Friday, 17 July 2009

سؤال واحد!

سؤال واحد!
ماذا فعل إذن جيش إسرائيل؟
وأين كان "موشى ديان" الذى تقمصت جسده روح نابليون؟!
سؤال واحد!

سؤال واحد، نقابله وجهاً لوجه، ونحن نسمع كل هذا الذى نسمعه هذه الأيام عن التفاصيل الداخلية للمؤامرة العسكرية الثلاثية على مصر!

سؤال واحد، يتركه وراءه فى أفكارنا، كل كتاب من الكتب التى قذفت بها المطابع فى سيل متلاحق، فى لندن وفى باريس، تروى حقيقة التفكير والتدبير ضد مصر!

سؤال واحد، يتبقى حائراً بمفرده، بعد أن بدأت الأسرار الهائلة عن مغامرة السويس، تمزق حجب الغموض التى ضُربت من حولها، وتنطلق إلى النور تعرض نفسها عارية، كما ولدتها أمها.. بل أمهاتها الثلاث.. الخاطئات!

سؤال واحد، يقف وحده فى الصدارة، وكل ما عداه يتراجع إلى مرتبة الدرجة الثانية من الأهمية!

فى الدرجة الثانية من الأهمية كل هذه الجهود التى تثبت ما أسموه فى صحف بريطانيا "التواطؤ".. فإن هذا التواطؤ ليس شيئاً جديداً علينا نحن الذين عشنا فى هذه المنطقة وتابعنا أحداثها يوماً بعد يوم!

وفى الدرجة الثانية من الأهمية أن يتأكد ما قاله "جريموند" زعيم حزب الأحرار البريطانى.. فى طيبة وسذاجة حين صاح:

- بالله.. لو أننا كنا اشتركنا فى المؤامرة ضد مصر بهذه الطريقة التى ترويها الكتب التى ظهرت فى لندن وباريس أخيراً.. فإن حكومتنا إذن لم تكن إلا حكومة أوغاد مجرمين!

وليست صيحة جريموند زعيم حزب الأحرار شيئاً جديداً.. فلقد عرفنا نحن مع كل مناورة، وكل قنبلة نزلت فوق رؤوسنا، وكل رصاصة انطلقت إلى صدورنا، وكل هابط بالباراشوت.. عرفنا نحن أن حكومة بريطانيا حكومة "أوغاد ومجرمين"!

وفى الدرجة الثانية من الأهمية أن يثبت فى ذهن العالم كله ما قالته جريدة "النيوز كرونيكل" البريطانية، حين قالت:

- أن التفاصيل التى بدأت تتسرب، تزيدنا اقتناعاً على اقتناع، بأن الحملة على مصر، كانت سفينة قرصان، حاولت أن تتخفى وتتنكر، وتدعى أنها ليست إلا زورقاً من زوارق البوليس!!

وليس هذا الذى تقوله النيوزكرونيكل جديداً علينا.. فقد كنا نعرف دائماً أنها حملة قرصان... رأينا أفعالها... بل جرائمها، وراقبنا العلم المدنس بالعار، يخفق فوقها أسوداً تطل منه الجمجمة بين العظمتين المتقاطعتين... علم القرصان!

وفى الدرجة الثانية من الأهمية هذه الخبايا عن اتصالات إعداد المؤامرة العسكرية وحبكها...

مقابلات بن جوريون مع جى موليه..

اجتماعات موشى ديان مع رئيس هيئة أركان حرب الجيش الفرنسى.

الاتصالات بين فرنسا وبريطانيا.

أحاديث إيدن ولويد، مع موليه وبينو.

الجلسات الطويلة للقيادة المشتركة البريطانية الفرنسية للعمليات ضد مصر، فى مقر القيادة المؤقت فى قبرص، وتنسيق الخطط مع إسرائيل.

فى الدرجة الثانية هذه الخبايا فليس فيها علينا جديد، وإنما كانت واضحة أمامنا... ظاهرة جلية منذ اللحظات الأولى للمعركة!

بل وفى الدرجة الثانية من الأهمية أن يتضح أن فرنسا أرادت فى بدء المعركة أن تبعث فرقة من جنود المظلات لتهبط فوق بيت الرئيس جمال عبد الناصر وتخطفه!

ليست تلك مفاجأة لنا، فإن أكبر الحقائق فى الموقف أن بريطانيا وفرنسا وإسرائيل خرجت إلى مغامرة السويس، وراء رأس رجل واحد... هو جمال عبد الناصر، لا لثأر شخصى بينه وبينها جميعاً، وإنما لأنه الرجل الذى تركزت وتجمعت وتبلورت فيه كل المعانى التى يكرهها ثالوث مغامرة السويس ويحقد عليها... والقومية العربية على رأس القائمة من هذه المعانى.

بل إننا نعرف ونقطع بما هو أكثر من ذلك... نعرف ونقطع أن خطة الهبوط بفرقة مظلات على بيت جمال عبد الناصر لم تكن معدة لمجرد خطف جمال عبد الناصر، وإنما الذين أذاعوا السر فى هذا الأسبوع توقفوا ولم يقولوا الحقيقة كلها...

كان الهدف هو قتل جمال عبد الناصر.

والمسألة واضحة...

كانت فرنسا تستطيع أن تلقى فرقة من جنود المظلات على بيت جمال عبد الناصر... ولكن ماذا تفعل هذه الفرقة بعد أن تتمكن من خطف جمال عبد الناصر... كيف تتشعلق فى الهواء وتصل مرة ثانية إلى الطائرات التى ألقت بها على الأرض؟

كيف!؟

مستحيل بالطبع.

وإذن كانت خطة جنود المظلات، وكلهم من الكوماندوس، هى القتل... وليس الخطف!

وتلك هى الحقيقة الكاملة...

ولكن... حتى هذه الحقيقة تجئ فى المرتبة الثانية.

هذه الحقيقة... وكل ما سبقها... تجئ فى المرتبة الثانية.

أما المرتبة الأولى، فيحتكرها وحده ذلك السؤال الواحد.

ذلك السؤال الواحد هو:

- ماذا فعل إذن جيش إسرائيل... وماذا كان دوره فى المعركة.

إن الكتاب الذى صدر أخيراً فى لندن بعنوان "حرب السويس" والذى كتبه الصحفى الشهير بول جونسون...

والكتاب الذى صدر أخيراً فى باريس بعنوان "حملة السويس" والذى كتبه الصحفيان الشهيران سيرجى، وميرى برومبرجير.

والمقالات التى نشرتها كل من المانشستر جارديان الإنجليزية والنيوزكرونيكل الإنجليزية، والفيجارو الفرنسية، والموند الفرنسية.

هذه الكتب والمقالات معاً... وكلها من وضع أكبر خبراء، ونتيجة تحريات أعظم الصحفيين... بل بعضها كما هو الحال فى كتاب "حملة السويس" استند إلى معلومات رسمية من الكاى دروسيه... رئاسة مجلس الوزراء الفرنسى...

هذه الكتب والمقالات معاً... تقرر الحقائق التالية، وتقيم الدليل المادى عليها بما لا يقبل... حتى مجرد المناقشة:

1- تولى الطيران الفرنسى منذ يوم 25 أكتوبر، أى قبل بدء تنفيذ عملية السويس بأربعة أيام، مسئولية الدفاع عن تل أبيب عاصمة إسرائيل ضد الغارات الجوية.

وكذلك تولى الطيران الفرنسى مسئولية الدفاع الجوى عن مطارات إسرائيل الجوية وبينها مطارات "عقيد" و"كاستنبا" و"رامات دافيد".

2- حينما بدأت المدمرة المصرية إبراهيم تغرق نفسها بعد أن تعذرت نجدتها بالطيران، لم تستطع قطع الأسطول الإسرائيلية أن تصل إليها وإنما التى وصلت إليها هى البارجة الفرنسية "كيرسان" وقد ورد اسم هذه البارجة صراحةً فى الكتاب الذى ألفه سيرحى وميرى برومبرجر.

3- سلمت فرنسا لإسرائيل قبل شهور من المعركة:

12 طائرة من طراز ميستير 4 وكان تسليمها فى شهر يناير 1956.

12 طائرة أخرى من طراز ميستير 4 وكان تسليمها فى شهر مارس سنة 1956.

12 طائرة ثالثة من طراز ميستير 4 وكان تسليمها فى شهر مايو سنة 1956.

وفى شهور أغسطس وسبتمبر وأكتوبر أى الشهور الثلاثة التى استمرت فيها عملية تدبير مؤامرة السويس، تسلمت إسرائيل من فرنسا 60 طائرة جديدة من طراز مستير 4.

ومع ذلك ففى يوم 20 أكتوبر، يوم التقى السلاح الجوى المصرى، مع السلاح الجوى الإسرائيلى، فوق سيناء، لأول مرة فى المعركة.. كان تفوق السلاح الجوى المصرى ظاهراً لدرجة أن قيادة الطيران الإسرائيلى طلبت معونة سريعة من فرنسا.. معونة مباشرة فى العمليات التكتيكية فوق سيناء، وكان العذر الذى قدمه سلاح الطيران الإسرائيلى أمامه هو القول: بأن ظهور الميج 17 مع الطيارين المصريين كان مفاجأة، وكانت معلومات سلاح الطيران الإسرائيلى تقطع بأن أقصى ما يملكه السلاح الجوى المصرى، هو الميج 15 فقط!

وفى نفس اليوم.. يوم 20 أكتوبر.. أول يوم للعمليات الجوية، قرر الأميرال الفرنسى "بارجو" الذى كان يتولى منصب نائب رئيس القائد العام للحملة الإنجليزية الفرنسية، أن يتصرف على مسئوليته، ومن تلقاء نفسه، ومن غير رجوع للقائد العام الجنرال كيلى الإنجليزى، فيعبر إسرائيل جميع المقاتلات التى تحملها حاملات الطائرات الفرنسية المشتركة فى المعركة!

4- كان الطيران البريطانى والفرنسى هما اللذين اشتركا فى عملية الضرب الإستراتيجى على المطارات المصرية والطرق ومراكز التجمعات.

5- كان الطيران البريطانى والفرنسى هما اللذين توليا عملية محاولة عرقلة إتمام انسحاب الجيش المصرى، بعد أن تقرر هذا الانسحاب.

6- كانت المدرعة البريطانية نيوفوند لاند هى التى تولت ضرب جزر تيران ومسامير بمدافعها القوية للقضاء على أى مقاومة قد تكون فيها.

7- كانت نفس المدرعة البريطانية نيوفوند لاند هى التى تولت ضرب سيناء، شرم الشيخ من البحر بقنابل مدافعها، وكذلك كانت هى التى بعثت بعدد كبير من بحارتها فى القوات المسلحة لاحتلال الشاطئ بجوار شرم الشيخ.

8- كانت الطائرات الفرنسية هى التى تولت ضرب شرم الشيخ بقنابل "النابالم" الحارقة.

9- اشتركت وحدات مدرعة فرنسية فى اللواء السابع الإسرائيلى الذى تولى ومعه لواءان من المشاة عملية الهجوم على موقع "أبو عجيلة" المصرى، والذى دارت على مشارفه، عند تل "أم كتاف" المعركة الوحيدة فى سيناء، وكان الغرض منها الثبات 48 ساعة لستر انسحاب مجموعة الجيش المصرى الرئيسى!

10- اشتركت مجموعة من ضباط أركان الحرب الإنجليز والفرنسيين مع الجنرال الإسرائيلى موشى ديان، فى عملية وضع الخطط، وكان الستار الذى استطاع هؤلاء الضباط العمل تحت حمايته فى الجيش الإسرائيلى، هو وصف: ضباط الاتصال!

هذه عشر حقائق... وهى ليست كل الحقائق، ولا أهم الحقائق، وإنما هى ما يكفى من هذه الحقائق لإثارة السؤال الواحد الذى يقف بمفرده فى الدرجة الأولى من الأهمية، وهو:

- ماذا فعل إذن جيش إسرائيل، وماذا كان دوره فى المعركة!؟

ثم:

- أين كان موشى ديان قائد هذا الجيش الإسرائيلى، والذى حاولت الدعاية الإسرائيلية أن تشبهه بنابليون العصر الحديث -! - بل وقالت واحدة منها: أن روح نابليون تقمصت جسده!

ماذا فعل جيش إسرائيل... وأين كان قائده؟!

ماذا جرى للأسطورة العسكرية... ولبطل هذه الأسطورة المغوار؟

هذا هو السؤال؟

وربما كانت الإجابة عليه عبارة صغيرة، وردت فى برقية صادرة من لندن، تعقيباً على كتاب أسرار "حملة إسرائيل" الذى كتبه "سيرجى وميرى برومبرجر" وجاء فيها بالحرف الواحد:

"... إن الدوائر العسكرية البريطانية ترى أن هذا الكتاب قد أزاح الستار عن حقيقة قوة الجيش الإسرائيلى، لأنه أثبت أن الجيش المصرى فى صحراء سيناء قد تعرض للهجوم المستمر من جانب سلاح الطيران الفرنسى، وأن السفينة الحربية الفرنسية "كيرسان" هى التى اشتركت فى المعركة البحرية ضد المدمرة إبراهيم هذا فى الوقت الذى سمحت فيه فرنسا لإسرائيل أن تنسب لنفسها الفضل فى هذه الأعمال."

........

أجل ربما كانت تلك هى الإجابة على هذا السؤال...

وربما كانت الإجابة عليه أيضاً... هى هذه المحاولة التى تبذلها إسرائيل اليوم باندفاع مجنون، وصفته صحف لندن، وليست صحف عاصمة غيرها... اندفاع مجنون إلى محاولة شراء كل نسخة فى السوق من كتاب "أسرار حملة السويس" الذى "كتبه سيرجى وميرى برومبرجر".

اندفاع مجنون... لإنقاذ البقية الباقية من أسطورة جيش... وأسطورة رجل...

جيش إسرائيل... وقائده موشى ديان... الذى تقمصت جسده روح نابليون!!

3/4/1957

No comments:

Post a Comment