجمع منها الحوادث لتتجه إلى الفترة القليلة المقبلة من الزمان!
عنق زجاجة!
عنق زجاجة - كما يقول التعبير العسكرى فى وصف معبر ضيق يتكدس أمامه زحام يتسابق فى المرور منه.
عنق زجاجة!
عنق زجاجة ولابد - إن أُريد السلامة للشرق الأوسط، وللعالم كله معه - أن تتضافر جميع الجهود مؤمنة مخلصة، لتسهيل عملية مرور الحوادث كلها بهدوء من عنق الزجاجة..
أو...
أو يحدث الصدام!
من هنا، التفسير الحقيقى، لكل المظاهر التى تجرى فى الشرق الأوسط نفسه من ناحية، والتى تجرى فى خارجه من ناحية أخرى، سواء فى الأمم المتحدة أو فى عواصم العالم الكبرى... المسئولة!
بين هذه المظاهر، حرب الأعصاب العنيفة المحتدمة فى الشرق الأوسط، والتى تصل إلى أقصى درجات التركيز ضد مصر.
محطات الإذاعة - مثلاً - المحطات العلنية من لندن وباريس وتل أبيب وقبرص، والمحطات السرية، من عدن وكان وقبرص مرة أخرى.
سبع محطات إذاعة تملأ الجو ليل نهار، فى كل دقيقة وكل ثانية - بألوان وأشكال من محاولات التأثير النفسى لما يلائم اتجاهاتها من أغراض.
تصريحات فى لندن بشكلٍ ما.
تصريحات فى باريس بشكلٍ آخر وإنما لنفس الهدف.
مناورات فى الأمم المتحدة تقصد أن تستغل هذه المنظمة الكبيرة فى معركة حرب الأعصاب.
وفوق هذا كله.. جون فوستر دالاس!
دالاس الذى يتحسر مثلاً على الحالة الاقتصادية فى مصر ثم لا يستحى - إذا كان يصدق ما يقول - من أنه لا يزال يجمد لمصر خمسين مليون دولار من أموالها، ومن أن حلفاءه يجمدون لها - من أموالها أيضاً - أربعمائة مليون دولار أخرى!!
ودالاس الذى يؤكد مثلاً أنه ليس فى نيته أن يعطى مصر معونة اقتصادية وهو أول من يعلم أن مصر لم تطلب معونة، وأن مصر لا تنوى أن تتقدم "بالتماس" -!! - طلب معونة.
إن المعونة الأمريكية تُقدم بشروط لا تستطيع مصر أن تقبلها.
ثم أن "المعونة" لم تستطع فى الدنيا كلها أن تبنى اقتصاداً سليماً، وأكبر مثل هو تركيا التى حصلت على ما لم يحصل عليه غيرها من معونات، هذا بينما لم يصل غيرها إلى درجة الضنك التى وصلت إليها.
ومن ناحية أخرى ما هى قيمة المعونة المخصصة للشرق الأوسط!
أربعمائة مليون دولار.. على عامين
أى مائتا مليون دولار كل عام.. لمنطقة الشرق الأوسط كلها.. وفيها تركيا وباكستان والعراق - دول حلف بغداد الوفية المخلصة - ثم إسرائيل المحبوبة المدللة.. ثم باقى طابور دول الشرق الأوسط، فماذا يمكن أن يكون نصيب مصر!
عشرة ملايين دولار فى السنة.. مع أقصى التفاؤل؟
شكراً...
كلمة طيبة واحدة.. أو محاولة صادقة للفهم.. أجدى منها.. وأغلى فى نظر مصر.
ولكن دالاس مصمم على أن يؤكد كل يوم أنه ليس فى نيته أن يعطى مصر معونة اقتصادية..
ثم يستطرد - من فرط رقة قلبه!! - يحاول أن يخفف على مصر هول الكارثة -!- ويفتح أمامها أبواب الرجاء -!- فيضيف عبارة:
- فى الوقت الحاضر على الأقل!
وتنفسى الصعداء يا مصر فقد فتح لك حارس أبواب الجنة جون فوستر دالاس، ثقب إبرة تستطيعين منه يا مصر، إذا تحولت إلى روح شفافة من شدة الوجد والإخلاص لأمريكا، أن تنفذى منه إلى الجنة التى يحرسها جون فوستر دالاس!!
حرب أعصاب.. ولكن أمرها سهل!
وإنما التجربة الحقيقية هى الأحداث المقبلة التى تقاربت وتلاقت وتشابكت.. ثم بدأت سيرها فى نفس الوقت تقريباً.. متجهة إلى.. إلى عنق زجاجة!
16/1/1957
No comments:
Post a Comment