Saturday, 11 July 2009

يوميات أخبار اليوم

الاثنين:

لابد هنا من وقفة! وقفة طويلة.
فأمامنا الآن مثال معبر، يستطيع بفصاحة منقطعة النظير، أن يحكى ويتكلم، ويشرح القصة الكاملة لمعركة من أعنف معارك الحرب المعلنة علينا..
حرب الأعصاب.
لابد من وقفة، وقفة طويلة، أمام هذه المحاولات الهائلة التى راحت تنثر بذور الشك فيما بين الملك سعود، وبين مصر، حتى إذا جاء يوم الحصاد، كان المحصول فرقةً وتباعداً.
محاولات هائلة، وطبقاً لخطة مرسومة، إلى آخر وأدق تفصيل فيها!
أقول هذا وأمامى مجموعة كاملة من البرقيات التى وردت إلى القاهرة عن رحلة الملك السعودى، ذاهباً عبر البحر وعبر المحيط، عائداً عبر المحيط وعبر البحر صورة عجيبة ترسمها هذه البرقيات حينما يمسك بها المرء فى يده حزمة واحدة.
إن كل برقية منها - فى حد ذاتها - لا تعنى كثيراً.
ما أشبهها بلمسات الألوان عند رسم صورة.. أى صورة.
إن كل لمسة منها لا تزيد ولا تنقص عن أن تكون بقعة لون، لا معنى لها ولا قيمة.
ولكن حين تتجمع اللمسات وتتلاقى وتمتزج لكى تصنع الصورة، يتم فى الوقت نفسه خلق المعنى والقيمة.
ذلك تماماً ما حاولت الأنباء عن رحلة الملك سعود أن تصنعه.
لمسات أشبه ببقع اللون لا معنى لها ولا قيمة فى ذاتها.
سطر يزيد.
سطر ينقص.
كلمة تعبأ فيها المعانى دون أن يبدو لذلك أثر على ظاهر الحروف.
عمليات تجميع وتفريق للأخبار بعضها مع بعض أو بعضها عن بعض، حتى تلقى ظلالاً لا يتسرب إيحاؤها منساباً إلى العقول والافهام.
لمسات خفيفة كل منها بقعة لون.
ولكنها لمسات لم تصنعها الصدف، وإنما صنعتها خطة مرسومة، تقصد من ورائها فى نهاية الأمر أن ترسم صورة.

صورة معينة... محددة.

صورة تريد أن تقول أن الملك سعود ليس حيث تظن مصر، رفيقاً فى نفس المعركة، صديقاً فى نفس الكفاح.

ذلك ما كانت الصورة المعينة المحددة تريد أن تقوله فى نهاية الأمر!

ثم ماذا بعدها؟

هل ذلك كل شئ؟

لا.. طبعاً، وإنما الصورة مقدمة، وبعدها كان يجب - طبقاً للخطة المرسومة - أن تحدث أشياء كثيرة!

أشياء كثيرة، منها أن يشعر العالم أن الجبهة العربية المتحررة تفككت.

وأشياء كثيرة، منها أن يشعر العرب أنفسهم أن الصف المحارب شرد إلى فلول هاربة.

وأشياء كثيرة منها أن تتشجع الجرذان الصغيرة فتخرج من جحورها إلى العراء تمثل دور الأسود، واثقة أن الأسود مشغولة بالأسود، وأنها - هذه الأسود - سوف ينهش بعضها بعضاً حتى لا يتبقى منها فى نهاية الصراع غير الذيول.

ولكن تلك كلها معنويات ورموز، فهل كان الهدف الوحيد، الذى ترمى الخطة المرسومة إلى تحقيقه كله مقصوراً على المعنويات والرموز؟!

لا... طبعاً!

وإن كان فى جيبى مليون جنيه لكنت راهنت بها كلها، وأعصابى ثابتة لا تهزها رعشة، على أن الذين رسموا الخطة للطريقة التى أخرجت بها أخبار رحلة الملك سعود كانوا يريدون - ومهما كلفهم ذلك من ثمن - أن يبدر من مصر رد فعل عاطفى سريع لأخبار رحلة الملك بالطريقة التى أخرجت بها.

كان الحساب قائماً على أساس أن سعود هناك ومصر هنا، وبينهما بحر ومحيط!

والظروف عاصفة، والأنواء تهب من كل الاتجاهات.

والرسائل الرسمية تتلكع، وتغطى وجهها بأكثر من قناع من أقنعة الديبلوماسية، ثم تدلف إلى ظلام الشفرات السرية.

أما الرسائل غير الرسمية.. رسائل الأخبار فحالها غير هذا الحال.

لا أقنعة ولا ظلام.

إنما هى تصفر عبر المحيطات والبحار فى ومضات خاطفة كأنها صواريخ القذائف الموجهة!

وكان حساب الذين رسموا الخطة بعد ذلك أن تتطور الأمور على النحو التالى مثلاً:

1- الأخبار يوماً بعد يوم، كلمسات الألوان، ترسم الصورة المطلوبة.

2- تتأمل مصر فى الصورة المرسومة أمامها ثم تشعر بعدها أن الملك لم يعد حيث كان رفيق معركة وصديق كفاح وإنما هو آثر أن ينجو بنفسه ويختار الطريق السهل ويبتعد.

3- لا تطيق مصر السكوت وإذن تبدر منها كلمة أو حتى تمتمة خافتة تعبر عن الدهشة أو عن الألم أو قد يصل الشطط إلى حد أن تعبر الكلمات أو التمتمات عن خيبة الأمل!

4- ينقل كل حرف تقوله مصر أو تتمتم به إلى الملك سعود، وينقل بنفس الطريقة، طريقة لمسات الألوان.. كما حاولوا أن يصنعوا له صورة فى عين مصر، يحاولون أن يصنعوا لمصر صورة فى عينه.

5- يشعر الملك بالمرارة.

6- ينقل رد الفعل عند الملك إلى مصر - وبنفس الطريقة - ليكون له بدوره رد فعل جديد.

ثم لا تمضى أيام قليلة حتى تكون البذور المنثورة، بذور الشك، قد اختفت تحت السطح، وأخذت تكون لها جذوراً تتشعب فى باطن الأرض، قبل أن تخرج بفروعها المرشوقة بالشوك لتواجه نور الشمس!

ذلك كان الحساب الذى قدره هؤلاء الذين رسموا الخطة المرسومة، إلى آخر وأدق تفصيل فيها!

أكاد أتخيلهم، وأكاد فى الخيال أرى ملامحهم، حول الموائد الكبيرة فى الغرف الواسعة التى غطيت جدرانها بالخرائط، بل وأكاد فى الخيال أن أسمع مناقشاتهم وهم يتابعون تنفيذ الخطة المرسومة دقيقة بعد دقيقة.

أتخيل.. ولا أتوهم، ولست من هواة قراءة القصص البوليسية، بحيث تكون أثرت على أعصابى وجعلتنى أتوهم سماع دبيب أقدام تتحرك فى الظلام، ورجالاً ملثمين يرسمون طريق شر مخضباً بالدماء، وهياكل عظمية تولول فى أقبية مهجورة.

ثم يكون ذلك من صنع الوهم..

هذا بينما الشمس ساطعة، والزهور تتمايل مع النسيم، والسلام يملأ قلوب البشر أجمعين!

ليس وهماً ذلك الذى قلته فإنى أعلم المدى الذى وصلت إليه أساليب حرب الأعصاب.. الحرب النفسية كما يسمونها علمياً، وكما يطلقون على الإدارات التى تقوم بعملياتها، وقد أصبح لكل دولة من الدول الكبرى الآن.. إدارة ضخمة لهذه العمليات!

لقد أصبحت حرب الأعصاب.. الحرب النفسية.. عملية من أخطر العمليات وأعقدها فى تاريخ الصراع من أجل القوة ومن أجل السيطرة.

بل أصبحت حرب الأعصاب أعقد من حرب النار التى أصبحت حرباً تقليدية تنتمى إلى زمان فات أوانه.

إن حرب النار لها بداية ولها نهاية.

لها يوم تعلن فيه، أو تتفجر فيه.

ولها يوم توقع فيه الهدنة، أو تصمت فيه المدافع..

أما الحرب النفسية فمعركة مستمرة متصلة ليس لها بداية وليس لها نهاية.

وحرب النار لها ميادين تندلع فيها ألسنة اللهب وتتصادم فيها الجيوش بالجيوش.

أما الحرب النفسية فلها ميدان فى عقل وقلب كل بشر.

والكارثة أن هؤلاء البشر لا يشعرون بالذى يدور فى العقول والقلوب.

عقولهم هم، وقلوبهم هم.

وحتى إذا وقعت المعجزة وشعروا بالذى يجرى، فليس بينهم من يستطيع أن يدرك إن كان النصر معه فى المعركة أو أن الهزيمة هى التى لحقت به فتعثر معها ووقع على الأرض!

فى وصف هذا الصراع صك المعقب المشهور والتر ليبمان كلمته الشهيرة "الحرب الباردة" وأطلقها حتى تعلقت على طرف كل لسان وكل قلم.

ولكن الناس أحياناً يتصورون الكلمة لعبة بارعة الألفاظ.

ولكن الواقع ليس كذلك!

يكفى أن يقرأ المرء تعريف الحرب النفسية الذى نشر فى كتاب المصطلحات العسكرية الذى أصدرته رئاسة هيئة أركان الحرب المشتركة فى الجيش الأمريكى ليدرك هذا الواقع.

إن تعريف الحرب النفسية ورد فى هذا الكتاب الرسمى كما يلى:

"الحرب النفسية هى عملية استعمال الدعاية والوسائل والإمكانيات المختلفة

بقصد السيطرة على الآراء والعواطف والمواقف والتصرفات الصادرة من عدو أو من جماعة أجنبية بحيث يكون انفعالها فى اتجاه يتوافق مع اتجاهات سياستنا الوطنية أو العسكرية ".

وحين انتهت الحرب العالمية الثانية كان أقصى ما وصلت إليه الحرب النفسية هو إلقاء المنشورات، أو إنشاء محطات الإذاعة فى السر أو فى العلن.

وكانت معجزة المعجزات يومها مثلاً، محطة الإذاعة السرية التى أنشأها الألمان بقصد التأثير على الشعب الروسى.

وسبب المعجزة هو الأسلوب المبتكر - أو الذى كان مبتكراً فى ذلك الوقت - الذى اتبعته هذه المحطة فى عملها!

كانت تهاجم هتلر كل يوم وتصفه دائماً بالدكتاتور الفاشستى.

وكانت تسمى نفسها "إذاعة حرس لينين القديم".

وكانت تشجع الشعب الروسى وتحمسه للحرب وتدعو له بالنصر ثم تقول فى نهاية كل إذاعة:

"ما كان أحوج شعبنا فى هذه المحنة الرهيبة، إلى رءوس الزعماء التى قطعها السفاح ستالين".

والمفروض بعدها أن يقع الشعب الروسى فى الفخ المنصوب، ويتصور أن المحطة التى تصف هتلر بالدكتاتورية والفاشية تعبر فعلاً عن رأى "حرس لينين القديم" ثم يبدأ الشعب الروسى بعدها يتحسر على رؤوس الزعماء التى قطعها "السفاح" ستالين وكانت روسيا فى حاجة إليها فى هذه المحنة الرهيبة.

ولكن الدنيا تطورت.

والحرب النفسية تقدمت، خصوصاً بعد أن استحالت أو كادت تستحيل حرب النيران بعد أن دخلت ميدانها قنابل الذرة تحملها القذائف بين القارات.

أصبح التركيز على الحرب النفسية أكثر وأشد.

كانت هناك مثلاً محطة إذاعة واحدة فى السر ومحطة إذاعة واحدة فى العلن هى الإذاعة الألمانية الرسمية باللغة الروسية تحاول التأثير على الشعب الروسى الذى يقترب تعداده من مائتى مليون!

أما الشعب المصرى، الذى لا يزيد تعداده إلا قليلاً على العشرين مليوناً، فإن عدد محطات الإذاعة المسلطة عليه فى الحرب النفسية المعلنة ضده، وصل إلى تسع محطات.. ثلاث منها تتحجب بالغموض، والست الباقية تجاهر بالمعركة رسمياً وبطريقة مباشرة!

ورغم ذلك فإن سلاح محطات الإذاعة مهما كثر عددها، ومهما ظهرت

أو اختفت قد أصبح سلاحاً عتيقاً بالياً!

وإنما أصبحت هناك أسلحة جديدة ومبتكرة.

إن كلمة واحدة أو جملة واحدة يمكن الآن أن تكون معركة طاحنة من معارك الحرب النفسية!

وثمة مثال قريب.. لم تنته مصر منه حتى الآن.. جملة صغيرة بسيطة تقول:

" إن مصر رهنت محصولها السنوى من القطن كله لتحصل على الأسلحة الروسية ".

جملة صغيرة بسيطة كثر تكرارها حتى وقع فيها القريب.. قبل الغريب!

ألم تشتر مصر صفقة أسلحة كبيرة من روسيا؟

أجل!

ألم يكن الاتفاق أن تدفع مصر الثمن قطناً ومقسطاً على عدة سنوات؟

أجل!

أليس القطن هو العمود الفقرى للاقتصاد المصرى؟

أجل!

إذن مسكينة مصر..

اقتصادها أصيب بالشلل لسنوات مقبلة.. رهنت كل محصولها من القطن.. لكى تحصل به على أسلحة!

والعجيب أن الذين اخترعوا هذه الجملة وسبكوها فى هذا القالب البارع كانوا أول من يعرف الحقائق.

إن صفقة الأسلحة لا تكلف مصر ذلك العبء الكبير الذى بالغوا فيه.. بل إن أقساطها تسدد من الميزانية العادية لوزارة الحربية من غير عنت ومن غير إرهاق.. بل إن المبالغ المخصصة للتسلح من قبل الثورة كانت تكفى لسداد الأقساط، والفارق الوحيد هو أن المال كان موجوداً وقتها، أما الذى لم يكن موجوداً فكان السلاح.. فلما تيسر السلاح.. كان المال جاهزاً حاضراً.

ثم إن ثمن صفقة الأسلحة لا يدفع قطناً وإنما يدفع بالجنيهات المصرية نقداً.

والذى يأخذ المال يصرفه فى السوق المصرية.. ولا يتقاضاه من مصر نقداً صعباً يضعه فى جيبه ويخرج به من الحدود.

إن الأمر ليس فيه خفاء فإن البنك الدولى يحصل على صادرات كل دولة ووارداتها.. وصادرات مصر ووارداتها مثل غيرها فى متناول يد البنك الدولى تنشر وتذاع كل عام.

وإذن فحركة القطن المصرى ظاهرة واضحة.

لم يُرهن من أجل السلاح.. وإنما هو حر طليق فى الأسواق يقوم بدوره فى الاقتصاد المصرى.

ولكن العبارة كلها "عبارة رهن القطن المصرى" معركة مقصودة من معارك الحرب النفسية، هدفها واحد هو زلزلة قوائم الاقتصاد المصرى عن طريق التشكيك فيه!

ثم قد تكون هناك أهداف أخرى صغيرة بجانب هذا الهدف الواحد الكبير!

قد يكون هناك مثلاً أن تحاول مصر الدفاع عن سمعة اقتصادها فتجازف وتنشر تكاليف صفقة الأسلحة كلها وقيمة الأقساط السنوية، وإذن تخرج الصفقة التى مازالت قيمتها الحقيقية حتى الآن سراً من أغلى الأسرار لتخدم أغراض الذين صاغوا عبارة رهن القطن من أجل السلاح!

وقد يكون هناك مثلاً أن يشعر الشعب المصرى بالضيق لأنه تكبد من أجل السلاح عبئاً ثقيلاً لا يتكافأ مع الغرض الذى كان من أجله يريد السلاح!

وقد يكون هناك مثلاً أن يشعر شعب آخر غير الشعب المصرى يتلقى بين الوقت والآخر صدقات من السلاح بأن موقفه على أى حال - رغم ضآلة ما يحصل عليه من صدقات السلاح - خير من حال الذى حصل على ما يريد من السلاح ولكن دفع كل ما يملك ثمناً لهذا السلاح، ولقد كان والتر ليبمان نفسه صاحب تعبير "الحرب الباردة" هو الذى قال:

"إذا لم تفلح الحرب النفسية فى إقناع شعب بأن حالته أسوأ مما هى عليه فعلاً... فقد تفلح فى إقناع شعب آخر بأن حالته أحسن مما هى عليه فعلاً!

ومع ذلك... فلماذا الأمثلة من بعيد؟

ألا يكفى ذلك المثال المعبر الذى بدأت به هذا الحديث، عن المحاولة الهائلة لبذر بذور الشك بين الملك سعود وبين مصر، لكى يحكى ويتكلم، ويشرح القصة الكاملة لمعركة من معارك الحرب النفسية المعلنة علينا الآن.

أظنه يكفى!

وإذا كانت الخطة المرسومة لم تفلح فى زرع الشوك بين الملك السعودى وبين مصر، فلم يكن السبب ضعفاً فى الخطة أو قصوراً فى وسائل تنفيذها.

إنما كان السبب رجلاً فى القاهرة خبيراً هو الآخر فى الحرب النفسية وفى أساليبها.

قطب حاجبيه وهو يتأمل البرقيات التى تتابع رحلة الملك سعود.

ثم هز رأسه وقال:

- لا.. إننى أعرف سعود!

وانتهى الأمر عند هذا الحد.

لا رد فعل عاطفى سريع.. لا خيبة أمل هنا تعقبها مرارة هناك.. لا بذور للشك تختفى تحت السطح. تتشعب جذورها تحت الأرض قبل أن تظهر فروعها المرشوقة بالشوك لتواجه نور الشمس!


الثلاثاء :

راقبت من بعيد العرض العسكرى الذى قامت به الفرقة المدرعة الرابعة!

ثلاثمائة دبابة فى طابور واحد.

ورحت بين الوقت والآخر أرفع عينى فى السماء أشاهد، طائرات الميج والأليوشين تخترق الفضاء أسرع من الشهب.

وكان فى رأسى خاطر واحد:

- إن اللحظة التى صدر فيها القرار بانسحاب القوات المدرعة من سيناء، وابتعاد الطيران المصرى عن سماء المعركة كانت من أعظم ساعات حياتنا!

ما كان أسهل يومها أن تصدر الأوامر إلى القوات المدرعة فى سيناء:

- قفوا مكانكم، لا يهمكم انقطاعكم عن القاعدة، حاربوا معركة يائسة إلى آخر طلقة وآخر رجل.

وما كان أسهل يومها أن تصدر الأوامر إلى أسراب الطائرات المقاتلة وقاذفات القنابل:

- هيا انطلقوا إلى السماء، لا يهمكم أن الإنجليز أطلقوا فى أعقابكم ألف طائرة.. حاربوا واسقطوا وموتوا.

ما كان أسهل هذا يومها.

وبعده مجموعة من قصص البطولة.

وتكون بريطانيا وفرنسا مازالتا حتى الآن تحتلان، لا بورسعيد وحدها، وإنما القطر كله من الإسكندرية إلى أسوان، وتكون إسرائيل محتلة سيناء كلها ورافعة علمها على قناة السويس!

وكان ذلك ما يريده العدو تماماً!

كان نصف خطة العدو يعتمد على ما يعرفه عن الشرق من خيلاء!

اعتمد العدو على أن الخيلاء سوف تعمى مصر عن أن ترى المؤامرة المدبرة من الفرسان الثلاثة... أو قطاع الطرق الثلاثة.

قاطع طريق يتقدم فى سيناء.

وتخرج مصر للمعركة.

وما أن تبدأ المعركة حتى يهجم باقى قطاع الطرق من الخلف لاحتلال قناة السويس.. وتصبح مصر.. جيش مصر محصوراً...

عدوا من أمام، وعدوان من وراء.

وكان بين ما اعتمد العدو عليه أنه إذا استطاعت مصر أن تفتح عيونها وترى الخطة، فإن الخيلاء.. نفس الخيلاء ستقطع عليها طريق الرحمة، وتبعد عن أفكارها أى لمحة عقل توحى إليها أن خير وسيلة للتقدم هى الرجوع بسرعة إلى الوراء!

كان الإنجليز فعلاً لا يتصورون أن الشرق قادر على أن يفكر بعقلية دنكرك ومنطقها.

لقد كاد الجيش البريطانى فى فرنسا سنة 1940 أن يقع بين فكى كماشة زحفت بها عليه جحافل هتلر ومدرعاته.

وكان تشرشل يملك أن يقف ويقاتل إلى آخر رجل وإلى آخر طلقة.

ولكن تشرشل اكتشف أن هناك فارقاً كبيراً بين الشجاعة والخيلاء.

وأصدر أمره بالانسحاب المشهور فى دنكرك.

وعاد بجيشه ليحمى الجزيرة البريطانية نفسها، ثم يستحكم لينطلق.

وكانت الظروف التى واجهها جيش مصر فى سيناء وفى منطقة القناة أصعب عدة مرات من ظروف دنكرك.

ولم يكن فى حساب العدو أن تفكر مصر بعقلية دنكرك وأن تنجو بسلام من تجربة الشجاعة والخيلاء.

كان العدو يعرف أن مصر حريصة على سمعة جيشها.

خصوصاً فى عيون الشعب العربى كله الذى كان ينظر إلى هذا الجيش باعتباره درعاً واقياً له من خطر إسرائيل.

وعلى هذه النقطة بالذات كان العدو واثقاً أن عقلية دنكرك سوف تكون آخر ما تفكر فيه مصر.

توقع العدو أن تكون الخيلاء هى الخيار الذى تستقر عليه مصر.

تستقر عليه وتقول بفدائية:

- انظروا أيها العرب.. ها هو جيشنا يقتل من أجل الدفاع عنكم!

وكانت أولى المفاجآت التى تلقاها العدو بعد أن بدأت المعركة هى أن خيار مصر استقر على الشجاعة.. ولم يقع فى شرك الخيلاء.

استطاعت مصر فى لحظة من أصعب اللحظات فى تاريخها.. وأمجد اللحظات أن تتبين طريق الواجب الأصيل.

استطاعت مصر فى هذه اللحظة أن تقول:

إن هذا الجيش قد أُعد ليقاتل.. ولم يُعد ليُقتل.

لقد كان الوقوف فى سيناء يواجه الحصار.

وكان ترك سلاح الطيران المصرى فى السماء يواجه ألف طائرة حشدها الإنجليز وحدهم.

كان ذلك كله أمراً للجيش والطيران بأن يُقتلا.. ولم يكن أمراً للجيش والطيران أن يقاتلا!!

لم تنس مصر فى هذه اللحظة أن هناك عدوين، وإن بدا فى مرات كثيرة أنهما عدو واحد.

إسرائيل... والاستعمار...

كان الجيش المصرى هو السلاح الذى أُعد لإسرائيل.

وكانت القومية العربية، والقوة المعنوية لدول باندونج، والأمم المتحدة، والدول الصديقة كلها - هى الأسلحة التى أُعدت للاستعمار.

وتكاتفت إسرائيل والاستعمار فى ضربة واحدة كان هدفها الجيش المصرى وتخليص إسرائيل إلى الأبد منه ومن وجوده...

وتركها بعد ذلك تملك وتحكم باسمها واسم الاستعمار وتملى شروطها على المنطقة كلها...!

ومن هنا رُسمت خطة الفخ للجيش المصرى فى سيناء.

وركزت ألف طائرة حشدها الإنجليز وحدهم وسبعمائة طائرة حشدتها فرنسا وإسرائيل لسحق الطيران المصرى وإبادته!

وكان حساب الخيلاء أن ينتهى أمر الجيش المصرى وأمر الطيران المصرى فى مواجهة هذه الظروف وتحت ضغط هذا التركيز فى مدى أسبوع.

وتركع مصر ساجدة على ركبتيها.. ومن ورائها القومية العربية كلها.

ولكن اللحظة العصيبة.. أعصب اللحظات، كانت لحظة مجيدة، أمجد اللحظات..

انسحب الجيش. وابتعد الطيران.

وتعثرت المؤامرة كلها وانكفأت على وجهها..

وتنبه العالم.. القومية العربية فى الطليعة ودول باندونج والدول الصديقة - وأكون جاحداً إذا لم أقل أن روسيا كانت فى مقدمتها - والأمم المتحدة كلها.

وسقط الاستعمار صريعاً فى المعركة.

ووقفت إسرائيل، تعاند فى غيظ المسعور.

ولكن جيش مصر لا يزال هناك.

وطيران مصر مازال قادراً على أن يهدر فى السماوات..

الجيش والطيران اللذان أعدا لمواجهة تهديد إسرائيل..

لقد بقيا.. ليقاتلا... وما كان أسهل أن يذهبا.. ليُقتلا.

أحسست وأنا واقف أرقب الفرقة المدرعة الرابعة بدباباتها الثلاثمائة.. هذا بينما الطائرات تمرق فوقها بأسرع مما تمرق الشهب..

أحسست أن كل دبابة.. كل قائد دبابة... وأحسست أن كل طائرة.. كل قائد طائرة..

كل واحدة منها، وكل واحد منهم رمز.

رمز لانتصار الشجاعة على الخيلاء.

الشجاعة التى يهمها أن تقاتل.. وليست الخيلاء التى لا يهمها أن تقتل..

أمانى

* تمنيت لو أن السيد كميل شمعون انتظر بموافقته على مشروع أيزنهاور حتى يوافق الكونجرس الأمريكى نفسه على هذا المشروع.

ماذا لو أن الكونجرس أدخل تعديلاً جديداً على المشروع؟

هل يبادر الرئيس اللبنانى ليعلن موافقته على هذا التعديل الجديد؟

أم أن موافقة الرئيس اللبنانى كانت على بياض، أعنى أنها للمشروع وكل تعديل للمشروع.. وأى تعديل للمشروع.

هذه ملاحظة على الشكل.

* تمنيت لو أن المذيع الذى قرأ بيان الأقطاب العرب الأربعة ليلة إذاعته لم يحاول أن يقرأ البيان بطريقة تمثيلية.

إن بيان الأقطاب الأربعة خبر.

والأخبار ينبغى أن تُقدم كما هى من غير أى محاولة دراماتيكية مصنوعة للتأثير على السامع أو على القارئ!

* تمنيت لو أن الجمارك المصرية فى المطارات والموانئ، عادت إلى تسامحها القديم مع الداخلين والخارجين.

قال لى سيد مصرى عائد إلى وطنه أن واحدة من حقائبه لم تفتح فى أى بلد ذهب إليه، فلما وصل مطار القاهرة.. لم يكتفوا بتفتيش كل واحدة من حقائبه وإنما فتشوا حافظة أوراقه.. وجيوب معطفه.

* تمنيت لو استطعنا أن نتسامح مع عدد كبير من الأجانب الذين كانوا قد تركوا مصر من تلقاء أنفسهم فى الشهور الثلاثة الأخيرة.

إن عدداً كبيراً من هؤلاء الآن فى إيطاليا يتحينون الفرصة للعودة إلى مصر.
ولقد تلقت القنصليات المصرية فى إيطاليا وسويسرا فى الأسبوعين الأخيرين 167 طلباً من أجانب كانوا فى مصر وغادروها من تلقاء أنفسهم - يطلبون فيها أن يسمح لهم بالعودة إلى البلد الذى كان لهم وطناً حقيقياً.
وإذا كان 167 قد تشجعوا وكتبوا بأصابع أيديهم طلبات العودة إلى مصر فما من شك أن هناك أضعاف هذا العدد يتطلعون عبر البحر إلى مصر بأسف وندم.
تمنيت لو أُجيبت طلبات العودة إلى مصر من كل راغب فيها.
أسبابى أكثر من مجرد التسامح!
2/3/1957

No comments:

Post a Comment