الثلاثاء:
كل شئ هادئ!
كل شئ هادئ فيما بين قوة الطوارئ الدولية.. وبين مصر.
والغمامات التى تجمعت على أفق العلاقات بينهما فى الأيام الماضية لم تلبث أن تحولت إلى سحابات صيف، تلكأت قليلاً وسط السماء، ثم طردتها حرارة الشمس الساطعة.
شمس الثقة المتبادلة بين مصر وبين الأمم المتحدة.
الشمس التى لا ينبغى أن تغرب أبداً.. وإلا...
وإلا ساد الظلام، وفى الظلام احتمالات مجهولة، وأمطار وعواصف، وبروق ورعود، وزلازل.. وربما أكثر!
سحابات صيف، تلكأت قليلاً، ثم ما لبث أن تبددت، وعادت للسماء زرقتها الصافية، الباعثة على الأمل والاستبشار.
ولكن...
ولكن من أين جاءت السحب!
ليس يكفى أنها تبددت حتى ننسى أمرها، وإنما لابد من دراسة لها، ولسبب واحد على الأقل هو: أن لا يسمح لها أبداً أن تتجمع لتعود من جديد.
أجل.. ولكن، و لكى لا تعود لابد من نظرات على الأفق الذى جاءت منه هذه السحب.. نظرات يمكن بعدها تحديد اتجاهات الرياح التى ساقتها أمامها وحاولت أن تغطى بها وجه الشمس!
*** أولى هذه السحب، شكوك غامضة مبهمة، أثارتها عدة اعتبارات بينها ستار الدخان - الدعايات والأكاذيب - الذى حاولت إسرائيل به أن تستر انسحابها من غزة وخليج العقبة.
وبينها الضمانات التى أشيع أن إسرائيل حصلت عليها، من الولايات المتحدة، ثم من الأمم المتحدة - هكذا أشيع! - وأهمها أن مصر لن تعود أبداً إلى قطاع غزة وإلى إدارته.
وبينها التصريحات التى توالت من لندن وباريس وتل أبيب، معبأة بالإيحاءات المريبة، التى تلقى الظلال القاتمة على مستقبل قطاع غزة، وعروبته.
هذه الشكوك الغامضة المبهمة كلها، كانت أولى سحب الصيف.
*** ثم مرقت من الأفق فجأة سحابة ثانية، سارت فى طريقها بحزم وكأنما هى تسير على إيقاع نشيد عسكرى!
كانت السحابة الثانية مجموعة تصرفات للجنرال بيرنز، قائد قوة الطوارئ الدولية.
وربما كان الجنرال بيرنز حسن النية فى هذه التصرفات.. ربما.
ولكن حسن النية لم يستطع أن يؤكد وجوده فى جو الشكوك الغامضة المبهمة التى كانت تبدو على الأفق قبل أن تبدأ تصرفات الجنرال.
أحياناً كان بيرنز فى أوامره ينسى كلمة واحدة فى اسم قواته.. هى كلمة "الطوارئ"!
أحياناً كان بيرنز يتصور أنه يقود قوة دولية دائمة، وليست مجرد قوة مؤقتة مكلفة بعمل محدد، تقوم به بتكليف من الجمعية العامة للأمم المتحدة.
تقوم به، ثم تنتهى منه إلى هدنة.. وتقف بعده أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة تشد قامتها، وتضرب "تعظيم سلام" وتقول ما تقوله أى قوة نشيطة، حققت أغراضها - أمام السلطة العليا التى تتلقى منها أوامرها - تمام يا أفندم!.
ثم تستأذن فى الانصراف!
مرات كان الجنرال بيرنز ينسى هذه الكلمة الهامة فى اسم قواته.. كلمة "الطوارئ"، ويتصرف - كما قلت - تحت شعور أنه يقود قوة دولية مثل قوات حلف الأطلنطى مثلاً!
ومرة من هذه المرات، كانت عقب دخول قوات الطوارئ الدولية إلى غزة مباشرةً.
وكان المفروض أن يجرى فى غزة ما جرى قبلها فى بورسعيد وسيناء.
تتحرك قوة الطوارئ فى أعقاب القوة المعتدية المنسحبة.
ويتحرك وراءها مكتب اتصال مصرى ينسق التحركات بينها وبين السلطات المصرية الوطنية القادمة وراءها.
ثم تجئ السلطات المصرية الوطنية، ليعود كل شئ كما كان.. قبل العدوان!
كذلك حدث فى بورسعيد.
وكذلك حدث فى سيناء.
ولكن فى غزة، بدا للوهلة الأولى، أن القطار خرج عن القضيب الحديدى الممتد أمامه ليحدد اتجاهه ويرسم طريقه.
حين ذهب ضابط الاتصال المصرى، يرتب مع الجنرال بيرنز أمر انتقال هيئة الاتصال المصرية إلى غزة، هز الجنرال بيرنز رأسه وقال أنه يفضل أن يبقى مكتب هيئة الاتصال المصرية مكانه فى أبى صوير، ولا ينتقل مع قيادة الجنرال بيرنز نفسها إلى غزة!
ثم قالها الجنرال بيرنز بصراحة أكثر:
- إن الأوامر لدى حتى الآن أن لا يذهب أحد من المصريين إلى غزة!
*** ثم وصلت سحابه ثالثة تتهادى عبر الأطلنطى، قادمة من كندا.
وكندا كما هو معروف - بالطبع - دولة من الدول التى تشترك بكتيبة كاملة فى قوة الطوارئ الدولية.
ومع أن مصر لم تثر أى اعتراضات، على اشتراك أى دولة من الدول فى قوة الطوارئ الدولية، إلا أنها فيما يتعلق بكندا بالذات.. أثارت عدة ملاحظات!
ملاحظات أكثر منها اعتراضات، لأن مصر كانت وما زالت حريصة على تسهيل مهمة داج همرشولد، السكرتير العام للأمم المتحدة، ولأن مصر كانت وما زالت حريصة على أن تنجح قوة الطوارئ الدولية فى مهمتها، باعتبارها محاولة إيجابية، تجريها الأمم المتحدة لأول مرة.
وكانت أبرز ملاحظات مصر على اشتراك كندا فى قوة الطوارئ - وقتها - أن جنود الجيش الكندى وضباطه، يرتدون نفس الزى الذى يرتديه جنود الجيش البريطانى وضباطه، ومن هنا قد يحدث بين أفراد القوة الكندية، وبين أفراد الشعب المصرى سوء فهم.
ثم أكد هذه الملاحظة ما ذكره أنتونى إيدن رئيس وزراء بريطانيا المنهار ذات مرة فى مناقشة لمجلس العموم، حين أراد إيدن أن يغطى حملته الخائبة المجبرة على الانسحاب، فإذا هو يسفسط ويتفلسف ويقول:
- إن القوات البريطانية سوف تخرج من قناة السويس حين تحل محلها القوات الكندية، وهى بوصفها من قوات الكومنولث تعتبر أيضاً من قوات جلالة المملكة البريطانية!
أى أن قوات اليزابيث القادمة من إنجلترا.. سوف تخلى الطريق لقوات اليزابيث القادمة من كندا..!
ومع ذلك.. أو برغم ذلك، فقد قدرت مصر أن إيدن يهذى من الحمى، ثم تركت لهمرشولد حرية التصرف بعد أن أبدت له ملاحظاتها.. مجرد ملاحظات!
ثم بدأت أصوات غريبة ترتفع فى برلمان كندا.
قال رئيس وزرائها لويس سانت لوران مرة إن بقاء قوات الطوارئ الدولية فى مصر لا يتوقف على رغبة مصر ورضاها!
ثم عاد ليستر بيرسون وزير خارجيتها فاقترح فى مشروع قدمه للجمعية العامة للأمم المتحدة... تدويل قطاع غزة!
*** ثم جاءت سحابة رابعة، تتهادى أيضاً عبر الأطلنطى وأيضاً من كندا!
رأى الجنرال بيرنز أنه فى حاجة إلى وحدة استطلاع ميكانيكية تتولى مهمة القيام بدوريات الاستكشاف لقوة الطوارئ الدولية.
واتصل الجنرال بيرنز بوزير الحربية فى كندا يطلب منه المدد.
وجاءت وحدة استطلاع من كندا..
جاءت من كندا.. ولكنها لم تدخل مصر.
لم تدخل لسبب واحد، هو أن مصر لم تأذن بدخولها، مصر التى كان رئيس وزراء كندا يرى أن بقاء قوات الطوارئ فيها لا يتوقف على رغبتها ورضاها!
ولأن مصر لم تأذن، عادت الباخرة التى كانت تحمل وحدة الاستطلاع الكندية وأنزلت حمولتها فى ميناء نابولى وما زالت هذه الوحدة هناك، قابعة على رصيف الميناء بمعداتها واضعة يدها على خدها.. تنتظر!
ولكن تلك مشكلة لا تعنى مصر، مصر التى قبلت دخول قوات الطوارئ إلى أرضها على أساس شروط، وداخل نطاق محدود.
*** ثم تدافعت سحابة خامسة وسحابة سادسة وسحابة سابعة!
تدافعت هذه السحب واحدة بعد الأخرى وتشابكت بعد أن وجدت مصر أنها لا تستطيع أن تغمض عينيها عما يجرى.
غزة فى ثورة لا يمكن أن يقال إن مصر هى التى دبرتها وأشعلت نارها.
ثورة تطالب بعودة الإدارة المصرية إلى القطاع.
والكتيبة اليوغوسلافية فى قوة الطوارئ، رأت أنها تكلف بما لا يتفق مع طبيعة المهمة المحددة لقوة الطوارئ بمقتضى قرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة.
وهكذا صدر الأمر بتعين اللواء محمد حسن عبد اللطيف حاكماً إدارياً لقطاع غزة وكان معنى التعيين واضحاً.. ظاهراً.
وكان رد الفعل المثير لهذا الإجراء المصرى هو السحابة الخامسة.
فلم يكن هناك إلا تفسير واحد له.. هو أنه كان هناك اتفاق أو كانت هناك مؤامرة على أن لا تعود مصر إلى إدارة غزة..
وإلا...
وإلا أى تفسير غير هذا يمكن استنتاجه من هذه الثورة العارمة ضد مصر خلال الأخبار الطائرة بين العواصم المختلفة.
وإلا أى تفسير غير هذا يمكن استنتاجه من هذا الغيظ المتفجر على مصر خلال تصريحات الساسة المسئولين فى لندن وباريس وتل أبيب.
أى تفسير.. إلا أن يكون هناك اتفاق.. وتكون هناك مؤامرة.
إن مصر بتعيين حاكم إدارى مصرى لغزة، لم تفعل إلا أنها وضعت موضع التنفيذ العملى، وبأمانة متناهية، قرارات أصدرتها الجمعية العامة للأمم المتحدة بأغلبية 74 صوتاً.. أغلبية لم تعرف لها الأمم المتحدة مثيلاً فى تاريخها.
فلماذا الثورة العارمة إذن.
وعلام الغيظ المتفجر؟!
*** ثم كان إطلاق النار على المتظاهرين فى غزة وقتل أحدهم هو السحابة السادسة.
فقد كان المفهوم أن مهمة قوة الطوارئ هى حماية أهالى غزة.. وليس إطلاق الرصاص عليهم.
*** وأخيراً كان منع بعثة الهلال الأحمر المصرى من دخول غزة هو السحابة السابعة!
ولبضع ساعات بدا الأفق معتماً حافلاً بالنذر.
ثم فجأة بدأت السحب تتفرق وتتباعد!
تحرك داج همرشولد فى نيويورك وتحرك رالف بانش فى القاهرة.
وتحركت مصر كذلك تلاقى الأمم المتحدة فى فهم مستنير.
وأخذت السحب التى كانت تفرقت وتباعدت.. تتبدد أيضاً.
السحابة الأولى - سحابة الشكوك الغامضة المبهمة - تبددت بعد التأكيدات القوية الحاسمة بأن إسرائيل انسحبت من غير ضمانات.. لا من الولايات المتحدة ولا من الأمم المتحدة.
والسحابة الثانية - سحابة تصرفات الجنرال بيرنز - تبددت بعد الدلائل الواضحة بأن الجنرال بيرنز كان يتصرف فى حدود ما تصور أنه خير الوسائل لحفظ الأمن فى القطاع حتى يتلقى تعليمات مفصلة..
والسحابة الثالثة - سحابة تصريحات رئيس وزراء كندا ووزير خارجيتها تبددت بعد أن تبين أن كندا منهمكة فى الاستعداد لمعركتها الانتخابية، وأن أحداث الشرق الأوسط تلعب دوراً كبيراً فى هذه المعركة.
ومع أن إدخال السياسة الخارجية لأى بلد فى ميدان سياستها الحزبية المحلية لعبة شائكة إلا أن مصر لا يهمها الأمر ما دامت هى قادرة على اتخاذ ما يوافق سلامتها من إجراءات، ومن هذه الإجراءات أن تبقى وحدة الاستطلاع الكندية واضعة يدها على خدها فى نابولى تنتظر الإذن بدخولها مصر!
والسحابة الخامسة - سحابة رد الفعل المثير لتعيين حاكم إدارى مصرى لغزة - تبددت بعد أن اتخذت مصر إجراءها ووضعته موضع التنفيذ، ثم تمثلت بكلمة برنارد شو الشهيرة:
- إنهم يقولون، ماذا يقولون... دعهم يقولون!
والسحابة السادسة - سحابة إطلاق الرصاص على أهالى غزة - تبددت بعد أن أوضح الجنرال بيرنز بنفسه موقف قوته من تلك الحادثة، وأبدى حزنه لوقوعها وشرح الظروف المؤسفة التى وقعت فيها.
والسحابة السابعة والأخيرة - سحابة منع بعثة الهلال الأحمر من دخول غزة - تبددت بعد أن تبين أنه ليس هناك منع، وإنما كانت هناك إجراءات تمهد للدخول.
تفرقت السحب وتباعدت... ثم تبددت، وعادت الشمس إلى الظهور.
وتكشفت الحقائق... حتى الرداء العسكرى الأنيق الذى يلبسه الجنرال بيرنز والذى كان كثيرون وبينهم الدكتور رالف بانش يعتقدون أنه، من فرط وجاهته من تصميم صانع الأزياء الباريسى الشهير كريستيان ديور... تبين أن الذى وضع تصميمه هو الأسطى عبد اللاه الترزى بالفجالة!
وبعد...
إن صحف العالم تصف تعيين حاكم مصرى لغزة ودخوله إليها لمباشرة سلطاته... بأنه جولة ربحتها مصر.
ولى كلمة أضيفها.
إنها أيضاً... بل أولاً... جولة ربحتها الأمم المتحدة!
الأربعاء:
يوماً بعد يوم يزداد اقتناعى بأن ذلك القرار كان أبرز نقط التحول فى المعركة التى خاضتها مصر ضد العدوان.
والقرار الذى أقصده هو قرار انسحاب القوات المصرية من سيناء والعودة بها كلها إلى غرب القناة.. إلى الدلتا، لتكون متصلة بقاعدتها، مرتكزة على أساسها، تحارب معركتها جبهة واحدة.
تذكرت ذلك القرار مرتين اليوم.
مرة فى الصباح ومرة فى المساء.
مرة فى الصباح وأنا أطالع البرقيات الواردة من القدس المحتلة تحمل تهديدات بن جوريون رئيس وزراء إسرائيل بأنه سوف يلجأ إلى استعمال ما يراه ضرورياً من إجراءات لسلامة إسرائيل إذا ما عادت القوات المصرية إلى غزة.
تهديد بالسلاح.. تصنع، ولكنه ملموس!
كيف كان شعورى وأنا أقرأ هذا التهديد؟
مزيجاً من انفعالات مختلفة، لم يكن القلق واحداً منها على أى حال، وأضيف بسرعة أننى لست من اللذين يستهينون بقوة العدو، ويتركون أمانيهم تفرش أمامهم طريق النصر، بالزهور والورود!
إنما البعد عن القلق كان مبعثه ذلك القرار المجيد.. قرار الانسحاب.
وما كان أكثر ما تتغير الصورة لو أن تهديد بن جوريون كان قد جاء بعد أن تحقق له الغرض الأساسى من مؤامراته فى 29 أكتوبر.
تلك المؤامرة كانت تهدف إلى إبادة القوات المسلحة.
وذلك الغرض ضاع على الذين سعوا إليه.
والجيش المصرى بكل أسلحته، قوى سليم، وعلى استعداد.
ولو أن قرار الانسحاب لم يصدر، أو لو كان هذا القرار تأخر، ثم تحطمت قوة مصر العسكرية واستحالت قطعاً محترقة من الحديد متروكة للصدأ على رمال سيناء.. إذن لكان ساعتها القلق.
كانت مصر اليوم تسمع تهديدات بن جوريون وهى ملقاة على الأرض تنزف دماً وذلاً.
بل لم تكن هناك حاجة بن جوريون إطلاقاً إلى أن يهدد مصر.
لمن كان يوجه بن جوريون تهديده ساعتها؟
للعدو الذى أجهز عليه؟
ولماذا يهدده؟
تكفيه إشارة إصبع.. أو نظرة عين، فيكون السمع وتكون الطاعة.
ولكن الصورة اختلفت بقرار واحد.
قرار واحد!
قلتها لنفسى وأنا أهز رأسى بعد أن فرغت من البرقية التى حملت إلى تهديد بن جوريون.
قلتها لنفسى، ثم استطردت:
قرار واحد، ولكن الله كان قائدنا حين اتخذناه!
ثم عدت إلى قرار الانسحاب مرة ثانية فى المساء.
عدت إليه أثناء حديث مع صحفى إنجليزى كان ملحقاً بالقيادة المتحالفة كما كانوا يطلقون على قيادة العدوان الثلاثى ضد مصر.
وكان هذا الصحفى الإنجليزى عائداً إلى مصر لأول مرة منذ خمسة شهور.
وطاف الحديث بنا حول الظروف التى مرت منذ التقينا لآخر مرة قبل أن تبدأ المؤامرة كلها.
وقتها كان هو فى القاهرة، ولكنه غادرها سعياً وراء أخبار المعركة الانتخابية فى الأردن.
ثم بدأت الحوادث، واستحال عليه أن يعود إلى القاهرة طبعاً.. وذهب يستطلع الأحوال ويتابع التطورات من قبرص!
عاش التجربة كما عشتها أنا بفارق واحد... كان فى الناحية الأخرى من خط القتال.
وهكذا لما التقينا اتجه بنا الحديث على الفور إلى الصورة كما كانت تبدو من هناك... من قيادة العدوان.
لقد كنا هنا نعرف الذى نفعله... ولماذا نفعله؟
وربما كنا أيضاً نعرف ما يفعلونه هناك... ولكننا لم نكن نعرف لماذا يفعلونه؟!
وتعاقبت أسئلتى واحداً بعد واحد.
متى... وكيف... وأين... ولماذا... حدث هذا ولم يحدث ذلك، ولماذا حدث على هذا النحو.. وكيف تصوروا موقفنا من هذه الخطوة أو تلك الحركة... إلى آخره.
وحين بدأ يتكلم وضع إصبعه، أول ما وضع، على قرار سحب الجيش المصرى من سيناء، ورأى أنها كانت أبرز نقط التحول فى اتجاه المعركة.
قال، وأنا أحاول أن ألتزم بقدر ما وعت ذاكرتى، حدود ما قاله، بل وأحاول أن ألتزم حدود ألفاظه.
قال:
"لم يعد سراً أنه كان هناك خلاف فى القيادة المتحالفة... خلاف فى دوائرها العليا...
أو بالتحديد خلاف بين الجنرال كيتلى القائد العام البريطانى للحملة على مصر، وبين الأميرال بارجو الفرنسى الذى كان يتولى منصب نائب القائد العام.
ولقد اشتد الخلاف بين القائد العام البريطانى، وبين نائبه الفرنسى، بسبب ظروف قرار الانسحاب الذى اتخذته القيادة المصرية.
وحين جاءت إلى القيادة المتحالفة فى قبرص أول أنباء تشير إلى أن الجيش المصرى بدأ يسحب قواته من سيناء كان هناك شك كبير فى صحة هذه الأنباء.
كان مبعث الشك أنه مستحيل أن تكون مصر تنبهت بهذه السرعة للهيكل الأساسى الذى كانت ترتكز عليه خطة غزو مصر.
وكان من بواعث الشك أيضاً أن جزءً كبيراً من تقدير موقف مصر كان مبنياً على أساس حرص مصر على عدم الانسحاب مهما كلفها من ثمن، حتى لا تتأثر هيبتها الظاهرية فى خيال الرأى العام العربى.
فلما جاءت التقارير بعد ذلك تفيد أن عملية الانسحاب مؤكدة، فقد الأميرال بارجو أعصابه.
أخذ يستحث الجنرال كبتلى على سرعة إنزال القوات فى بورسعيد حتى تلحق فتقطع الطريق على الجيش المصرى قبل أن يتم انسحابه من سيناء.
وكان الجنرال كبتلى لا يريد أن يجازف بعملية الإنزال قبل أن يكتشف سر سلاح الطيران المصرى، الذى كان قد اختفى من المعركة، وفشلت كل الجهود التى بذلت للعثور عليه.
ولكن الأميرال بارجو لم يكن يطيق الصبر.
كانت المعلومات التى تصله عن سير عملية انسحاب الجيش المصرى تثير أعصابه.
ولكن الجنرال كبتلى كان مشغولاً بإرسال الطائرات البريطانية كلها تفتش كل ركن فى مصر... فى الأرض الزراعية وفى الصحراء... بحثاً عن السلاح الجوى المصرى... وكان كبتلى يعتقد أن هناك مفاجأة كبرى تنتظره من وراء اختفاء الطيران.
ثم اكتشف كبتلى أثناء مناقشة دارت فى اجتماع لهيئة القيادة العليا للحملة أن نائبه الفرنسى الأميرال بارجو قد أعار إسرائيل كل الطائرات الفرنسية التى تعمل من حاملات الطائرات التى يضمها أسطوله.. أعارها كلها لإسرائيل تعمل فوق جبهة سيناء... ودون إذن منه.. وهو القائد العام للحملة.
وساءت العلاقات بين القائد العام البريطانى، ونائبه الفرنسى إلى الحد الذى اقتضى أن يطير أنتونى هيد وزير الحربية البريطانى، لكى يحاول بنفسه إزالة سوء التفاهم بين القائد العام ونائب القائد العام.
ثم تقرر بحضور وزير الحربية البريطانى أن يترك الجنرال كيتلى بحثه عن سر سلاح الطيران، ويسرع بالغزو!
ولم تكن قوات الإنزال جاهزة كلها.
وتقرر على أى حال إنزال جنود الباراشوت بسرعة فى بورسعيد على أن تلحق بها المجموعة الرئيسية لقوات الغزو.
ولم تستطع قوات الباراشوت أن تتقدم كثيراً من بورسعيد.
والخطير فى الأمر، أو نقطة التحول فيه، أن انسحاب الجيش المصرى كان قد تم تنفيذه، واحتشدت مجموعة الجيش المصرى الرئيسية غرب القناة.
وهكذا جاءت قوات الغزو وراء قوات الباراشوت لتجد أنها مضطرة للوقوف فى بورسعيد، لا تتقدم منها، إلا بعد أن تعيد تقدير موقفها على أساس أن الجيش المصرى استطاع إتمام انسحابه من سيناء وتمكن من تجميع قواته غرب القناة.
ولم يكن فى استطاعة كبتلى أن يتقدم على امتداد القناة وينشر قواته على جبهة رقيقة طولها أكثر من مائة ميل، هذا بينما أربع فرق مصرية على الأقل تحتشد فى مواجهته وتستطيع أن تقطع خطوطه فى أى مكان من الجبهة.
توقف تقدم قوات الغزو...
وكان لابد من إعادة تقدير الموقف.
وكانت الاستحالة العسكرية واضحة لأول وهلة.
ثم تطورت الظروف بسرعة وتوقف القتال.
واستطرد الصحفى الإنجليزى، وهذا كلامه بألفاظه:
- صدقنى لو لم يكن قرار الانسحاب قد نفذ بهذه السرعة، لكان كبتلى قد استطاع احتلال منطقة القناة... وكان الموقف كله قد انتهى!
قلت لنفسى مرة ثانية فى نفس اليوم:
- كان الله قائدنا حين اتخذنا ذلك القرار.
خبر له معنى
* السفن الصغيرة التى تمر الآن فى القناة، تدفع رسوم المرور كلها!
كلها هنا، معناها أن كل السفن تدفع، وتدفع كل رسوم المرور!
هل هذا مفهوم؟..
16/3/1957
كل شئ هادئ!
كل شئ هادئ فيما بين قوة الطوارئ الدولية.. وبين مصر.
والغمامات التى تجمعت على أفق العلاقات بينهما فى الأيام الماضية لم تلبث أن تحولت إلى سحابات صيف، تلكأت قليلاً وسط السماء، ثم طردتها حرارة الشمس الساطعة.
شمس الثقة المتبادلة بين مصر وبين الأمم المتحدة.
الشمس التى لا ينبغى أن تغرب أبداً.. وإلا...
وإلا ساد الظلام، وفى الظلام احتمالات مجهولة، وأمطار وعواصف، وبروق ورعود، وزلازل.. وربما أكثر!
سحابات صيف، تلكأت قليلاً، ثم ما لبث أن تبددت، وعادت للسماء زرقتها الصافية، الباعثة على الأمل والاستبشار.
ولكن...
ولكن من أين جاءت السحب!
ليس يكفى أنها تبددت حتى ننسى أمرها، وإنما لابد من دراسة لها، ولسبب واحد على الأقل هو: أن لا يسمح لها أبداً أن تتجمع لتعود من جديد.
أجل.. ولكن، و لكى لا تعود لابد من نظرات على الأفق الذى جاءت منه هذه السحب.. نظرات يمكن بعدها تحديد اتجاهات الرياح التى ساقتها أمامها وحاولت أن تغطى بها وجه الشمس!
*** أولى هذه السحب، شكوك غامضة مبهمة، أثارتها عدة اعتبارات بينها ستار الدخان - الدعايات والأكاذيب - الذى حاولت إسرائيل به أن تستر انسحابها من غزة وخليج العقبة.
وبينها الضمانات التى أشيع أن إسرائيل حصلت عليها، من الولايات المتحدة، ثم من الأمم المتحدة - هكذا أشيع! - وأهمها أن مصر لن تعود أبداً إلى قطاع غزة وإلى إدارته.
وبينها التصريحات التى توالت من لندن وباريس وتل أبيب، معبأة بالإيحاءات المريبة، التى تلقى الظلال القاتمة على مستقبل قطاع غزة، وعروبته.
هذه الشكوك الغامضة المبهمة كلها، كانت أولى سحب الصيف.
*** ثم مرقت من الأفق فجأة سحابة ثانية، سارت فى طريقها بحزم وكأنما هى تسير على إيقاع نشيد عسكرى!
كانت السحابة الثانية مجموعة تصرفات للجنرال بيرنز، قائد قوة الطوارئ الدولية.
وربما كان الجنرال بيرنز حسن النية فى هذه التصرفات.. ربما.
ولكن حسن النية لم يستطع أن يؤكد وجوده فى جو الشكوك الغامضة المبهمة التى كانت تبدو على الأفق قبل أن تبدأ تصرفات الجنرال.
أحياناً كان بيرنز فى أوامره ينسى كلمة واحدة فى اسم قواته.. هى كلمة "الطوارئ"!
أحياناً كان بيرنز يتصور أنه يقود قوة دولية دائمة، وليست مجرد قوة مؤقتة مكلفة بعمل محدد، تقوم به بتكليف من الجمعية العامة للأمم المتحدة.
تقوم به، ثم تنتهى منه إلى هدنة.. وتقف بعده أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة تشد قامتها، وتضرب "تعظيم سلام" وتقول ما تقوله أى قوة نشيطة، حققت أغراضها - أمام السلطة العليا التى تتلقى منها أوامرها - تمام يا أفندم!.
ثم تستأذن فى الانصراف!
مرات كان الجنرال بيرنز ينسى هذه الكلمة الهامة فى اسم قواته.. كلمة "الطوارئ"، ويتصرف - كما قلت - تحت شعور أنه يقود قوة دولية مثل قوات حلف الأطلنطى مثلاً!
ومرة من هذه المرات، كانت عقب دخول قوات الطوارئ الدولية إلى غزة مباشرةً.
وكان المفروض أن يجرى فى غزة ما جرى قبلها فى بورسعيد وسيناء.
تتحرك قوة الطوارئ فى أعقاب القوة المعتدية المنسحبة.
ويتحرك وراءها مكتب اتصال مصرى ينسق التحركات بينها وبين السلطات المصرية الوطنية القادمة وراءها.
ثم تجئ السلطات المصرية الوطنية، ليعود كل شئ كما كان.. قبل العدوان!
كذلك حدث فى بورسعيد.
وكذلك حدث فى سيناء.
ولكن فى غزة، بدا للوهلة الأولى، أن القطار خرج عن القضيب الحديدى الممتد أمامه ليحدد اتجاهه ويرسم طريقه.
حين ذهب ضابط الاتصال المصرى، يرتب مع الجنرال بيرنز أمر انتقال هيئة الاتصال المصرية إلى غزة، هز الجنرال بيرنز رأسه وقال أنه يفضل أن يبقى مكتب هيئة الاتصال المصرية مكانه فى أبى صوير، ولا ينتقل مع قيادة الجنرال بيرنز نفسها إلى غزة!
ثم قالها الجنرال بيرنز بصراحة أكثر:
- إن الأوامر لدى حتى الآن أن لا يذهب أحد من المصريين إلى غزة!
*** ثم وصلت سحابه ثالثة تتهادى عبر الأطلنطى، قادمة من كندا.
وكندا كما هو معروف - بالطبع - دولة من الدول التى تشترك بكتيبة كاملة فى قوة الطوارئ الدولية.
ومع أن مصر لم تثر أى اعتراضات، على اشتراك أى دولة من الدول فى قوة الطوارئ الدولية، إلا أنها فيما يتعلق بكندا بالذات.. أثارت عدة ملاحظات!
ملاحظات أكثر منها اعتراضات، لأن مصر كانت وما زالت حريصة على تسهيل مهمة داج همرشولد، السكرتير العام للأمم المتحدة، ولأن مصر كانت وما زالت حريصة على أن تنجح قوة الطوارئ الدولية فى مهمتها، باعتبارها محاولة إيجابية، تجريها الأمم المتحدة لأول مرة.
وكانت أبرز ملاحظات مصر على اشتراك كندا فى قوة الطوارئ - وقتها - أن جنود الجيش الكندى وضباطه، يرتدون نفس الزى الذى يرتديه جنود الجيش البريطانى وضباطه، ومن هنا قد يحدث بين أفراد القوة الكندية، وبين أفراد الشعب المصرى سوء فهم.
ثم أكد هذه الملاحظة ما ذكره أنتونى إيدن رئيس وزراء بريطانيا المنهار ذات مرة فى مناقشة لمجلس العموم، حين أراد إيدن أن يغطى حملته الخائبة المجبرة على الانسحاب، فإذا هو يسفسط ويتفلسف ويقول:
- إن القوات البريطانية سوف تخرج من قناة السويس حين تحل محلها القوات الكندية، وهى بوصفها من قوات الكومنولث تعتبر أيضاً من قوات جلالة المملكة البريطانية!
أى أن قوات اليزابيث القادمة من إنجلترا.. سوف تخلى الطريق لقوات اليزابيث القادمة من كندا..!
ومع ذلك.. أو برغم ذلك، فقد قدرت مصر أن إيدن يهذى من الحمى، ثم تركت لهمرشولد حرية التصرف بعد أن أبدت له ملاحظاتها.. مجرد ملاحظات!
ثم بدأت أصوات غريبة ترتفع فى برلمان كندا.
قال رئيس وزرائها لويس سانت لوران مرة إن بقاء قوات الطوارئ الدولية فى مصر لا يتوقف على رغبة مصر ورضاها!
ثم عاد ليستر بيرسون وزير خارجيتها فاقترح فى مشروع قدمه للجمعية العامة للأمم المتحدة... تدويل قطاع غزة!
*** ثم جاءت سحابة رابعة، تتهادى أيضاً عبر الأطلنطى وأيضاً من كندا!
رأى الجنرال بيرنز أنه فى حاجة إلى وحدة استطلاع ميكانيكية تتولى مهمة القيام بدوريات الاستكشاف لقوة الطوارئ الدولية.
واتصل الجنرال بيرنز بوزير الحربية فى كندا يطلب منه المدد.
وجاءت وحدة استطلاع من كندا..
جاءت من كندا.. ولكنها لم تدخل مصر.
لم تدخل لسبب واحد، هو أن مصر لم تأذن بدخولها، مصر التى كان رئيس وزراء كندا يرى أن بقاء قوات الطوارئ فيها لا يتوقف على رغبتها ورضاها!
ولأن مصر لم تأذن، عادت الباخرة التى كانت تحمل وحدة الاستطلاع الكندية وأنزلت حمولتها فى ميناء نابولى وما زالت هذه الوحدة هناك، قابعة على رصيف الميناء بمعداتها واضعة يدها على خدها.. تنتظر!
ولكن تلك مشكلة لا تعنى مصر، مصر التى قبلت دخول قوات الطوارئ إلى أرضها على أساس شروط، وداخل نطاق محدود.
*** ثم تدافعت سحابة خامسة وسحابة سادسة وسحابة سابعة!
تدافعت هذه السحب واحدة بعد الأخرى وتشابكت بعد أن وجدت مصر أنها لا تستطيع أن تغمض عينيها عما يجرى.
غزة فى ثورة لا يمكن أن يقال إن مصر هى التى دبرتها وأشعلت نارها.
ثورة تطالب بعودة الإدارة المصرية إلى القطاع.
والكتيبة اليوغوسلافية فى قوة الطوارئ، رأت أنها تكلف بما لا يتفق مع طبيعة المهمة المحددة لقوة الطوارئ بمقتضى قرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة.
وهكذا صدر الأمر بتعين اللواء محمد حسن عبد اللطيف حاكماً إدارياً لقطاع غزة وكان معنى التعيين واضحاً.. ظاهراً.
وكان رد الفعل المثير لهذا الإجراء المصرى هو السحابة الخامسة.
فلم يكن هناك إلا تفسير واحد له.. هو أنه كان هناك اتفاق أو كانت هناك مؤامرة على أن لا تعود مصر إلى إدارة غزة..
وإلا...
وإلا أى تفسير غير هذا يمكن استنتاجه من هذه الثورة العارمة ضد مصر خلال الأخبار الطائرة بين العواصم المختلفة.
وإلا أى تفسير غير هذا يمكن استنتاجه من هذا الغيظ المتفجر على مصر خلال تصريحات الساسة المسئولين فى لندن وباريس وتل أبيب.
أى تفسير.. إلا أن يكون هناك اتفاق.. وتكون هناك مؤامرة.
إن مصر بتعيين حاكم إدارى مصرى لغزة، لم تفعل إلا أنها وضعت موضع التنفيذ العملى، وبأمانة متناهية، قرارات أصدرتها الجمعية العامة للأمم المتحدة بأغلبية 74 صوتاً.. أغلبية لم تعرف لها الأمم المتحدة مثيلاً فى تاريخها.
فلماذا الثورة العارمة إذن.
وعلام الغيظ المتفجر؟!
*** ثم كان إطلاق النار على المتظاهرين فى غزة وقتل أحدهم هو السحابة السادسة.
فقد كان المفهوم أن مهمة قوة الطوارئ هى حماية أهالى غزة.. وليس إطلاق الرصاص عليهم.
*** وأخيراً كان منع بعثة الهلال الأحمر المصرى من دخول غزة هو السحابة السابعة!
ولبضع ساعات بدا الأفق معتماً حافلاً بالنذر.
ثم فجأة بدأت السحب تتفرق وتتباعد!
تحرك داج همرشولد فى نيويورك وتحرك رالف بانش فى القاهرة.
وتحركت مصر كذلك تلاقى الأمم المتحدة فى فهم مستنير.
وأخذت السحب التى كانت تفرقت وتباعدت.. تتبدد أيضاً.
السحابة الأولى - سحابة الشكوك الغامضة المبهمة - تبددت بعد التأكيدات القوية الحاسمة بأن إسرائيل انسحبت من غير ضمانات.. لا من الولايات المتحدة ولا من الأمم المتحدة.
والسحابة الثانية - سحابة تصرفات الجنرال بيرنز - تبددت بعد الدلائل الواضحة بأن الجنرال بيرنز كان يتصرف فى حدود ما تصور أنه خير الوسائل لحفظ الأمن فى القطاع حتى يتلقى تعليمات مفصلة..
والسحابة الثالثة - سحابة تصريحات رئيس وزراء كندا ووزير خارجيتها تبددت بعد أن تبين أن كندا منهمكة فى الاستعداد لمعركتها الانتخابية، وأن أحداث الشرق الأوسط تلعب دوراً كبيراً فى هذه المعركة.
ومع أن إدخال السياسة الخارجية لأى بلد فى ميدان سياستها الحزبية المحلية لعبة شائكة إلا أن مصر لا يهمها الأمر ما دامت هى قادرة على اتخاذ ما يوافق سلامتها من إجراءات، ومن هذه الإجراءات أن تبقى وحدة الاستطلاع الكندية واضعة يدها على خدها فى نابولى تنتظر الإذن بدخولها مصر!
والسحابة الخامسة - سحابة رد الفعل المثير لتعيين حاكم إدارى مصرى لغزة - تبددت بعد أن اتخذت مصر إجراءها ووضعته موضع التنفيذ، ثم تمثلت بكلمة برنارد شو الشهيرة:
- إنهم يقولون، ماذا يقولون... دعهم يقولون!
والسحابة السادسة - سحابة إطلاق الرصاص على أهالى غزة - تبددت بعد أن أوضح الجنرال بيرنز بنفسه موقف قوته من تلك الحادثة، وأبدى حزنه لوقوعها وشرح الظروف المؤسفة التى وقعت فيها.
والسحابة السابعة والأخيرة - سحابة منع بعثة الهلال الأحمر من دخول غزة - تبددت بعد أن تبين أنه ليس هناك منع، وإنما كانت هناك إجراءات تمهد للدخول.
تفرقت السحب وتباعدت... ثم تبددت، وعادت الشمس إلى الظهور.
وتكشفت الحقائق... حتى الرداء العسكرى الأنيق الذى يلبسه الجنرال بيرنز والذى كان كثيرون وبينهم الدكتور رالف بانش يعتقدون أنه، من فرط وجاهته من تصميم صانع الأزياء الباريسى الشهير كريستيان ديور... تبين أن الذى وضع تصميمه هو الأسطى عبد اللاه الترزى بالفجالة!
وبعد...
إن صحف العالم تصف تعيين حاكم مصرى لغزة ودخوله إليها لمباشرة سلطاته... بأنه جولة ربحتها مصر.
ولى كلمة أضيفها.
إنها أيضاً... بل أولاً... جولة ربحتها الأمم المتحدة!
الأربعاء:
يوماً بعد يوم يزداد اقتناعى بأن ذلك القرار كان أبرز نقط التحول فى المعركة التى خاضتها مصر ضد العدوان.
والقرار الذى أقصده هو قرار انسحاب القوات المصرية من سيناء والعودة بها كلها إلى غرب القناة.. إلى الدلتا، لتكون متصلة بقاعدتها، مرتكزة على أساسها، تحارب معركتها جبهة واحدة.
تذكرت ذلك القرار مرتين اليوم.
مرة فى الصباح ومرة فى المساء.
مرة فى الصباح وأنا أطالع البرقيات الواردة من القدس المحتلة تحمل تهديدات بن جوريون رئيس وزراء إسرائيل بأنه سوف يلجأ إلى استعمال ما يراه ضرورياً من إجراءات لسلامة إسرائيل إذا ما عادت القوات المصرية إلى غزة.
تهديد بالسلاح.. تصنع، ولكنه ملموس!
كيف كان شعورى وأنا أقرأ هذا التهديد؟
مزيجاً من انفعالات مختلفة، لم يكن القلق واحداً منها على أى حال، وأضيف بسرعة أننى لست من اللذين يستهينون بقوة العدو، ويتركون أمانيهم تفرش أمامهم طريق النصر، بالزهور والورود!
إنما البعد عن القلق كان مبعثه ذلك القرار المجيد.. قرار الانسحاب.
وما كان أكثر ما تتغير الصورة لو أن تهديد بن جوريون كان قد جاء بعد أن تحقق له الغرض الأساسى من مؤامراته فى 29 أكتوبر.
تلك المؤامرة كانت تهدف إلى إبادة القوات المسلحة.
وذلك الغرض ضاع على الذين سعوا إليه.
والجيش المصرى بكل أسلحته، قوى سليم، وعلى استعداد.
ولو أن قرار الانسحاب لم يصدر، أو لو كان هذا القرار تأخر، ثم تحطمت قوة مصر العسكرية واستحالت قطعاً محترقة من الحديد متروكة للصدأ على رمال سيناء.. إذن لكان ساعتها القلق.
كانت مصر اليوم تسمع تهديدات بن جوريون وهى ملقاة على الأرض تنزف دماً وذلاً.
بل لم تكن هناك حاجة بن جوريون إطلاقاً إلى أن يهدد مصر.
لمن كان يوجه بن جوريون تهديده ساعتها؟
للعدو الذى أجهز عليه؟
ولماذا يهدده؟
تكفيه إشارة إصبع.. أو نظرة عين، فيكون السمع وتكون الطاعة.
ولكن الصورة اختلفت بقرار واحد.
قرار واحد!
قلتها لنفسى وأنا أهز رأسى بعد أن فرغت من البرقية التى حملت إلى تهديد بن جوريون.
قلتها لنفسى، ثم استطردت:
قرار واحد، ولكن الله كان قائدنا حين اتخذناه!
ثم عدت إلى قرار الانسحاب مرة ثانية فى المساء.
عدت إليه أثناء حديث مع صحفى إنجليزى كان ملحقاً بالقيادة المتحالفة كما كانوا يطلقون على قيادة العدوان الثلاثى ضد مصر.
وكان هذا الصحفى الإنجليزى عائداً إلى مصر لأول مرة منذ خمسة شهور.
وطاف الحديث بنا حول الظروف التى مرت منذ التقينا لآخر مرة قبل أن تبدأ المؤامرة كلها.
وقتها كان هو فى القاهرة، ولكنه غادرها سعياً وراء أخبار المعركة الانتخابية فى الأردن.
ثم بدأت الحوادث، واستحال عليه أن يعود إلى القاهرة طبعاً.. وذهب يستطلع الأحوال ويتابع التطورات من قبرص!
عاش التجربة كما عشتها أنا بفارق واحد... كان فى الناحية الأخرى من خط القتال.
وهكذا لما التقينا اتجه بنا الحديث على الفور إلى الصورة كما كانت تبدو من هناك... من قيادة العدوان.
لقد كنا هنا نعرف الذى نفعله... ولماذا نفعله؟
وربما كنا أيضاً نعرف ما يفعلونه هناك... ولكننا لم نكن نعرف لماذا يفعلونه؟!
وتعاقبت أسئلتى واحداً بعد واحد.
متى... وكيف... وأين... ولماذا... حدث هذا ولم يحدث ذلك، ولماذا حدث على هذا النحو.. وكيف تصوروا موقفنا من هذه الخطوة أو تلك الحركة... إلى آخره.
وحين بدأ يتكلم وضع إصبعه، أول ما وضع، على قرار سحب الجيش المصرى من سيناء، ورأى أنها كانت أبرز نقط التحول فى اتجاه المعركة.
قال، وأنا أحاول أن ألتزم بقدر ما وعت ذاكرتى، حدود ما قاله، بل وأحاول أن ألتزم حدود ألفاظه.
قال:
"لم يعد سراً أنه كان هناك خلاف فى القيادة المتحالفة... خلاف فى دوائرها العليا...
أو بالتحديد خلاف بين الجنرال كيتلى القائد العام البريطانى للحملة على مصر، وبين الأميرال بارجو الفرنسى الذى كان يتولى منصب نائب القائد العام.
ولقد اشتد الخلاف بين القائد العام البريطانى، وبين نائبه الفرنسى، بسبب ظروف قرار الانسحاب الذى اتخذته القيادة المصرية.
وحين جاءت إلى القيادة المتحالفة فى قبرص أول أنباء تشير إلى أن الجيش المصرى بدأ يسحب قواته من سيناء كان هناك شك كبير فى صحة هذه الأنباء.
كان مبعث الشك أنه مستحيل أن تكون مصر تنبهت بهذه السرعة للهيكل الأساسى الذى كانت ترتكز عليه خطة غزو مصر.
وكان من بواعث الشك أيضاً أن جزءً كبيراً من تقدير موقف مصر كان مبنياً على أساس حرص مصر على عدم الانسحاب مهما كلفها من ثمن، حتى لا تتأثر هيبتها الظاهرية فى خيال الرأى العام العربى.
فلما جاءت التقارير بعد ذلك تفيد أن عملية الانسحاب مؤكدة، فقد الأميرال بارجو أعصابه.
أخذ يستحث الجنرال كبتلى على سرعة إنزال القوات فى بورسعيد حتى تلحق فتقطع الطريق على الجيش المصرى قبل أن يتم انسحابه من سيناء.
وكان الجنرال كبتلى لا يريد أن يجازف بعملية الإنزال قبل أن يكتشف سر سلاح الطيران المصرى، الذى كان قد اختفى من المعركة، وفشلت كل الجهود التى بذلت للعثور عليه.
ولكن الأميرال بارجو لم يكن يطيق الصبر.
كانت المعلومات التى تصله عن سير عملية انسحاب الجيش المصرى تثير أعصابه.
ولكن الجنرال كبتلى كان مشغولاً بإرسال الطائرات البريطانية كلها تفتش كل ركن فى مصر... فى الأرض الزراعية وفى الصحراء... بحثاً عن السلاح الجوى المصرى... وكان كبتلى يعتقد أن هناك مفاجأة كبرى تنتظره من وراء اختفاء الطيران.
ثم اكتشف كبتلى أثناء مناقشة دارت فى اجتماع لهيئة القيادة العليا للحملة أن نائبه الفرنسى الأميرال بارجو قد أعار إسرائيل كل الطائرات الفرنسية التى تعمل من حاملات الطائرات التى يضمها أسطوله.. أعارها كلها لإسرائيل تعمل فوق جبهة سيناء... ودون إذن منه.. وهو القائد العام للحملة.
وساءت العلاقات بين القائد العام البريطانى، ونائبه الفرنسى إلى الحد الذى اقتضى أن يطير أنتونى هيد وزير الحربية البريطانى، لكى يحاول بنفسه إزالة سوء التفاهم بين القائد العام ونائب القائد العام.
ثم تقرر بحضور وزير الحربية البريطانى أن يترك الجنرال كيتلى بحثه عن سر سلاح الطيران، ويسرع بالغزو!
ولم تكن قوات الإنزال جاهزة كلها.
وتقرر على أى حال إنزال جنود الباراشوت بسرعة فى بورسعيد على أن تلحق بها المجموعة الرئيسية لقوات الغزو.
ولم تستطع قوات الباراشوت أن تتقدم كثيراً من بورسعيد.
والخطير فى الأمر، أو نقطة التحول فيه، أن انسحاب الجيش المصرى كان قد تم تنفيذه، واحتشدت مجموعة الجيش المصرى الرئيسية غرب القناة.
وهكذا جاءت قوات الغزو وراء قوات الباراشوت لتجد أنها مضطرة للوقوف فى بورسعيد، لا تتقدم منها، إلا بعد أن تعيد تقدير موقفها على أساس أن الجيش المصرى استطاع إتمام انسحابه من سيناء وتمكن من تجميع قواته غرب القناة.
ولم يكن فى استطاعة كبتلى أن يتقدم على امتداد القناة وينشر قواته على جبهة رقيقة طولها أكثر من مائة ميل، هذا بينما أربع فرق مصرية على الأقل تحتشد فى مواجهته وتستطيع أن تقطع خطوطه فى أى مكان من الجبهة.
توقف تقدم قوات الغزو...
وكان لابد من إعادة تقدير الموقف.
وكانت الاستحالة العسكرية واضحة لأول وهلة.
ثم تطورت الظروف بسرعة وتوقف القتال.
واستطرد الصحفى الإنجليزى، وهذا كلامه بألفاظه:
- صدقنى لو لم يكن قرار الانسحاب قد نفذ بهذه السرعة، لكان كبتلى قد استطاع احتلال منطقة القناة... وكان الموقف كله قد انتهى!
قلت لنفسى مرة ثانية فى نفس اليوم:
- كان الله قائدنا حين اتخذنا ذلك القرار.
خبر له معنى
* السفن الصغيرة التى تمر الآن فى القناة، تدفع رسوم المرور كلها!
كلها هنا، معناها أن كل السفن تدفع، وتدفع كل رسوم المرور!
هل هذا مفهوم؟..
16/3/1957
No comments:
Post a Comment