Friday, 17 July 2009

يوميات أخبار اليوم

الأحد:

هل ستقوم حرب جديدة فى الشرق الأوسط؟

سؤال لم أسمع غيره طوال هذا الصباح.

وكانت هناك عوامل كثيرة تضفى عليه ومن حوله، جواً خاصاً مشحوناً بإيحاءات الاحتمال!

من هذه العوامل الكثيرة، نشيد التهديد، الذى راح بن جوريون، فى البرلمان الإسرائيلى، وراحت جولدا مائير فى تصريحاتها إلى الصحف العالمية، وراح أبا إيبان فى أحاديثه فى أروقة الأمم المتحدة ذاتها، ينشدونه جماعة واحدة، بينما أصداؤه المعبأة بالنذر تتردد وتتجاوب بين تل أبيب وباريس ولندن.. ونيويورك!

ومن هذه العوامل الكثيرة أيضاً، أنه بمحض الصدفة وحدها، يقوم الجيش المصرى الآن بمناورات واسعة النطاق، ومن هنا استمرت بعض التحركات العسكرية فى القاهرة إلى قرب الفجر، وكان الناس وقد استيقظوا لتناول طعام السحور، يراقبونها باهتمام، ويتابعون فى جد طوابيرها المسلحة قادمة تحت جنح الظلام من أماكن مجهولة أخرى!

ثم ينهض الناس فى الصباح.

وتطالعهم الصحف بأنباء نشيد التهديد المتصاعد من الناحية الأخرى من خط الهدنة.

ثم تعود بهم الذاكرة إلى التحركات التى رأوها فى هذه الناحية قبل الفجر.

ثم يكون سؤالهم.. هو ذلك السؤال:

- هل ستقوم حرب جديدة فى الشرق الأوسط؟!

ورأيى، وأرجو أن تثبت الأيام أنى لم أكن متمادياً فى خطأ، أننا لسنا على أبواب حرب جديدة، سريعة، فى الشرق الأوسط. ولقد وضعت خطاً تحت كلمة سريعة، ذلك لأن خطر قيام الحرب، سيظل قائماً فى الشرق الأوسط، ما دام مصنع المتاعب الذى اسمه إسرائيل، باقياً يملأ أسواق هذا الشرق بمنتجاته من المشاكل، والمصاعب.. والمصائب!!

إنما الذى أقول أننا لسنا على أبوابه هو خطر حرب داهمة فى الشرق الأوسط خلال أسبوع أو أسبوعين، أو شهر أو شهرين... ومع ذلك من يدرى؟!

تحفظ لابد أن أضعه، لأن أحداً لا يقدر ولا يملك، أن يصدر أحكاماً عن المستقبل المخبئ فى الغيب، حتى وإن كانت هذه الأحكام... مجرد آراء وأفكار.

وليس معنى أننى لا أتوقع حرباً سريعة فى الشرق الأوسط... أننى أتصور أن الهدوء والسلام والصفاء عادت جميعاً إلى هذا الشرق الأوسط... وأن الانفجارات العنيفة التى زلزلت آفاقه قد تلاشت إلى الأبد فرقعاتها.

لا...

ليس هذا هو المعنى الذى أقصده.

وإنما الذى أقصده أن هذه الانفجارات ستظل على الأرجح، انفجارات متباعدة متفرقة، ولن تتحول إلى دمار شامل!

ستظل هذه الانفجارات لأن هناك قوى كثيرة تتصور أن مصلحتها أن تظل هذه الانفجارات، وتتصور أن عودة الهدوء والسلام والصفاء إلى الشرق الأوسط آخر ما يناسب أغراضها.

ومن هذه القوى إسرائيل، التى لا مصلحة لها فى هدوء وسلام وصفاء، لأن هذا الهدوء والسلام والصفاء، لن يمكنها من جمع أى تبرعات لمساعدتها على أساس أنها إسرائيل الصغيرة المسكينة... المحاطة من كل ناحية بغيلان العرب!

ومن هذه القوى فرنسا، التى لا مصلحة لها فى هدوء وسلام وصفاء، لأنها تؤمن أن انتصارها فى استعمار الجزائر ينبغى أن يسبقه انتصار على القومية العربية فى الشرق الأوسط، يكسر شوكة المجاهدين هناك، ويفت فى عضدهم، ويقطع عنهم العون، ويفقدهم الأمل!

ومن هذه القوى بريطانيا، التى لا مصلحة لها فى هدوء وسلام وصفاء، لأنها تريد أن تثبت لأمريكا، وللعالم كله، ولضميرها الذى يؤرقه عذاب الإحساس بالجرم، أن الأمم المتحدة أعجز من أن تستطيع مواجهة المشاكل فى الدنيا، وبالتالى أن بريطانيا كانت على حق حينما لجأت إلى القوة لتفرض رأيها على مستقبل قناة السويس!

ولكن هذه الانفجارات، ستظل، وبرغم هذا كله، متباعدة متفرقة ولن تتحول إلى دمار شامل، لأن هناك عوامل أقوى من إسرائيل وفرنسا وبريطانيا، تحكم الموقف وتسيطر عليه!

ومع ذلك فأنا أضع يدى على قلبى خشية ما هو أكثر، وأشد هولاً من مجرد قيام حرب جديدة فى الشرق الأوسط.

أضع يدى على قلبى خشية حرب عالمية ثالثة... وأخيرة من غير شك.

حرب بالقنابل الذرية، والهيدروجينية، والصواريخ الموجهة.

هذا هو الخطر الحقيقى الذى بدأ يلقى ظلاله على الكرة الأرضية كلها!

إن الإنذارات التى توجهها روسيا كل يوم، إلى الدول التى تسمح لأعداء روسيا بإقامة القواعد الحربية على أرضها هى فى رأيى أكثر من مجرد حرب أعصاب، تتخذ التهويل وسيلة إلى "التهويش"!

هذه الإنذارات الموجهة إلى النرويج، وألمانيا وبريطانيا، وتركيا، واليابان، وغيرها من دول أوروبا ودول الشرقين الأوسط والأقصى التى اشتركت فى الأحلاف العسكرية... هذه الإنذارات تثير فى نفسى قلقاً ليست له حدود!

إنها أكثر من إنذارات... إنها نذر.

نذر بأن "الساعة" تقترب.

"الساعة" التى تلتقى فيها البشرية كلها وجهاً لوجه بحرب ذرية!

"الساعة" التى حاول عدد من "الأفراد"، وعدد من "الشعوب" أن يحولوا بكل طاقتهم دون وقوعها!

إن علماء الغرب، الذين ساعدوا روسيا فى الحصول على أسرار القنبلة الذرية لم يكونوا خونة... ولا كانوا مجرمين.

وإنما هؤلاء العلماء - مهما كان الرأى فى تصرفهم - فعلوا ما فعلوه وفى رأسهم فكرة..

لقد انتابهم بعد قنبلة هيروشيما... القنبلة الذرية الأولى التى أدت إلى استسلام اليابان - شعور رهيب بالخطيئة.

إنهم توصلوا إلى سلاح رهيب... وضع أخطر قوى الكون... فى خدمة المطامع والشهوات التى تؤدى إلى الحروب..

ولم يكن فى طاقة هؤلاء العلماء أن يستردوا ما أعطوه.

ومن هنا نشأت فكرة توزيع العطاء وإباحة السر.

وكان تقدير هؤلاء العلماء أنه إذا بقى احتكار الأسلحة الذرية لدولة بعينها فإن ذلك إغراء لها باستعمال هذا السلاح فى إخضاع الدنيا بأسرها.

وكان هدف هؤلاء العلماء خلق نوع من التوازن بين أمريكا وروسيا، كان فى تصورهم خير ما يحقق السلام على الأرض، لأنه إذا عرف كل فريق، أن الفريق الآخر يملك من أمر السلاح المخيف نفس ما يملك هو... تردد ألف مرة قبل أى مغامرة!


ولقد أدركت هذا الاتجاه لأول مرة ذات يوم من أيام شهر نوفمبر سنة 1952، وكنت أتمشى فى حديقة جامعة برنستون الأمريكية، أتحدث مع العالم المشهور أينشتين أستاذ العلوم الطبيعية فى جامعة برنستون، والرجل الذى فتح الأبواب للذين صنعوا القنبلة الذرية.

وقال لى أينشتين يومها وهو يدوس بقدميه على أوراق الخريف الجافة الحمراء التى كانت تتساقط وتملأ ممرات حديقة برنستون:

- إن أخطر مشاكل عالمنا اليوم، أن عضلاته أصبحت أكبر كثيراً وأقوى كثيراً من رأسه!!

وبعد هذه الملاحظة وجدتنى أكثر قدرة على فهم تصرفات عدد كبير من العلماء الذين راح الشعور الرهيب بالخطيئة بعد قنبلة هيروشيما... يملى عليهم تصرفاتهم.

وجدتنى أكثر قدرة مثلاً على فهم تصرفات عالم أمريكى مثل روبرت أوبنهيمر، وكان يلقب بأبى القنبلة الذرية، لأنه كان الرئيس المباشر لجماعة العلماء التى صنعت هذه القنبلة فى أولدريدج.

لقد حاول أوبنهيمر أن يحول دون صناعة القنبلة الهيدروجينية.

وكان فى رأيه أن تلك مسألة لا ضرورة لها، لأن العالم كان قد وصل إلى نوع من التوازن بعد أن تبين أن الروس فجروا قنبلة ذرية...

وأن المال الذى سيصرف فى صناعة القنبلة الهيدروجينية، ينبغى أن يوجه إلى السلام مادامت الحرب قد تحولت إلى ضرب من الجنون بعد أن أصبحت القنبلة الذرية أكداساً فى مخازن الفريقين!

ووجدتنى - بعد ملاحظة أينشتين - أكثر قدرة على فهم تصرفات عالم إنجليزى مثل فوخس!

كان "إدوارد تيللر" قد تمكن من صنع القنبلة الهيدروجينية بمعونة عدد من العلماء... بينهم العالم الإنجليزى فوخس!

وسلم "فوخس" أسرار القنبلة الهيدروجينية للروس، أو سلمهم أسراراً سهلت لهم صنعها... وقربت يوم امتلاكهم لها!

وكان الدافع... نفس الدافع.

كسر احتكار سلاح رهيب... وبالتالى إيجاد نوع من التوازن.. يحول دون استعماله.

وأنا أقول أن ملاحظة أينشتين جعلتنى أكثر قدرة على فهم تصرفات أوبنهيمر وفوخس، ولا أقول أنها جعلتنى أقدر على الحكم...

ذلك أن هذا الحكم ليس من شأنى.

بل وأرجح الظن أنى كنت أستسلم للإحساس بالوطنية، لو أن أوبنهيمر وفوخس، كانا مصريين، واسلما أسرارهما إلى أعداء مصر، وكنت أحكم عليهما بالخيانة!

وعلى أى حال فقد كان توصل الروس إلى سر القنبلة الهيدروجينية

هو الدافع الحقيقى إلى عقد مؤتمر جنيف الذى اجتمع فيه الأربعة

الكبار فى صيف سنة 1955، فى أول محاولة جدية لإقرار السلام.

وكانت الحقيقة الكبرى فى هذا المؤتمر... أن الحرب أصبحت أمراً مستحيلاً ومن ثم ينبغى العثور على طريقة للعيش فى سلام!

وكان مؤتمر جنيف فى حقيقة أمره انتصاراً لأفكار العلماء الذين كان يضايقهم أنهم صنعوا للعالم عضلات أكبر وأقوى من رأسه، وكان أيضاً راحة لهم من الشعور الرهيب بالخطيئة بعد قنبلة هيروشيما!

تلك لمحة من محاولات الأفراد اللذين حاولوا بكل طاقتهم أن يحولوا دون مجىء "الساعة"!

وكانت هناك محاولات من شعوب كثيرة.

إن الشعوب التى نبذت الأحلاف العسكرية، وقامت تنادى بالحياد، لم تكن تنظر إلى الأمر نظرة أنانية ضيقة، ولم تكن تستهدف الحرص على سلامتها الشخصية وحدها.

إن الحياد كان محاولة عالمية لإيجاد كتلة ثالثة تكون جسراً يلتقى عنده الفريقان المتنازعان.

وأى موقف كان يواجه العالم، لو أن كل شعوب الأرض كان عليها أن تختار بين الانضمام إلى أمريكا أو الانضمام إلى روسيا.

وأى موقف مروع كان يواجه العالم لو أن أراضى كل دولة كان عليها أن تختار بين أن تكون قاعدة أمريكية لضرب روسيا، أو قاعدة روسية لضرب أمريكا.

وأى موقف مروع كان يواجه العالم، لو أن جيوش كل بلد كان عليها أن تتجمع معاً، وتخضع إما لقائد أمريكى يضع خطة للهجوم على روسيا، أو تخضع لقائد روسى يضع خطة للهجوم على أمريكا!

مواقف لم تكن لها من نتيجة إلا الحرب... حرب ذرية!

من هنا كان الحياد أكثر من سياسة.

من هنا كان الحياد رسالة.

خصوصاً إذا كان أصحاب هذا الحياد من لا يمتلكون السلاح الرهيب، وبالتالى لا يستطيعون أصلاً أن يكونوا أطرافاً فى المعركة.

وخصوصاً إذا كان هذا الحياد إيجابياً، أى أنه لا ينطوى على نفسه سلباً، وإنما يبدى رأيه فى كل مشاكل العالم مع الحق... فى صف أمريكا إذا كان الحق معها فى مشكلة، وفى صف روسيا إذا كان الحق معها فى مشكلة أخرى.

بل من هنا كان الحياد طريقاً للسلام.

طريقاً للسلام... لا لأصحابه والمنادين به وحدهم... وإنما طريقاً للسلام... للجميع!

ومن هنا أيضاً كانت التكتلات العسكرية طريقاً للحرب.

والدليل هو كل هذا الذى نراه ونسمعه هذه الأيام.

وبين الذى نراه ونسمعه... هذه الإنذارات الروسية للنرويج وألمانيا وبريطانيا وتركيا واليابان وغيرها من دول أوروبا، ودول الشرقين الأوسط والأقصى.. التى اشتركت فى الأحلاف وسمحت لأمريكا بإقامة القواعد على أرضها.

والعامل الطارئ المخيف، أن أمريكا بدأت تزود قواعدها فى كل هذه البلاد بمعدات الهجوم الذرى.

وكان رد روسيا هو التهديد بإبادة هذه القواعد!

وليس ذلك مجرد تهديد.

وهل يعقل أن تظل روسيا ساكتة وقواعد الهجوم الذرى تحيط بها من كل ناحية فى شبه نطاق؟

هل يعقل أن تظل روسيا ساكتة حتى يتم إحكام نطاق الحصار... ثم لا يكون أمامها ذات صباح إلا أن تستسلم بعد أن تكتشف أن كل شبر فى أرضها أصبح مكشوفاً للضرب الذرى؟

وإذا لم تسكت روسيا... والدلائل كلها تشير إلى أنها لن تسكت.

إذ لم تسكت... فماذا سيحدث؟!

يدى على قلبى.. فهذا هو ما أخشاه.. أكثر مما أخشى حرباً جديدة تقوم فى الشرق الأوسط!!


الثلاثاء:

مرة أخرى مع الدكتور محمود فوزى وزير الخارجية المصرية.

وقلت له، وأنا أجلس على مقعد أمامه.. قلت له من غير مقدمات:

- أرجوك.. هذه المرة كلمنى بصراحة.. لا تلق بى مكتوفاً إلى بحار "الفلسفة".. أصرخ وأصرخ وما من مغيث.. ثم أغرق.. هذه المرة كلمنى بصراحة، قل لى:

كيف حال هذه المفاوضات التى تقوم بها مع رايموند هير سفير أمريكا فى مصر بشأن قناة السويس!!

وتطلع إلىّ الدكتور فوزى.. ثم قال بهدوء:

- لقد سألت داج همرشولد، وكان يجلس مكانك هنا على نفس هذا المقعد منذ أيام:

"هل تريد أن تشعر فى جلستك بأنك "مهم" أو بأنك "مستريح؟".

وقال لى همرشولد: "لا يعنينى الشعور بالأهمية.. أفضل الشعور بالراحة".

وقلت له: "إذن اجلس بجانبى على هذا المقعد الصغير... إن هذا المقعد الكبير الذى تجلس عليه يوحى بالأهمية، هذا صحيح، ولكنه مقعد متعب وأنا أعرفه!"

واستطرد الدكتور فوزى يقول:

- وقام همرشولد فجلس على هذا الكرسى الصغير المريح.

والآن أسألك نفس السؤال: هل تريد أن تشعر بأنك "مهم" أو بأنك "مستريح"؟!

قلت وأنا أنهض من المقعد الكبير وأتجه إلى المقعد الذى انتقل إليه من قبلى داج همرشولد:

- بدأنا بداية غير مشجعة.. أحس أنى على أبواب التيه..

واستطردت أقول:

- ماذا كان جرى فى الدنيا لو أنك قلت لى مباشرة قم من فوق هذا المقعد لأنه متعب، وأجلس على المقعد الآخر لأنه مريح.

وألقيت بنفسى على المقعد الصغير المريح وقلت للدكتور فوزى:

- ومع ذلك.. لقد كنت بدأت أسألك عن مفاوضاتك مع السفير الأمريكى بشأن قناة السويس.. ماذا يجرى فى هذه المفاوضات؟

وقال وزير الخارجية:

- نريد أن نوفر الكرامة لقناتنا.. لا نريد أن نجعلها سخرية بين قنوات العالم.

قلت لوزير الخارجية:

- ألا تستطيع أن تكلمنى من غير رموز.. رحمة بى وقل لى كلاماً أستطيع أن أفهمه وأن أتابعه!

قال الدكتور فوزى:

- بصراحة نحن نقول للطرف الأمريكى... تعالوا نتعاون بدل أن نتشاحن، نحن نريد أن تكون القناة مجرى خير.. ولا نريدها أن تكون مجرى شر.

وإذا لم نستطع نحن وأنتم أن نجلس على مائدة، ونتفاهم، فلابد أن هناك خطأً أساسياً بيننا.

وقلنا للطرف الأمريكى أن نوايانا طيبة.

ليس فقط لأننا قوم طيبون.

وإنما أولاً لأننا أنانيون.

وإذا لم نقل لهم هذا فنحن إذن كذابون!

إن نوايانا طيبة بالنسبة لمستقبل القناة.. لأن ذلك صالحنا، ونحن نحب صالحنا ونحرص عليه.. والذى لا يحب نفسه دولياً.. يكون أبله!

نحن نريد القناة أعمق ما تكون... وأوسع ما تكون.. وأكفأ ما تكون لأن ذلك فى صالحنا قبل أن يكون فى صالح الآخرين".

وسكت الراهب البوذى الذى يجلس على مقعد وزير الخارجية المصرية، ثم نظر إلىّ متسائلاً وقال:

- أليس هذا كلاماً صريحاً.. هل ترى فيه رموزاً؟

قلت:

- لا... لكى أكون منصفاً لك أحب أن أقول أنك تكلمت من غير رموز.. ولكن لكى أكون منصفاً لنفسى ينبغى أن أقول لك أن ما قلته لى كان كلاماً عاماً.. من غير تحديد.

واستطردت أقول:

- ومع ذلك ربما كان لك عذرك.. أنت لا تريد أن تخوض فى أسرار المفاوضات.. دعنى أسألك عن باقى مشاكلنا الدولية بعيداً عن مفاوضاتك مع ريموند هير..

ولم ينتظر الدكتور محمود فوزى.. وإنما قال على الفور:

- تسألنى عن باقى مشاكلنا الدولية.. أنت تتحدث بالجمع.. ولكنى أراها مشكلة واحدة مفردة.. إنها مشكلة واحدة هى مشكلة الانقضاض..

قلت متسائلاً:

- الانقضاض.

قال:

- أجل الانقضاض.. أو التساقط.

- لقد صعدنا الجبل حتى قمته.

كانت القمة يوم وقفنا فى الجمعية العامة للأمم المتحدة ومعنا 74 صوتاً من أصواتها وإسرائيل على الجانب الخاطئ وحدها.. عارية ليس معها إلا صوت فرنسا.. والعرى الكامل وقتها أشرف من صوت فرنسا.

هل تتصور أن الصعود إلى هذه القمة لا يفرض علينا أى التزامات.

يجب أن نحتفظ بالذين وقفوا إلى جانبنا.. إلى جانبنا.

لهذا أقول أن أخطر مشاكلنا الدولية هى الانقضاض.

إن الذى يقف فوق الجبل... يرى كل شئ هادئاً... ولا تصل الأصوات إلى أذنيه إلا أصداء خافتة.

ولكن حينما يحين وقت النزول... ستقترب المرئيات بتفاصيلها... وتدوى الأصوات عنيفة صارخة... تلك هى الحياة ولا نستطيع أن نعيشها فوق قمة جبل طول الوقت... لنبقى بعيدين عن تفاصيلها وأصواتها.

لا نستطيع أن نبقى طول الوقت على القمة نتفرج.

وإنما حان أن ننزل بأقدامنا من فوق الجبل... إلى الحياة نفسها... نحياها ونتفاعل معها... من غير أن يحدث لنا انقضاض أو تساقط.

وتلك مشكلة عويصة..

ذلك أن العالم ليس طيب القلب... والنوايا الدولية ليست بريئة.

ولا يكفى أن نكون أصحاب حق... وإنما المشكلة العويصة هى كيف نجعل هذا الحق مقبولاً للآخرين.

من هنا لابد أن نخلق "الجو" لحقنا.

إننا لا نعيش على جزيرة روبن سن كروزو.. ولا نحيا فيها حياة انفرادية انعزالية.

إنما نحن نعيش مع باقى الناس... ويجب أن نحاول ملاقاة باقى الناس.

واستطرد وزير الخارجية المصرية:

- هل تعلم الخط الأساسى الذى تلتزمه سياسة مصر الخارجية؟

واستطرد الدكتور محمود فوزى:

- خط سياستنا هو:

أن مصر ليست هى الثور الذى يحمل الدنيا على قرنه، كما تقول الأساطير.

أعنى نحن لا نعتبر أن مصر هى المسئول الأول عما يجرى فى الدنيا من أقصاها إلى أقصاها..

لا...

إنما نحن نقول أن مصر تحمل لواء رسالة سامية وعظيمة..

وسياسة مصر... أو الخط الذى تسير فيه هذه السياسة هو:

كيف تتجاوب مصر مع مثلها العليا.. ولا تخضع للقوة أو التهديد.

طبق هذا على سياستنا فى القناة.

نحن نريد القناة تعاوناً بيننا وبين الجميع... ونحن نفتحها لتجارة الأرض تمر فيها ذاهبة إلى الشرق عائدة منه... أو ذاهبة للغرب عائدة منه... برخاء وسلام..

ولكننا فى نفس الوقت على استعداد للوقوف ولو وحدنا إذا حاول أحد أن يخرج هذا التعاون عن دائرته إلى دائرة الجرى... إلى دائرة التحكم مثلاً..

فى هذه الحالة نقاوم..

لقد قاومنا ثلاث إمبراطوريات.

الإمبراطورية البريطانية... والإمبراطورية الفرنسية.. والإمبراطورية الصهيونية وليست دولة إسرائيل إلا شيئاً صغيراً فى هذه الإمبراطورية التى يمتد نفوذها إلى بقاع كثيرة وغنية.. بعيدة عن الشرق الأوسط.

وتطلع إلىّ وزير الخارجية المصرية وسألنى:

- هل اتضح أمامك خط سياستنا؟

قلت باسماً:

- ألا تستطيع أن تزيده إيضاحاً...

قال ببراءة:

- أرجوك... لا تتردد أن تطلب منى أى تفسير.

قلت لك أننا أصحاب حق..

وقلت لك أن ذلك لا يكفى وإنما المهم أن نجعل حقنا مقبولاً للآخرين.

تلك سياسة مصر.

ينبغى أن نجعل حقنا مقبولاً بأن نسانده بالعقل، والصبر، والمرونة، وإلا كان حقاً مجرداً من السلاح فى عالم كل ما فيه مدجج بالسلاح.

ولكن ينبغى أن نحترس...

إن أشباه الأشياء.. أضداد لها فى كثير من الأحيان.

خذ المرونة مثلاً..

إن المرونة قد يختلط أمرها مع الميوعة.

ولكن ما أبعد الفرق.

إنه نفس الفرق مثلاً بين الشجاعة والرعونة.

المرونة طيبة وكذلك الشجاعة.. والميوعة قتالة وكذلك الرعونة!

إن سياستنا تطبيقاً لهذا كله أن نحاول جعل العداوات أقل عداءً،

وأن لا نترك الصداقات... فإن الصداقات لابد أن تُغذى ولا تُترك للجوع..

من هنا ولدت فى قاموس العلاقات البشرية ألفاظ "المسايرة" و"الملاينة"

و "المداراة".

وقبل أن تولد هذه الكلمات فى القاموس... كانت معانيها موجودة فى الحياة!

ومرة أخرى تطلع وزير الخارجية المصرية إلىّ وسألنى:

- هل زاد الأمر وضوحاً؟

قلت مرة أخرى باسماً:

- مازال فى حاجة إلى الزيادة.

قال بنفس البراءة:

- عال... سأمضى فى المحاولة.

إن القاهرة هى مركز سياستنا.

ولكن القاهرة جزء من العالم وليست كوكباً قائماً بذاته، وحتى لو كانت كوكباً قائماً بذاته، فإن هذا الكوكب يسقط ما لم يكن معلقاً بموازين التجاذب مع غيره من الكواكب.

ولقد عشنا فى شهورنا الأخيرة تجربة أراد لنا الله فيها أن نحمل عن البشرية كلها رسالة هائلة.. هى الوفاء لمثل أعلى... هو الحرية.

ولقد حملنا الرسالة... ويجب علينا أن نشكر الله بتكريمنا بها.

فكيف نشكره؟

هل نشكره بالغرور أو بالتواكل..

لا..

إنما نشكره بأن نحاول بأعمالنا أن نشب على أطراف أصابعنا لنبدو فى ارتفاع ما وصلنا إليه.

إنما نشكره بأن تكون أعمالنا فى إطار عالمنا.

إن الهواء الذى نتنفسه هواء مصرى عربى، ولكن رياحاً من الجنوب ومن الشمال تدخل فيه، هذا لأن هواء مصر، ليس بمعزل عن هواء العالم.

كذلك يجب أن نكون.

وعندما نخترع الصواريخ التى تنقل الناس من كوكب إلى كوكب، ويكون بيننا من لا يعجبه عالمنا فسوف نترك له حرية ركوب الصواريخ إلى كواكب أخرى.. ومع ذلك فرأيى أن العالم الذى تعرفه خير من العالم الآخر الذى لا تعرفه.

إذن نعيش فى عالمنا.. ونتجاوب معه.

ولكن لا نبحث بأنفسنا عن المتاعب، ولا نقول كما قال لورنس فى قصيدته:

"ولكن يا إلهى لقد كنت حراً من كل أزهارك.

ولكنى بحثت عن ورود العالم الحزينة.

ولهذا أدمت أشواكها قدمى.. وأعمى العرق عينى!".

وكذلك فى نفس الوقت لا نغمض عيوننا ولا نقول كما قال توماس هاردى فى قصيدته:

"لماذا تحمل عقول الناس آلاماً جديدة.

وهى تنوء بالآلام..

إننى الآن وإلى آخر أيام حياتى.

سوف لن أقول ما أرى.

وإذا امتدت بصيرتى إلى أبعد ما تراه العيون المغمضة المكبلة.

فقسماً بالحق الطليق.. سوف أدع كل شئ فى مجراه.

ولا أخبر أحداً بما أرى!"

وسكت الدكتور محمود فوزى، وتطلع إلىّ بعينيه الصغيرتين، ثم قال:

- ما أظنك تطلب إيضاحات أكثر من هذا..

قلت على الفور:

- أبداً!

قلتها وأنا أضحك... فى يأس!

بسرعة..

* ناقلة البترول الأمريكية التى حملت بترول إيران إلى ميناء إيلات عبر خليج العقبة.. دليل جديد يدين حلف بغداد.

ناقلة من حلف بغداد.

وبترول من حلف بغداد.

والناقلة والبترول.. لإسرائيل.

تحية لنورى السعيد!

* ما هى النتيجة التى انتهى إليها العدوان الثلاثى على مصر؟

كانوا يتجهون بهجومهم إلى مصر.. حتى يتمكنوا من احتلال مصر..

ولكن العدوان الذى فشل فى هجومه لاحتلال مصر نجح من غير هجوم فى احتلال لبنان!

أليست غريبة الغرائب؟!

* قرأت خطبة روبرت منزيس التى قال فيها البغل الأسترالى أنه طالب الرئيس جمال عبد الناصر بأن يعقد صلحاً مع إسرائيل!

كذاب!

إن كلمة إسرائيل لم ترد على لسان منزيس فى مصر إطلاقاً، وأعضاء لجنته شهود على ذلك..

ولكن البغل الأسترالى يريد أن يستجلب رضى الصهيونية عليه فيخترع مواقف الدفاع عن إسرائيل اختراعاً.

كذاب!

وأعضاء لجنته شهود.

ومع ذلك له فى كذاب آخر من أصدقائه مثل.. ألم يقل إيدن أنه دخل الحرب ضد مصر ليفصل الجيشين المتحاربين... جيش مصر وجيش إسرائيل!

* من قلبى أرثى لبريطانيا!

كنت متأكداً أن الإمبراطورية البريطانية ستنتهى... وكنت أقدر لنهايتها خمس سنوات أخرى، ولكن الشهور الخمسة الماضية صنعت كل ما كنت أتصور أن تصنعه خمس سنوات.

منظر بريطانيا اليوم لا يكاد يصدق..

بلد مفلس... يسرح جيشه... ويبيع أسطوله... ويعتمد على غيره فى الدفاع عن نفسه!

أتوقع انتخابات جديدة فى بريطانيا قبل نوفمبر من هذا العام.

وأتوقع أن يفوز العمال...

محاولة أخيرة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من الإمبراطورية التى لم تكن تغيب عنها الشمس... وتوشك الشمس الآن أن لا تشرق عليها أبداً!

* قال لى المليونير اللبنانى المعروف أميل البستانى، أنه يضع فى جيبه دائماً بطاقة ذات حافة سوداء، يعطيها لكل من يطلب مقابلته لكى يطلب منه قضاء حاجة...

البطاقة ذات الحافة السوداء مكتوب عليها ما يلى بالحرف الواحد.. بحروف مطبوعة.. أنيقة بارزة.

"إن قصتك لمست شغاف قلبى".

"لم أسمع من قبل أن رجلاً واحداً يواجه ما تواجه أنت من مشاكل..".

"أرجوك أن تتقبل هذه البطاقة إظهاراً منى لمشاعرى الطيبة نحوك".

* مرة ثانية سئلت:

- هل يمكن تنظيم حركة لمقاطعة المرور فى قناة السويس؟

مرة ثانية أجبت:

- لا.. وهناك دليل.

إذا كانت هناك نية صادقة لمقاطعتها... ففيما كانت كل هذه اللهفة، والتكاليف من أجل تطهيرها؟

* آخر حلم لفرنسا وإسرائيل!

إن اجتماعات تعقد الآن بين هيئة أركان حرب الجيش الفرنسى، وهيئة أركان حرب الجيش الإسرائيلى.

وتحت البحث خطة لقذف جماعات فدائية للهبوط بالباراشوت فوق القاهرة واغتيال رجل واحد تعتقد فرنسا وإسرائيل أنه سبب كل مصائبهما!

مجانين!!

13/4/1957

الصورة التى يراها رجل عائد من جزيرة بعيدة مهجورة!



الصورة التى يراها رجل عائد من جزيرة بعيدة مهجورة!
6 مبادئ و6 تفسيرات لها... بأيها تأخذ مصر؟
ماذا قال محمود فوزى فى الأمم المتحدة لهنرى كابوت لودج؟
افتراض.. مجرد افتراض؟

لنفرض أن رجلاً ذهب منذ ستة شهور إلى رحلة فى جزيرة بعيدة مهجورة.. ليس بينها وبين أى بقعة غيرها على الأرض اتصال مباشر أو غير مباشر.. لا تليفون، ولا إذاعة، ولا صحف.. ولا.. ولا، ولا شئ على الإطلاق، وقضى هذا الرجل على الجزيرة البعيدة المهجورة ستة شهور، ثم عاد من رحلته.

عاد إلى أى عاصمة من عواصم الغرب.. إلى باريس مثلاً، أو لندن، أو نيويورك، ثم عكف على الصحف التى تصدر فى هذه العواصم يقرؤها بلهفة وشوق، حتى يعود إلى الحياة فى دنياه، يفهم ما يجرى ويتابع ما يتعاقب من الأحداث، ما الذى سيفهمه هذا الرجل مما تقرؤه عيناه؟

الصحف فى الغرب كلها تطالب بضمانات من مصر لصالح إسرائيل!

الصحف فى الغرب كلها تتحدث عن عدوان مصر على إسرائيل!

الصحف فى الغرب كلها تتحدث عن تحدى مصر للقوانين الدولية!

الصحف فى الغرب كلها تتحدث عن تمرد مصر على الأمم المتحدة!

وعلى هذا الأساس، هل يمكن أن يفهم الرجل العائد من الجزيرة البعيدة المهجورة، إلا أن مصر هى التى هاجمت إسرائيل، وهى التى اعتدت عليها، وهى التى تحدت كل قانون، وتمردت على كل سلطة دولية تستند فى أحكامها على العدل والقانون؟

الرجل العائد من الجزيرة البعيدة المهجورة.. لا يستطيع أن يفهم إلا هذا.. وله العذر، فذلك ما تقوله الصحف التى وقعت فى يديه.

ولكن..

هل ذلك هو ما حدث؟

أم أن عكسه تماماً هو الحقيقة.

وأن إسرائيل هى التى هاجمت، واعتدت، وتحدت وتمردت!

ولكنها حملة الأكاذيب، التى كُتب على مصر أن تواجهها، بعد أن فرغت لتوها من مواجهة حملة النار التى تقدمت هاجمةً عليها من سيناء ومن منطقة القناة، حملة أكاذيب.. تجترئ على كل قيمة، وتنقض كل عهد، وتشوه كل جلال.. وتحاول أن تطفئ كل نور.. حتى يكون الحكم للظلم.. وللظلام!

لم تتورع حملة الأكاذيب عن شئ، لم تكتف بأن تختلق ضد مصر ما شاء خيال الذين يوجهوا لها.. بل شاءت أن تختلق على لسان مصر نفسها.. أشياء لم يجر بها لسان مصر بل لم تخطر ببالها.

حتى حين قررت مصر عودة إدارتها العربية الوطنية إلى غزة لم تتورع حملة الأكاذيب عن أن تتهم مصر بأنها خالفت ما سبق أن تعهدت به.

ومضت حملة الأكاذيب تصور مصر فى مظهر الذى لا يحترم كلمته، ثم تدعى أن مصر كانت وافقت على أن لا تعود الإدارة المصرية إلى غزة.. ثم خرجت على الوعد، لما وجدت فرصة صالحة وثبت منها إلى أغراضها.

ثم انكشفت حملة الأكاذيب حين لم تستطع أن تبرز دليلاً مادياً واحداً على أن مصر سبق أن وافقت على عدم عودة الإدارة المصرية إلى غزة.

بل اتضح أن مصر كانت تُصر على عودة هذه الإدارة، حتى قبل أن تنسحب إسرائيل من غزة.. وكانت تُصر على ذلك صراحةً.

بل أنه حدث مرة فى الأمم المتحدة أن المستر هنرى كابوت لودج مندوب أمريكا الدائم لدى هذه المنظمة الدولية - قال للدكتور محمود فوزى أنه يعد قراراً ينص على قيام فترة انتقال بين انسحاب إسرائيل من غزة وبين عودة مصر إليها، على أن يكون الأمر خلال هذه الفترة فيه للأمم المتحدة تهيئ الجو، وتزيل آثار الماضى، وتمهد للمستقبل - ولكن الدكتور محمود فوزى رفض صراحةً، وقال لهنرى كانوت لودج:

- إذا قدمت مثل هذا القرار فسوف تعطى مصر صوتها ضده، وسوف تطلب إلى جميع أصدقائها أن يفعلوا نفس الشىء.

ولم يقدم كابوت لودج هذا القرار!

وإذن فإن مصر لم تكن قد قطعت على نفسها وعداً بأن لا تعود الإدارة المصرية إلى غزة، وإنما مصر كانت مصممة طوال الوقت على عودة إدارتها إلى غزة.

وأكثر من هذا أن مصر لم تترك تصميمها هذا - نية كامنة فى ضميرها.. حتى حانت فرصة مناسبة للوثوب - بل كانت طول الوقت تتحدث بأصرح لغة ممكنة عن نواياها وخططها.

المبادئ الستة؟!

واليوم تمسك حملة الأكاذيب بعلم جديد ترفعه للرياح تخفق فيه، وتحاول أن تلقى فى روع الدنيا، إنه علم الحق.

والعلم الجديد اسمه "المبادئ الستة" التى أقرها مجلس الأمن لحل مشكلة قناة السويس.

وتمضى حملة الأكاذيب تحاول أن ترسم مصر فى صورة الذى تنكر لعلم الحق، وألقاه على الأرض.. على التراب وعلى الأقذار.. وتمادى فداس فوقه مبالغةً فى الإذلال والهوان، ولكن هل هذا صحيح؟!

أبداً...

ومع ذلك ما هى هذه المبادئ الستة التى أقرها مجلس الأمن؟

بعد مناقشات طويلة ومضنية.. فى السر وفى العلن، انتهت اجتماعات مجلس الأمن التى عقدت فى أول شهر أكتوبر سنة 1956.. انتهت بالوصول إلى ستة مبادئ رئيسية.. رأى مجلس الأمن أن تجرى على ضوئها مفاوضات فى جنيف، بين مصر من ناحية وبين بريطانيا وفرنسا من ناحية أخرى، بغية الوصول إلى حل نهائى للمشكلة التى ثارت بعد تأميم قناة السويس.

وفى نفس الجلسة التى انتهى فيها مجلس الأمن إلى هذه المبادئ الستة، تعاقب أعضاء المجلس، كل منهم يحاول أن يفسر مفهوم هذه المبادئ الستة كما يرى هو.. وعلى نحو من سياسة بلاده.
كان أول المتكلمين هو سلوين لويد وزير خارجية بريطانيا.

"قال سلوين لويد بالنص:

"أن الحكومة البريطانية ترى أن خير تطبيق للمبادئ الستة، هو مقترحات الدول الثمانى عشرة التى انتهى إليها مؤتمر لندن".

وقام بعده كريستيان بينو وزير خارجية فرنسا فقال:

"إن مقترحات الدول الثمانى عشرة هى خير ما يضمن مصالح الدول المهتمة بالقناة فى هذا المجرى المائى الخطير، ذلك هو رأى الحكومة الفرنسية".

وقام بعده ديمترى شبيلوف وزير خارجية روسيا وقتها فقال:

"إن مبادئ الدول الثمانى عشرة تتنافى مع سيادة مصر، ولا يمكن أن تكون تفسيراً لهذه المبادئ الستة التى انتهت إليها مناقشاتنا".

وقام بعده جون فوستر دالاس وزير خارجية أمريكا فقال:

"مع أن حكومة الولايات المتحدة ترى أن مقترحات الدول الثمانى عشرة هى خير تطبيق للمبادئ الستة، إلا أن حكومته لا ترى من العسير إمكان التوفيق بين هذه المقترحات وبين أى مقترحات محددة تقدمها الحكومة المصرية".

وقام بعده بول هنرى سباك وزير خارجية بلجيكا.. فلم يكتف بمقترحات الدول الثمانى عشرة وإنما طالب بما هو أشد.

وجاء الدور على وزير خارجية مصر.. الدكتور محمود فوزى الذى وقف وقال صراحةً:

"أحب أن تعرفوا وجهة نظر الحكومة المصرية بكل وضوح وكل تحديد..

نحن نعتبر أن خير تطبيق لهذه المبادئ الستة هو توكيد اتفاقية سنة 1888 المعقودة فى القسطنطينية.

موعد فى جنيف..

وانتهت هذه الجلسة الأخيرة لمجلس الأمن فى مناقشة مشكلة قناة السويس..

وتقرر أن يتحدد يوم 29 أكتوبر سنة 1956.. أى بعد أسبوعين من تاريخ جلسة مجلس الأمن.. موعداً لعقد الاجتماعات المرتقبة فى جنيف بين مصر من ناحية، وبريطانيا وفرنسا من ناحية أخرى لإجراء مفاوضات على أساس المبادئ الستة، وجاء يوم 29 أكتوبر.. يوم المفاوضات المقرر عقدها فى جنيف.. فى المقر الأوروبى للأمم المتحدة.. المطل فى أناقة وجلال على بحيرة "ليسان"، والذى عاشت فيه عصبة الأمم حتى نسفت وجودها مدافع الحرب العالمية الثانية..

جاء يوم 29 أكتوبر.

ولم يجئ المتفاوضون، وإنما فى مساء نفس اليوم المقرر للمفاوضات هجمت إسرائيل على مصر، وفى اليوم الثانى جاءت بريطانيا وفرنسا فى أعقاب إسرائيل، والهدف هو القضاء على مصر عسكرياً.. بتحطيم جيشها.. وإرغامها على الاستسلام.

مؤامرة رهيبة، ولكن النصر كان مع مصر، فقد كانت طرفاً فى حلف مقدس.. حلف مع الله.

وتراجعت جيوش البغى.

وبدأت آثار العدوان تزول أثراً بعد أثر.

واستعدت قناة السويس.. لعودة الملاحة إليها من جديد، وكان إغلاق هذه القناة أول أثر من آثار حملة السويس الفاشلة.

ماذا أهملته مصر؟!

وتكرر الحديث عن قناة السويس!

وأذاعت مصر مذكرتها على العالم بشأن مستقبل القناة، وسارعت حملة الأكاذيب.. ترفع علم المبادئ الستة.. المبادئ الستة!

ولكن ما الذى تقوله هذه المبادئ الستة.. إنها كما يلى:

1- حرية المرور فى قناة السويس.

2- احترام سيادة مصر.

3- عزل القناة عن السياسة.

4- اتفاق على الرسوم.

5- تحديد نسبة عادلة من هذه الرسوم للتحسين.

6- التحكيم فى حالة أى نزاع.

والآن ما الذى قالته مذكرة مصر غير أنها وضعت حلولاً عملية لهذه المبادئ؟

أعلنت مذكرة مصر ضمان مصر لحرية المرور، وأعلنت عزم مصر على صيانة سيادتها، وأعلنت توكيدها لاتفاقية 1888، وأعلنت أن نظام الرسوم سيبقى كما كان فى عهد الشركة القديمة، وكان هذا النظام موضع رضا جميع الدول بدليل أن دولة منها لم تتقدم بشكوى واحدة ضده، وأعلنت مصر تخصيص 25 فى المائة من الرسوم لمشروعات تحسين القناة، وأعلنت مصر قبولها للتحكيم فى حاله أى نزاع.

أين إذن مخالفة مصر للمبادئ الستة.. أو حتى أين إهمال مصر للمبادئ الستة!

أم ترى المخالفة والإهمال هما التفسيرات الأخرى المختلفة للمبادئ الستة!

تفسير سلوين لويد لها.. وتفسير كريستيان بينو لها.. وتفسير جون فوستر دالاس لها.. وتفسير بول هنرى سباك لها..

تفسير هؤلاء جميعاً لها: أن خير تطبيق لها هو مقترحات الدول الثمانى عشرة التى هى فى الواقع ليست إلا عملية تدويل للقناة؟!

********

وبعد إننا لا نقول كان الله فى عون مصر على ما تلاقى من حملة الأكاذيب، وإنما نقول كان الله فى عون المبادئ.. كل المبادئ... حتى المبادئ الستة!!

10/4/1957

يوميات أخبار اليوم

الاثنين:

ملاحظة واحدة سمعتها منه، ولم أترك له بعدها فرصة لحديث.

وكنت قبلها تاركاً له أذنى، حابساً عنه لسانى.

أى كنت أسمع ولا أتكلم.

ولكن ملاحظة لمست عصباً حساساً.

قال: - وكانت ظروف مشكلة قناة السويس هى الموضوع الذى التقى عنده اهتمامنا.

قال:

- طبعاً... تستطيعون الآن إملاء شروطكم فى مستقبل قناة السويس...

فى يدكم الورقة الرابحة وهى القناة نفسها.

وقد فشل استعمال القوة، وذلك أقصى ما كان يملك خصومكم من وسائل إرغامكم على التنازل.

لقد حالفكم الحظ.. وفى مقدوركم الآن ببساطة، أن تقولوا للدنيا هذه هى شروطنا، وإذا لم تعجبكم، فأمامكم البحر... اشفطوا ماءه المالح حتى آخر قطرة فيه!

وتطلع إلىّ الديبلوماسى الأفريقى الكبير... ثم استطرد:

- أليس هذا هو الموقف؟

وكان العصب الحساس فىّ ينبض، وتكاد نبضاته المسرعة أن تتحول إلى رعشة.

وقلت على الفور:

- لا... أنت تظلمنا... أنت تسلب وطننا صفحة من أعظم صفحات تاريخه.

واستطردت أقول:

- لا... ليس هذا صحيحاً.

إننا لا نتمسك بموقفنا الآن، والآن فقط، بعد أن فشل - كما تقول - استعمال القوة ضدنا، وذلك - على حد تعبيرك - أقصى ما كان يملكه خصومنا من وسائل لإرغامنا على التنازل!

إنما الصحيح، وذلك من دواعى فخرنا، أننا رفضنا التنازل، عندما كان خصومنا يملكون كل شئ ضدنا...

وأول ما كانوا يملكون، استعمال القوة، وكان شبحها المخيف، تهديداً مروعاً، لبلد صغير، وشعب ناشئ، ليس له بالحروب سابق خبرة... هذا بينما الذين يهددونه.. كانوا من محترفى الحروب!

هذا هو الصحيح!

ونظرت إلى الديبلوماسى الأفريقى.. إلى عيونه السوداء اللامعة كنجوم القارة العذراء.. السمراء، ثم قلت:

- لقد كانت هناك حكومات كثيرة، من قارتنا - من أفريقيا - ومن جارتنا الغالية آسيا... تمكن الإنجليز من جرها من أنوفها وتوريطها فى مؤتمر لندن الشهير، الذى اجتمع وفى أذهان الذين دعوا إليه ورتبوا مشاهده، أن يكون ستاراً تتم تحت حمايته عملية اغتصاب القناة من أصحابها الشرعيين.. بالحيلة أو بالتهديد... أو بالقوة إذا لزم الأمر!

أليست تلك هى الحقيقة؟

لا أظنك تجادل... ومع ذلك ماذا حدث بعدها؟

حدث أن هذا المؤتمر فى لندن، انتهى إلى ما أسموه مشروع الدول الثمانى عشرة... الذى تقرر عرضه على مصر.

وكانت مسألة عرضه على مصر مسألة شكلية.

فلقد اتضح الآن مما نشر من أسرار المؤامرة على مصر أن "ايدن" أصر على أن تكون المقترحات المقدمة لمصر، من نوع لا تستطيع مصر أن تقبله...

بل أن خبراء السياسة والديبلوماسية فى وزارة الخارجية البريطانية، عكفوا يومين كاملين على هذه المقترحات يتفننون فى صياغتها.

تفننوا يومين كاملين.. لا ليجعلوا المقترحات مقبولة لدى مصر!

لا...

وإنما ليجعلوا من المستحيل على مصر قبولها!

ثم جاءت بها لجنة منزيس إلى مصر فى جو عاصف.

الدول الكبرى هائجة... الدول البحرية تتظاهر... حرب الأعصاب على أشدها.

شبح الحرب - حرب النار والحديد - على الأفق.

قوات تحتشد... أساطيل تتحرك... أمواج من الطائرات بعد أمواج تتجه من بريطانيا وفرنسا... إلى قبرص... القاعدة المتأهبة للانقضاض لدى أول أمر وعند أبسط إشارة!!

وأكثر من هذا حرص الذين شكلوا لجنة منزيس... على أن يكون بين أعضائها... سيد من قارتنا... من أفريقيا، هو أكليلو وزير خارجية الحبشة، وسيد من جارتنا الغالية.. من آسيا، هو أردلان وزير خارجية إيران... كأنما الذين شكلوا لجنة منزيس، كانوا يريدون أن يقولوا لنا:

- الهول والدمار فى انتظاركم... وليس معكم أحد... حتى سندكم الروحى أفريقيا وآسيا، ليستا معكم.. وإنما هما هنا.. هنا معنا..!

وعدت مرة ثانية أنظر إلى العيون السوداء اللامعة كنجوم قارتنا العذراء السمراء.. عيون الديبلوماسى الأفريقى الجالس فى مواجهتى.. ثم أقول له:

- أليس ذلك ما جرى بالضبط؟

وهز رأسه فى حركة متتابعة وهو يقول:

- أجل... تماماً... تماماً!

قلت: عال!

ثم استطردت:

- وماذا قالت مصر للجنة منزيس وقتها؟!

لو أن مصر كانت تنازلت يومها، أو أبدت بعض علامات التنازل، لكنت فهمت ملاحظتك التى دفعتنى إلى كل هذا الحديث الطويل.

كنت فهمت قولك بالنص:

"طبعاً... أنتم الآن تستطيعون إملاء شروطكم فى مستقبل قناة السويس"!

ولكن مصر لم تتنازل يومها... ولم تبد أى علامة من علامات التنازل!

وإنما تمسكت بحقها، والجو من حولها كما وصفت لك!

ولو كانت مصر تنازلت يومها لكان لها العذر، وماذا تستطيع وحدها إزاء القوة القاهرة... الدول الكبرى والدول البحرية... ودول من أفريقيا وآسيا... جروها من أنوفها مع الأسف الشديد!

وأعود فأكرر لك:

- ولكن مصر لم تتنازل يومها.. ولم تبد أى علامة من علامات التنازل..!

بل ووصل الأمر إلى حد أن روبرت منزيس، رئيس وزراء استراليا، ورئيس اللجنة المعروفة باسمه... وصل الأمر إلى حد أن روبرت منزيس بنفسه... هدد جمال عبد الناصر رئيس جمهورية مصر..

لابد أنك سمعت القصة.. فتفاصيلها لم تعد سراً.

كان منزيس قد طالب بإدارة دولية لقناة السويس.

وبدأ الرئيس المصرى يرد عليه...

وكان جو قاعة الاجتماع فى دار الرئاسة المصرية متوتراً... مشدوداً.

وشرح الرئيس المصرى وجهة نظره فى الإدارة الدولية وقال ما يكاد نصه أن يكون:

- إن مصر لا تستطيع أن تقبل إدارة دولية للقناة...

ذلك أولاً انتهاك لسيادة مصر.

ثم هو ثانياً ليس حلاً لأى مشكلة.

ذلك لأن الإدارة الدولية لقناة السويس، حتى لو قبلت حكومة مصر قيامها، لن تستطيع أن تمارس عملها لأن شعب مصر سوف ينظر إليها باعتبارها اعتداء على استقلاله، ومن ثم سوف يقاوم وجودها، وتصبح الإدارة الدولية التى جاءت لحماية حرية الملاحة فى قناة السويس... فى حاجة إلى من يحميها من شعب معاد لها يحيط بها من كل ناحية!

وختم الرئيس جمال عبد الناصر كلامه قائلاً:

- وعلى هذا النحو، لن تكون الإدارة الدولية لقناة السويس، نهاية للمتاعب، وإنما ستكون بداية للمتاعب!

وسكت الرئيس جمال عبد الناصر.

ولكن منزيس لم يسكت.

فى الجو المتوتر المشدود فى القاعة ساعتها فعل منزيس آخر ما كان يتوقعه - حتى أعضاء لجنته - الذين فتحوا أفواههم من الدهشة وهم يرون منزيس يفعل ما فعله... ويقول ما قاله!

كان منزيس يجلس فى مواجهة الرئيس جمال عبد الناصر على الناحية الأخرى من المكتب..

وفجأة استند منزيس بكفه على المكتب ومال برأسه، وحملق فى وجه الرئيس جمال عبد الناصر.. وفتح إحدى عينيه على آخرها.. وأغمض الثانية بعض الشىء ثم قال بصوت بطئ كأنما هو يحاول أن يؤكد الألفاظ ويحمل كل لفظ فيها أكثر مما تحتمله نبراته.

- أنت ترى أن قبولك للإدارة الدولية لن يكون نهاية للمتاعب.. وإنما سيكون بداية لها.. دعنى أقول لك رأيى.. دعنى أؤكد لك أن رفضك للإدارة الدولية هو الذى سيكون البداية الحقيقية للمتاعب!

وسكت منزيس... ولكن التهديد كان واضحاً... سافراً!

وران على القاعة لومضة من الزمان سكوت ثقيل... رهيب.

وتطلعت أنظار الجالسين جميعاً إلى الرئيس المصرى..

وكان جمال عبد الناصر قد مد يده إلى ملف ملئ بالأوراق كان مفتوحاً أمامه، وأغلق جمال عبد الناصر ملف الأوراق فى حركة هادئة، ونظر إلى منزيس وقال له بصوت أكثر هدوءً من حركة إغلاق ملف الأوراق:

- أنا أعتبر الذى قلته تهديداً لى، وأعتبر بعده أن مباحثاتنا قد انتهت لقد قلت لك أن قبولى للإدارة الدولية سيكون بداية للمتاعب.

وأنت تقول لى أن رفضى للإدارة الدولية هو الذى سيكون بداية المتاعب!

وإذن فالمتاعب قادمة قادمة.. سواء أخذت أنا برأيك، أو أخذت أنت برأيى.

وما دام الأمر كذلك، فأنا أفضل أن لا يطول انتظارى.. أفضل أن أواجه المتاعب فوراً.. وأرفض الإدارة الدولية.




وتوقفت عن الحديث لحظة وتطلعت إلى الديبلوماسى الأفريقى.. وعيونه السوداء اللامعة كنجوم القارة العذراء السمراء.. ثم تساءلت:

- أنت تعرف هذه القصة كلها.

قال: أجل سمعت عنها.

قلت:

- بهذا الإصرار واجهت مصر لجنة منزيس، والظروف التى جاءت فيها هذه اللجنة على ما تعرف.. وما لا تزال تذكر.

وإذن كيف يمكن أن يقال لنا اليوم:

"طبعاً.. تستطيعون الآن إملاء شروطكم فى مستقبل قناة السويس. لقد فشل استعمال القوة، وذلك أقصى ما كان يملك خصومكم من وسائل إرغامكم على التنازل".

كيف يمكن أن يقال لنا اليوم هذا الكلام.

لقد قلت لك تعليقاً على هذا الكلام، إنك تظلمنا، وإنك تسلب وطننا صفحة من أعظم صفحات تاريخه.

إننا نتصور، أنه من دواعى فخرنا، أن لغتنا لم تتغير خلال المراحل الثلاث التى مرت بها المشكلة.

كنا على استعداد للتعاون الدولى.. ولم نكن على استعداد للسيطرة الدولية ذلك كان موقفنا طول الوقت.

كان موقفنا تحت التهديد العاصف.

وكان موقفنا تحت القنابل المتساقطة كالمطر.

ثم هو لا يزال موقفنا بعد أن أصبح الموقف كله فى صالحنا، أو كما تقول أنت وأنا أستعمل نص عبارتك:

"بعد أن أصبح فى مقدورنا الآن ببساطة... أن نقول للدنيا هذه هى شروطنا، وإذا لم تعجبكم، فأمامكم البحر... اشفطوا ماءه المالح حتى آخر قطرة فيه!!"

دعنى أسألك... هل فعلنا ذلك... بعد أن أصبحنا سادة الموقف؟

هل قلنا للدنيا - وكان فى مقدورنا كما تقول أنت بحق أن نقول لها - إذا لم تعجبكم شروطنا... فاشفطوا ماء البحر؟!

لم نفعل ذلك.

ولم يكن أحد ليلومنا لو أننا مثلاً قلنا للدنيا:

"بيننا وبينكم اتفاقية سنة 1888، وغيرها... هش... سكوتاً ولا يفتح أحد منكم فمه بكلمة واحدة!"

لم نفعل ذلك... كما قلت لك... وإنما خطونا بعد اتفاقية 1888... خطوات!

أعطينا داج همرشولد السكرتير العام للأمم المتحدة كل تعاون ممكن... وبشهادته هو!

تعهدنا أن لا نزيد الرسوم أكثر من واحد فى المائة كل عام.

تعهدنا بتخصيص ربع دخل القناة لمشروعات تحسينها.

تعهدنا بقبول التحكيم والتزام قراراته فى كل خلاف.

فعلنا هذا كله...

وليس فى هذا كله ما يمكن تفسيره بأنه "إذا لم تعجبكم شروطنا... فاشفطوا ماء البحر".

أبداً..

لقد قلنا بعد النصر... ما كنا نقوله تحت التهديد... وقبل المعركة غير المتكافئة!

نحن نتصور أن ذلك من دواعى فخرنا.

نحن نؤمن أن النصر لا يدير رءوس الأحرار... وإنما العبيد وحدهم هم الذين تدور رءوسهم بعد النصر ويأخذون الأمر كله تحكماً واستبداداً وغطرسة!

واستطردت أقول للديبلوماسى الأفريقى الكبير وعيونه السوداء اللامعة كنجوم القارة العذراء... السمراء:

- سمها فروسية... سمها شهامة... أو حتى سمها سذاجة وطيبة قلب!

كذلك نحن!!

الأربعاء:

لحساب من تعمل صحافة نيويورك؟

أجل!

وما هى غاياتها، وما وسائلها إلى هذه الغايات؟

أو باختصار، ما هو سر صحافة نيويورك؟

تتدافع هذه الأسئلة فى رأسى، بينما عيناى تجريان على سطور محضر رسمى حرفى للمؤتمر الصحفى الذى عقده جون فوستر دالاس وزير خارجية أمريكا أمس (الثلاثاء)... ومحضر رسمى حرفى آخر للمؤتمر الصحفى الذى عقده دوايت أيزنهاور رئيس جمهورية أمريكا اليوم - الأربعاء...

وفى هذين المحضرين الرسميين الحرفيين... تعنينى الأسئلة أكثر مما تعنينى الإجابات، ويثير عجبى موقف الصحفيين الذين يسألون أكثر مما يثيره موقف الساسة الذين يجيبون.

ولنأخذ نماذج من هذه الأسئلة... وسأبدأ بحديث جون فوستر دالاس... وسألتزم ترتيب الأسئلة كما وردت فى المحضر الرسمى حتى تتضح طريقة الإيحاء والتوجيه...

سؤال رقم 1

- مستر دالاس.. هل تستطيع أن تقول لنا شيئاً عن المفاوضات بشأن قناة السويس.. هل هناك رد من مصر على ردنا على مذكرة مصر.. وهل ترى فى ثنايا الموقف ما يبعث على الأمل فى تسوية تقوم على أساس المبادئ الستة التى أقرها مجلس الأمن؟

سؤال رقم 2

- مستر دالاس... هل تستطيع أن تذكر لنا النقط التى طلبت حكومة الولايات المتحدة تغييرها فى مذكرة مصر ثم كيف يصبح لهذه المذكرة قوة التزام دولى يضم دول العالم كلها؟!

سؤال رقم 3

- مستر دالاس... هل أخطرتكم حكومة إسرائيل، بأنها ستحاول إرسال باخرة عبر قناة السويس لاختبار مدى احترام حرية الملاحة فيها... وماذا سيكون موقف الحكومة الأمريكية إزاء هذه المحاولة؟!

سؤال رقم 4

- مستر دالاس... هل عندكم دليل، من أى مصدر من مصادركم فى مصر على أن مصر تنوى أن تُقلع عن العدوان على إسرائيل وتترك بواخرها تمر فى القناة؟

سؤال رقم 5

- مستر دالاس، ما هى قوى الضغط التى ما تزال تملكها فى أى مفاوضات مع مصر بشأن حق إسرائيل فى المرور فى قناة السويس، وماذا إذا أصرت مصر على عنادها واستمرت تخرق كل القيم المعنوية وتشيع الفوضى فى المنطقة... ماذا تصنع فى هذه الحالة؟!

سؤال رقم 6

- مستر دالاس... هل نستطيع أن نفهم أن الولايات المتحدة سوف تشارك مشاركة فعالة فى فرض عقوبات اقتصادية على مصر إذا هى لم تسمح بمرور إسرائيل فى قناة السويس؟

سؤال رقم 7

- مستر دالاس... إذا استمرت مصر فى عدوانها على إسرائيل ألا ترى معنا أن ذلك يبين بجلاء أن مصر لا تكن أى احترام لآراء الجنس البشرى؟

الشىء المدهش... أنه حتى جون فوستر دالاس... ضاق ذرعاً بهذه الأسئلة، بعد أن وصلت إلى هذا الحد...

ضاق ذرعاً إلى حد أنه لم يطق صبراً فقال رداً على السؤال السابع... وأنا أنقل عن المحضر الرسمى بالحرف الواحد:

- "اسمعوا... لست هنا لكى أتكلم نيابةً عن الجنس البشرى كله... أنا هنا أتكلم عن الولايات المتحدة وحدها!"

وأنتقل إلى المحضر الثانى... محضر مؤتمر أيزنهاور، وسألتزم مرة ثانية ترتيب الأسئلة كما وردت فى المحضر الرسمى حتى تتضح طريقة الإيحاء والتوجيه.

سؤال رقم 1

- Mr President أى "أيها الرئيس"، هل هناك أمل فى مفاوضات جدية مع مصر؟

سؤال رقم 2

- أيها الرئيس، إن انسحاب إسرائيل تم أخيراً على أساس إقناعها بأن حقها فى المرور من خليج العقبة وقناة السويس لن يكون موضوع نزاع.

والآن لقد أعلنت مصر أنها لا تعترف لإسرائيل بهذا الحق..

وعلى ضوء حديثك فى 20 نوفمبر والذى قلت فيه بالنص أن الوقت قد حان لكى يواجه المجتمع العالمى بحزم أى خرق من جانب مصر لأى تعهد من تعهداتها الدولية - على هذا الضوء ما الذى ستفعله حكومتكم ضد مصر؟!
سؤال رقم 3

- أيها الرئيس، إزاء موقف مصر العنيد فى مشكلة قناة السويس، وإزاء تنكرها للمبادئ الستة التى أقرها مجلس الأمن، وإزاء سياستها العدوانية ضد إسرائيل، وإزاء خرقها المتكرر لاتفاقية الهدنة، ألا ترى أن مصر تحت حكم جمال عبد الناصر أصبحت بلداً لا يحترم آراء الجنس البشرى؟!

والشىء المدهش، مرة ثانية، أن دوايت أيزنهاور، ضاق ذرعاً، كما ضاق من قبله جون فوستر دالاس، بطريقة توجيه هذه الأسئلة، فقال رداً على السؤال الثالث وأنا أنقل عن المحضر الرسمى بالحرف الواحد:

- "اسمعوا... ليس لنا هنا أن نتحدث عن بلد آخر بهذه الطريقة، ولا أن نمس أى حاكم يتولى منصباً مسئولاً فى بلد من بلدان العالم!"

هل هذه أسئلة توجهها صحافة بريئة ونزيهة، تريد أن تعرف الحقائق... وتتابع التطورات على هدى ورشاد؟

وهل هذه طريقة صياغة أسئلة... وتوجيه مناقشة... ليس من ورائها قصد إلا تنوير الرأى العام؟!

أم ماذا؟

الخميس:

"الأكاذيب التى أقاموها ضدى ومن حولى، ثم تصل إلى شعب كندا تعلمه بسلامة موقفى!"

وسكت هربرت نورمان، ولم أتصور ساعتها، أنه سيعثر على هذه الوسيلة التى تقتحم طريقها إلى كل فرد من أفراد الشعب الكندى تقول له: أن هربرت نورمان لم يكن خائناً...

لم أتصور أنه سيعثر على هذه الوسيلة وسيدفع عمره كله ثمناً لها.

ثم انتقل بنا الحديث إلى موضوعات أخرى.

قلت له رأيى فى رسالة عن "روح اليابان" كان قد كتبها خلال إقامته الطويلة فى بلاد الشمس المشرقة وكان قد أعطاها لى لكى أقرأها حين علم أن اليابان تثير اهتمامى أنا الآخر منذ قضيت فيها فترة من الوقت، أتركها لأذهب إلى كوريا... وأترك كوريا لأعود إلى اليابان.

ثم حدثنى عن دراسات بدأ يقوم بها فى مصر.

كان العصر الفاطمى فى مصر يلهب خياله... وقال لى أنه يعد رسالة عن أيام الفاطميين.

ثم وصل الحديث إلى القوات الكندية المشتركة فى قوة الطوارئ الدولية وقال لى:

- إن الحكومة المصرية لم تتعنت فى موضوع القوات الكندية... وأنا أشعر أن تسامحها كان مجاملة طيبة لى.

وقلت له:

- ذلك صحيح... إن معلوماتى أن تسامح مصر كان مجاملة... ومجاملة لك... ولك شخصياً.

وابتسم نورمان... وأشعر الآن وأنا أكتب هذه السطور، أن ابتسامته ساعتها، كانت ابتسامة حزينة.

ثم كانت آخر عبارة سمعتها من هربرت نورمان سفير كندا الذى لم ينتحر فى رأيى، وإنما قتلوه... آخر عبارة سمعتها منه، وآخر عبارة سوف أسمعها منه، فلقد ذهب إلى الأبد عقله الكبير ومنطقه السلس... قال لى وهو يهز رأسه:

- اسمع... أنا أرى أنكم هنا فى مصر تلقون بالاً إلى ما يكتب عنكم فى صحف الغرب... يجب أن تدركوا أن أعداءكم يزرعون هذا الكلام وبالتالى لا ينبغى أن تتركوه يؤثر فيكم...

لو أنكم ألقيتم بالاً إلى كل ما يكتب عنكم وأصدرتم على أساسه أحكامكم... لوجدتم أنفسكم فى بحر ليس له قرار!

رباه!

بصعوبة أحبس الدموع!

أكان يتحدث عنا.. أم كان يتحدث عن نفسه!

لقد راح ضحية للخطر الذى كان يحذرنا منه.

لقد غرق فى البحر الذى ليس له قرار.

ولكنه لم ينتحر... وإنما قتلوه!

6/4/1957

سؤال واحد!

سؤال واحد!
ماذا فعل إذن جيش إسرائيل؟
وأين كان "موشى ديان" الذى تقمصت جسده روح نابليون؟!
سؤال واحد!

سؤال واحد، نقابله وجهاً لوجه، ونحن نسمع كل هذا الذى نسمعه هذه الأيام عن التفاصيل الداخلية للمؤامرة العسكرية الثلاثية على مصر!

سؤال واحد، يتركه وراءه فى أفكارنا، كل كتاب من الكتب التى قذفت بها المطابع فى سيل متلاحق، فى لندن وفى باريس، تروى حقيقة التفكير والتدبير ضد مصر!

سؤال واحد، يتبقى حائراً بمفرده، بعد أن بدأت الأسرار الهائلة عن مغامرة السويس، تمزق حجب الغموض التى ضُربت من حولها، وتنطلق إلى النور تعرض نفسها عارية، كما ولدتها أمها.. بل أمهاتها الثلاث.. الخاطئات!

سؤال واحد، يقف وحده فى الصدارة، وكل ما عداه يتراجع إلى مرتبة الدرجة الثانية من الأهمية!

فى الدرجة الثانية من الأهمية كل هذه الجهود التى تثبت ما أسموه فى صحف بريطانيا "التواطؤ".. فإن هذا التواطؤ ليس شيئاً جديداً علينا نحن الذين عشنا فى هذه المنطقة وتابعنا أحداثها يوماً بعد يوم!

وفى الدرجة الثانية من الأهمية أن يتأكد ما قاله "جريموند" زعيم حزب الأحرار البريطانى.. فى طيبة وسذاجة حين صاح:

- بالله.. لو أننا كنا اشتركنا فى المؤامرة ضد مصر بهذه الطريقة التى ترويها الكتب التى ظهرت فى لندن وباريس أخيراً.. فإن حكومتنا إذن لم تكن إلا حكومة أوغاد مجرمين!

وليست صيحة جريموند زعيم حزب الأحرار شيئاً جديداً.. فلقد عرفنا نحن مع كل مناورة، وكل قنبلة نزلت فوق رؤوسنا، وكل رصاصة انطلقت إلى صدورنا، وكل هابط بالباراشوت.. عرفنا نحن أن حكومة بريطانيا حكومة "أوغاد ومجرمين"!

وفى الدرجة الثانية من الأهمية أن يثبت فى ذهن العالم كله ما قالته جريدة "النيوز كرونيكل" البريطانية، حين قالت:

- أن التفاصيل التى بدأت تتسرب، تزيدنا اقتناعاً على اقتناع، بأن الحملة على مصر، كانت سفينة قرصان، حاولت أن تتخفى وتتنكر، وتدعى أنها ليست إلا زورقاً من زوارق البوليس!!

وليس هذا الذى تقوله النيوزكرونيكل جديداً علينا.. فقد كنا نعرف دائماً أنها حملة قرصان... رأينا أفعالها... بل جرائمها، وراقبنا العلم المدنس بالعار، يخفق فوقها أسوداً تطل منه الجمجمة بين العظمتين المتقاطعتين... علم القرصان!

وفى الدرجة الثانية من الأهمية هذه الخبايا عن اتصالات إعداد المؤامرة العسكرية وحبكها...

مقابلات بن جوريون مع جى موليه..

اجتماعات موشى ديان مع رئيس هيئة أركان حرب الجيش الفرنسى.

الاتصالات بين فرنسا وبريطانيا.

أحاديث إيدن ولويد، مع موليه وبينو.

الجلسات الطويلة للقيادة المشتركة البريطانية الفرنسية للعمليات ضد مصر، فى مقر القيادة المؤقت فى قبرص، وتنسيق الخطط مع إسرائيل.

فى الدرجة الثانية هذه الخبايا فليس فيها علينا جديد، وإنما كانت واضحة أمامنا... ظاهرة جلية منذ اللحظات الأولى للمعركة!

بل وفى الدرجة الثانية من الأهمية أن يتضح أن فرنسا أرادت فى بدء المعركة أن تبعث فرقة من جنود المظلات لتهبط فوق بيت الرئيس جمال عبد الناصر وتخطفه!

ليست تلك مفاجأة لنا، فإن أكبر الحقائق فى الموقف أن بريطانيا وفرنسا وإسرائيل خرجت إلى مغامرة السويس، وراء رأس رجل واحد... هو جمال عبد الناصر، لا لثأر شخصى بينه وبينها جميعاً، وإنما لأنه الرجل الذى تركزت وتجمعت وتبلورت فيه كل المعانى التى يكرهها ثالوث مغامرة السويس ويحقد عليها... والقومية العربية على رأس القائمة من هذه المعانى.

بل إننا نعرف ونقطع بما هو أكثر من ذلك... نعرف ونقطع أن خطة الهبوط بفرقة مظلات على بيت جمال عبد الناصر لم تكن معدة لمجرد خطف جمال عبد الناصر، وإنما الذين أذاعوا السر فى هذا الأسبوع توقفوا ولم يقولوا الحقيقة كلها...

كان الهدف هو قتل جمال عبد الناصر.

والمسألة واضحة...

كانت فرنسا تستطيع أن تلقى فرقة من جنود المظلات على بيت جمال عبد الناصر... ولكن ماذا تفعل هذه الفرقة بعد أن تتمكن من خطف جمال عبد الناصر... كيف تتشعلق فى الهواء وتصل مرة ثانية إلى الطائرات التى ألقت بها على الأرض؟

كيف!؟

مستحيل بالطبع.

وإذن كانت خطة جنود المظلات، وكلهم من الكوماندوس، هى القتل... وليس الخطف!

وتلك هى الحقيقة الكاملة...

ولكن... حتى هذه الحقيقة تجئ فى المرتبة الثانية.

هذه الحقيقة... وكل ما سبقها... تجئ فى المرتبة الثانية.

أما المرتبة الأولى، فيحتكرها وحده ذلك السؤال الواحد.

ذلك السؤال الواحد هو:

- ماذا فعل إذن جيش إسرائيل... وماذا كان دوره فى المعركة.

إن الكتاب الذى صدر أخيراً فى لندن بعنوان "حرب السويس" والذى كتبه الصحفى الشهير بول جونسون...

والكتاب الذى صدر أخيراً فى باريس بعنوان "حملة السويس" والذى كتبه الصحفيان الشهيران سيرجى، وميرى برومبرجير.

والمقالات التى نشرتها كل من المانشستر جارديان الإنجليزية والنيوزكرونيكل الإنجليزية، والفيجارو الفرنسية، والموند الفرنسية.

هذه الكتب والمقالات معاً... وكلها من وضع أكبر خبراء، ونتيجة تحريات أعظم الصحفيين... بل بعضها كما هو الحال فى كتاب "حملة السويس" استند إلى معلومات رسمية من الكاى دروسيه... رئاسة مجلس الوزراء الفرنسى...

هذه الكتب والمقالات معاً... تقرر الحقائق التالية، وتقيم الدليل المادى عليها بما لا يقبل... حتى مجرد المناقشة:

1- تولى الطيران الفرنسى منذ يوم 25 أكتوبر، أى قبل بدء تنفيذ عملية السويس بأربعة أيام، مسئولية الدفاع عن تل أبيب عاصمة إسرائيل ضد الغارات الجوية.

وكذلك تولى الطيران الفرنسى مسئولية الدفاع الجوى عن مطارات إسرائيل الجوية وبينها مطارات "عقيد" و"كاستنبا" و"رامات دافيد".

2- حينما بدأت المدمرة المصرية إبراهيم تغرق نفسها بعد أن تعذرت نجدتها بالطيران، لم تستطع قطع الأسطول الإسرائيلية أن تصل إليها وإنما التى وصلت إليها هى البارجة الفرنسية "كيرسان" وقد ورد اسم هذه البارجة صراحةً فى الكتاب الذى ألفه سيرحى وميرى برومبرجر.

3- سلمت فرنسا لإسرائيل قبل شهور من المعركة:

12 طائرة من طراز ميستير 4 وكان تسليمها فى شهر يناير 1956.

12 طائرة أخرى من طراز ميستير 4 وكان تسليمها فى شهر مارس سنة 1956.

12 طائرة ثالثة من طراز ميستير 4 وكان تسليمها فى شهر مايو سنة 1956.

وفى شهور أغسطس وسبتمبر وأكتوبر أى الشهور الثلاثة التى استمرت فيها عملية تدبير مؤامرة السويس، تسلمت إسرائيل من فرنسا 60 طائرة جديدة من طراز مستير 4.

ومع ذلك ففى يوم 20 أكتوبر، يوم التقى السلاح الجوى المصرى، مع السلاح الجوى الإسرائيلى، فوق سيناء، لأول مرة فى المعركة.. كان تفوق السلاح الجوى المصرى ظاهراً لدرجة أن قيادة الطيران الإسرائيلى طلبت معونة سريعة من فرنسا.. معونة مباشرة فى العمليات التكتيكية فوق سيناء، وكان العذر الذى قدمه سلاح الطيران الإسرائيلى أمامه هو القول: بأن ظهور الميج 17 مع الطيارين المصريين كان مفاجأة، وكانت معلومات سلاح الطيران الإسرائيلى تقطع بأن أقصى ما يملكه السلاح الجوى المصرى، هو الميج 15 فقط!

وفى نفس اليوم.. يوم 20 أكتوبر.. أول يوم للعمليات الجوية، قرر الأميرال الفرنسى "بارجو" الذى كان يتولى منصب نائب رئيس القائد العام للحملة الإنجليزية الفرنسية، أن يتصرف على مسئوليته، ومن تلقاء نفسه، ومن غير رجوع للقائد العام الجنرال كيلى الإنجليزى، فيعبر إسرائيل جميع المقاتلات التى تحملها حاملات الطائرات الفرنسية المشتركة فى المعركة!

4- كان الطيران البريطانى والفرنسى هما اللذين اشتركا فى عملية الضرب الإستراتيجى على المطارات المصرية والطرق ومراكز التجمعات.

5- كان الطيران البريطانى والفرنسى هما اللذين توليا عملية محاولة عرقلة إتمام انسحاب الجيش المصرى، بعد أن تقرر هذا الانسحاب.

6- كانت المدرعة البريطانية نيوفوند لاند هى التى تولت ضرب جزر تيران ومسامير بمدافعها القوية للقضاء على أى مقاومة قد تكون فيها.

7- كانت نفس المدرعة البريطانية نيوفوند لاند هى التى تولت ضرب سيناء، شرم الشيخ من البحر بقنابل مدافعها، وكذلك كانت هى التى بعثت بعدد كبير من بحارتها فى القوات المسلحة لاحتلال الشاطئ بجوار شرم الشيخ.

8- كانت الطائرات الفرنسية هى التى تولت ضرب شرم الشيخ بقنابل "النابالم" الحارقة.

9- اشتركت وحدات مدرعة فرنسية فى اللواء السابع الإسرائيلى الذى تولى ومعه لواءان من المشاة عملية الهجوم على موقع "أبو عجيلة" المصرى، والذى دارت على مشارفه، عند تل "أم كتاف" المعركة الوحيدة فى سيناء، وكان الغرض منها الثبات 48 ساعة لستر انسحاب مجموعة الجيش المصرى الرئيسى!

10- اشتركت مجموعة من ضباط أركان الحرب الإنجليز والفرنسيين مع الجنرال الإسرائيلى موشى ديان، فى عملية وضع الخطط، وكان الستار الذى استطاع هؤلاء الضباط العمل تحت حمايته فى الجيش الإسرائيلى، هو وصف: ضباط الاتصال!

هذه عشر حقائق... وهى ليست كل الحقائق، ولا أهم الحقائق، وإنما هى ما يكفى من هذه الحقائق لإثارة السؤال الواحد الذى يقف بمفرده فى الدرجة الأولى من الأهمية، وهو:

- ماذا فعل إذن جيش إسرائيل، وماذا كان دوره فى المعركة!؟

ثم:

- أين كان موشى ديان قائد هذا الجيش الإسرائيلى، والذى حاولت الدعاية الإسرائيلية أن تشبهه بنابليون العصر الحديث -! - بل وقالت واحدة منها: أن روح نابليون تقمصت جسده!

ماذا فعل جيش إسرائيل... وأين كان قائده؟!

ماذا جرى للأسطورة العسكرية... ولبطل هذه الأسطورة المغوار؟

هذا هو السؤال؟

وربما كانت الإجابة عليه عبارة صغيرة، وردت فى برقية صادرة من لندن، تعقيباً على كتاب أسرار "حملة إسرائيل" الذى كتبه "سيرجى وميرى برومبرجر" وجاء فيها بالحرف الواحد:

"... إن الدوائر العسكرية البريطانية ترى أن هذا الكتاب قد أزاح الستار عن حقيقة قوة الجيش الإسرائيلى، لأنه أثبت أن الجيش المصرى فى صحراء سيناء قد تعرض للهجوم المستمر من جانب سلاح الطيران الفرنسى، وأن السفينة الحربية الفرنسية "كيرسان" هى التى اشتركت فى المعركة البحرية ضد المدمرة إبراهيم هذا فى الوقت الذى سمحت فيه فرنسا لإسرائيل أن تنسب لنفسها الفضل فى هذه الأعمال."

........

أجل ربما كانت تلك هى الإجابة على هذا السؤال...

وربما كانت الإجابة عليه أيضاً... هى هذه المحاولة التى تبذلها إسرائيل اليوم باندفاع مجنون، وصفته صحف لندن، وليست صحف عاصمة غيرها... اندفاع مجنون إلى محاولة شراء كل نسخة فى السوق من كتاب "أسرار حملة السويس" الذى "كتبه سيرجى وميرى برومبرجر".

اندفاع مجنون... لإنقاذ البقية الباقية من أسطورة جيش... وأسطورة رجل...

جيش إسرائيل... وقائده موشى ديان... الذى تقمصت جسده روح نابليون!!

3/4/1957

يوميات أخبار اليوم

الأحد:

من أعز أمانىّ يوماً، أن تكبر السياسة الأمريكية، وتعقل وتركز، وتتخلص من هذه "الخفة" التى أصبحت الآن صفة تلازم معظم تصرفاتها، وتصاحبها فى كل اتجاه!

إن الذين يحاولون التماس المعاذير لهذه "الخفة" الأمريكية لا يجدون ما يقولونه أحياناً، إلا أن أمريكا بلد شاب، وغنى، وقوى و"الخفة" أبسط ضريبة يمكن أن تفرضها الظروف على أى وارث سعيد آلت إليه الثروة الطائلة وهو يعد فى مطلع الصبا من غير خبرة وبدون تجربة!

ولكن، حتى هؤلاء الذين يحاولون التماس المعاذير لهذه "الخفة" الأمريكية أصبحوا يرون اليوم أنه قد آن الأوان لتكف السياسة الأمريكية عن دور الوارث السعيد، وتصل إلى سن الرشد الذى طال بالدنيا انتظار وصولها إليه، ثم تبدأ تمارس دورها فى خط واضح، صريح ومستقيم!

والذى زاد الطين بلة، أن الوارث السعيد، الجديد على عوالم الليل ومغامراتها، أحاط نفسه بمجموعة من البلطجية، يعرفون طريقهم تحت الظلام إلى بيوت الخطيئة، يفتحون أبوابها الحمراء كل ليلة للوارث السعيد، يتسلل وراءهم، وراء اللذة الحرام!

ولكن هؤلاء البلطجية لا يعملون لحساب الوارث السعيد.

إنهم يعملون لحساب أنفسهم أولاً وأخيراً، ولا يخدمونه إلا بقدر ما تكون خدماتهم له تحقيقاً لمصالحهم... مصالحهم هم!

إن جاءوه مثلاً بجارية من بغداد، تقاضوا الثمن منه، وتقاضوه من جارية بغداد!

وإن أغروا - من أجله مثلاً - غانية بالزلل، قادوها إلى نهاية الطريق، لتصبح وإذا حرفتها الزلل!

ثم هم يسرقون ويخطفون، ويقتلون أحياناً، اعتماداً على غناه العريض!

من هذا الغنى العريض يدفعون الرشاوى، ومنه يوكلون أفصح المحامين، ومنه أخيراً يدفعون الغرامات إذا حان وقت سداد الحساب!

"بلطجية" حول وارث سعيد.. "خفيف".

بلطجى اسمه "إيدن"، بلطجى اسمه "موليه"، بلطجى ثالث اسمه "بن جوريون"!

وبلطجية آخرون.. كثيرون!

وأحياناً كما حدث فى حالة البلطجى "إيدن" يتنبه الوارث السعيد إلى العواقب الوخيمة التى يمكن أن يجرها عليه المسلك الوعر لبعض الذين يدعون أنهم رجاله.

أحياناً يحدث هذا فيفيق الوارث السعيد من أحلام المغامرات، وتبرق فى تصرفاته ومضات العقل الرشيد.

وأحياناً أخرى يمضى الوارث السعيد فى أحلام المغامرات، لا يسمع لنصيحة.. بل ولا يرد على سؤال!

والناس من حول الوارث السعيد "الخفيف" فى حيرة من أمره.

إنه أحياناً يفيق وإذن فلا مجال ليأس!

ولكنه كثيراً ما يندفع وإذن فأين مجال الأمل؟!

حيرة حقيقية.. حتى فى أبسط المسائل! حتى فى تصريحات دالاس.

تصريح فى الصباح عاقل، وتصريح فى المساء مجنون، وعند العصر تصريح ثالث لا هو بالعقل ولا هو بالجنون!

ولكن...

ما الذى ذكرنى بهذا كله اليوم؟!

سؤال فى موضعه!

والإجابة عليه.. تصريح أمريكى قرأته هذا الصباح، وصاحبه هو ريتشارد نيكسون، نائب رئيس الجمهورية الأمريكية، والرجل الذى قد يصبح سيد البيت الأبيض فى أى يوم.. بل فى أى لحظة!

تصريح لنيكسون بعد أن وصل إلى واشنطن عائداً من رحلته الأفريقية التى استمرت عشرة أيام أو نحو ذلك، ثم أصبح نيكسون بعدها من أخبر الخبراء بشئون أفريقيا.. أو هكذا نقلت البرقيات التى روت عنه أنه سيكتب تقريراً مطولاً عن الحالة فى أفريقيا يرفعه إلى الرئيس أيزنهاور!

ثم سمح نيكسون لبعض لمحات من هذا التقرير أن تتسرب، وبين اللمحات التى تسربت من تقرير نيكسون أنه يرى ضرورة إنشاء محطات إذاعة أمريكية قوية لترد على الدعاية المصرية، كما أنه يرى ضرورة مواجهة النشاط المصرى الذى يثير الشكوى بنشاط أمريكى يوقفه عند حده ويصد أثره ويمنع ضرره!

وتسرب من تقرير نيكسون أيضاً أن إمبراطور الحبشة هيلاسلاسى شكا إليه - إلى نيكسون - من أن مصر تقوم بعملية تحريض عليه.. على الإمبراطور بين الرعايا المسلمين فى الصومال!

ومن الإنصاف لنيكسون أن يقال أن تلك لم تكن أول مرة ترددت فيها حكاية شكوى الحبشة من تصرفات قامت بها مصر.. أو قيل أن مصر قامت بها!

لقد بدأت هذه الحكاية منذ نسبت جريدة نيويورك تيمس إلى إمبراطور الحبشة نفسه، وأثناء حديث جرى لمراسلها مع جلالته، أنه شكا بصراحة من تصرفات مصرية فى هذا الاتجاه، وضرب جلالته المثل بوجود مدرسين مصريين تبعث بهم مصر إلى الصومال!

وعلى أثر نشر هذا الحديث أصدر القصر الإمبراطورى فى أديس أبابا بياناً بتكذيبه.

ولكن تلك كما يبدو، لم تكن نهاية القصة، فإن نيكسون عاد إليها من جديد.

وإذا كان إمبراطور الحبشة بنفسه قد نفى هذه القصة.

وإذا كانت أمريكا مازالت تصر عليها، على صفحات نيويورك تيمس مرة، وعلى لسان نيكسون مرة أخرى، فلابد إذن أن مصدر القصة أمريكى.

ومع ذلك فلماذا لا نناقش القصة سواء كان مصدرها حبشياً أو كان أمريكياً؟

كيف يمكن أن يكون وجود مدرسين مصريين فى الصومال عملاً من أعمال التهييج والإثارة تقوم به مصر.

إن الصحف الأمريكية التى تتعرض لموضوع المدرسين المصريين - لا فى الصومال وحده - وإنما فى الشرق العربى كله، تحاول أن تتخذ من وجودهم دليلاً على أن لمصر مطامع توسعية.

وهو تفكير مضحك!

إن بعثات المدرسين المصريين إلى الشرق العربى بدأت من زمن طويل فقد كانت لمصر رسالة ثقافية وفكرية قديمة نهضت بمسئولياتها قبل عشرات السنين.

وكانت مصر ترسل المعلمين إلى مدارس العراق مثلاً حتى أيام كانت مصر تحت الاحتلال البريطانى!

فهل كانت تلك، ومن أيامها، سياسة توسعية؟!

وإذا كان نطاق هذه البعثات قد اتسع بعد الثورة فهل ذلك دليل على تفكير استعمارى مصرى ناشئ، أم هو دليل على إدراك أعمق لمسئولية تاريخية؟!

أمر واضح.. ولكن الخوف من مصر، والتخويف بمصر، مسألة تعدت كل منطق معقول!

والحكاية التى ترددت فى الحبشة تجد أصداء لها فى بلاد أخرى غير الحبشة!

خوف من مصر، وتخويف بمصر، فى كل المنطقة من أولها إلى آخرها!

يدور الهمس مثلاً فى دوائر أجنبية معينة فى تونس..

والهمس يقول أن الملحق العسكرى المصرى فى تونس يقوم بنشاط خطير يحاول أن يقلب به حكومة الحبيب بورقيبة!

ويشتد الهمس فى هذه الدوائر.

ثم يشتد.

ثم يتحول إلى أسطورة كبيرة..

ثم تتكلم مصر.. تقول كلمة واحدة:

- ولكن نسيتم شيئاً.. ليس لمصر ملحق عسكرى فى تونس!!

ويسكت الهمس فى تونس..

يسكت ولكن ينتقل مثلاً إلى مراكش نفس الدوائر الأجنبية المعينة.

ونفس طريقة الهمس ونفس اتجاهها، ومصر هذه المرة فى مراكش تقوم بنشاط خطير لقلب حكومة السلطان محمد بن يوسف!

ويشتد الهمس فى هذه الدوائر.

ثم يشتد.

ثم يتحول - أيضاً - إلى أسطورة كبيرة.

ثم تتكلم مصر.. تقول كلمة واحدة:

- ولكن لماذا تتآمر مصر على عرش السلطان محمد بن يوسف؟

حينما خلع السلطان عن عرشه بواسطة الاستعمار الفرنسى، كانت مصر هى البلد الوحيد الذى وقف بجوار السلطان.

وكان راديو القاهرة لا يمل من الحديث عن السلطان الشرعى فى وقت حاول الفرنسيون فيه أن يقيموا عليه ستاراً يحجبه فى منفاه بمدغشقر.

وبذلت مصر كل ما تستطيع أن تبذله للمقاومة فى مراكش.

ثم تحقق النصر للوطنية المراكشية، وعاد السلطان إلى عرشه.

فكيف تحاول مصر اليوم أن تخلع سلطاناً كانت مصر نفسها حتى شهور قليلة داخلة فى معركة حياة أو موت ضد فرنسا.. من أجل عودته إلى وطنه.

ثم، وبصراحة، ماذا كان بين مصر وبين فرنسا، حتى اندفعت فرنسا كالفاقد عقله إلى الاشتراك فى حماقة السويس..؟

ماذا.. إلا موقف مصر مع الحركة الوطنية فى شمال أفريقيا؟!

ويسكت الهمس فى مراكش.

يسكت ولكن ينتقل مثلاً إلى ليبيا.

ونفس الدوائر الأجنبية المعينة.

ونفس طريقة الهمس.. ونفس اتجاهها.

وفى هذه المرة يتحول الهمس إلى ضجيج، وتمتد الأيدى تشير إلى تصرف حماسى للملحق العسكرى المصرى وقت أن بدأ الهجوم على مصر، وتتخذ منه الدليل القاطع والبرهان الحاسم!

ومع أن مصر سحبت ملحقها العسكرى الذى لم يفعل إلا أن تصرف بحماسة فى ظرف عصيب مر على وطنه، فإن هذا لم يكن كافياً فى نظر الدوائر الأجنبية المعينة..

وهذه المرة.. مصر تتآمر على عرش الملك السنوسى... وحين يظهر الملك السنوسى بنفسه استياءه لاتهام مصر بالتآمر عليه... يسكت الهمس...

يسكت ولكنه يحاول أن ينتقل من ليبيا إلى مكان آخر غيرها... يستطيع فيه أن يواصل نشاطه!

خوف من مصر.

ويحاولون نقله من صدورهم إلى بعض الرءوس الحاكمة فى الشرق العربى... بذراً لبذور الشك... وزرعاً للفرقة والخلاف!

خوف من مصر.

وتخويف بمصر... فلقد اكتشفت قيمة السلاح... وإذن يستعمل فى المعركة على أوسع نطاق.

بل لقد وصل الأمر إلى حد استعماله على مستوى فردى.

فى الخرطوم مثلاً...

انفجرت قنبلة فى دار إحدى المؤسسات.

ويذهب صاحب المؤسسة إلى سفارة أمريكا فى الخرطوم، يقول أن القنبلة وضعت فى مؤسسته لأنه يعارض سياسة مصر ويؤيد سياسة أمريكا...

ثم يقدم بعد حساباً بالتعويضات!

والعجيب أنه لا تمضى أسابيع قليلة حتى تنفجر قنبلة ثانية فى الخرطوم ويتضح أن الذى وضعها إنجليزى قبض عليه بالفعل، ويجرى معه الآن تحقيق.

ولولا أن استطاع التحقيق أن يتوصل إلى الجانى، لكان هنا من همس بأن مصر وراء القنبلة...

لماذا؟

لأن ذلك يثير حماسة أمريكا... وعطفها... وكرمها مع الذين يؤذون بسببها... أليس ذلك منطقياً؟!

بقى شئ واحد!

بقى أن مصر لا تحاول أن تقوم بدور إيجابى فى هذه العملية.

إنها تترك لمن يريد أن يصدق، حرية أن يصدق ما يريد!

لا تكذب أحداً... ولا تدفع عن نفسها تهمة.

بل والأكثر أنها لا يضايقها أن يحصل أى بلد فى الشرق العربى، على أى ميزة يستطيع أن يحصل عليها من عملية الخوف من مصر والتخويف بمصر!

بل لقد شجعت مصر يوماً عملية التخويف بها... والمثال حى قائم فى ليبيا...

كانت ليبيا تريد أن تحصل على أسلحة من بريطانيا، وكانت بريطانيا تماطل..

وكانت المشكلة موضع حديث فى مصر وقتها...

وقالت ليبيا:

- قولوا للإنجليز... إذا لم تعطونا السلاح فسوف نأخذه من مصر.

وكانت النتيجة أن حصلت ليبيا على كل ما أرادت من سلاح بريطانى... وفوقه معونة أمريكية!

وكان استعمال اسم مصر فى هذه المسألة يرضى مصر... بل وبمشورة مصر.

كل هذا والسياسة الأمريكية تجرى وترمح وتبرطع.

سفارات تجرى وترمح وتبرطع.

وصحف تجرى وترمح وتبرطع.

وجاء نيكسون وزار أفريقيا وراح بدوره يجرى ويرمح ويبرطع.

ومتى.. متى تكبر السياسة الأمريكية وتعقل وتركز؟!

ويبلغ الوارث السعيد... سن الرشد؟ ‍
الثلاثاء :

وبعدين مع سفارة الباكستان فى القاهرة..؟

تساؤل أقوله بهدوء لا يشوبه غضب أو ضيق.

وإنما هو إلى العتاب الرقيق أقرب منه إلى أى شئ آخر.

كل يوم أتلقى من سفارة الباكستان خطاباً.

وكل خطاب من سفارة الباكستان شتم وقدح فى الهند، أو شتم وقدح فى شخصية من شخصيات الهند.

وليت السبب كان خلاف الباكستان مع الهند من أجل كشمير.. وإذن لما قلت شيئاً، وكنت عزوت الأمر إلى حدة الصراع بين البلدين، ورغبة كل منهما فى شرح وجهة نظره فى موضوع النزاع، حتى ولو وصل الأمر إلى حد الشتم وإلى حد القدح.

ولكن ذلك ليس الموضوع الذى أتلقى بسببه رسائل سفارة الباكستان..‍

مرة من المرات مثلاً.. أو خطاب من الخطابات حوى صورة كاريكاتورية، منقولة من جريدة هندية، تصور مصر وحدها فى المعركة وقد تخلى عنها العرب جميعاً، وكانت الصورة فى اليوم الأول للهجوم، ولم يكن الموقف قد تجلى بعد ولا كانت فورة الشعوب العربية وثورتها انتصاراً لمصر قد انفجرت نيرانها.

ولكن سفارة الباكستان قفزت إلى الفرصة.

طبعت الصورة التى تخيلت أن فيها تعريضاً بمصر ثم وضعتها فى مظروف، ووضعت فى المظروف مع الصورة خطاباً معناه:

"انظروا ماذا تقول صحف الهند التى تدعى صداقة مصر.. ‍‍!".

وقرأت الخطاب يومها وأنا أتميز غيظاً.

فإن المحاولة كانت ساذجة وأكاد أقول رخيصة.

حتى ولو كانت الصورة تحوى نقداً لمصر، فليس فى هذا ما يعيب الهند، ولا ما ينتقص من الجهد العظيم الذى شاركتنا به فى معركتنا الكبرى..!

هذه ناحية من المسألة.

وناحيتها الأخرى، أنه حتى ولو كانت الصورة تحوى نقداً لمصر فلم يكن

لسفارة الباكستان فى القاهرة أن تحاول حشر نفسها فى العلاقات بين الهند

ومصر..!

ويوم تلقيت هذا الخطاب، لم أفعل إلا أن ألقيت به فى سلة المهملات، واعتبرت الأمر منتهياً من جانبى، وكنت على استعداد لأن أسكت عليه، لا أشير إليه من قريب أو بعيد..!

ثم توالت خطابات سفارة الباكستان.

وكاد واحد منها أن يخرجنى عن سكوتى.

خطاب يحاول التشكيك فى موقف نهرو زعيم الهند، ويلقى ظلال الريب على تهديده بالانسحاب من الكومنولث، ويوحى بأن نهرو لم يكن جاداً فى هذا التهديد ولم يتخذ أى خطوة عملية فى اتجاه تنفيذه.

ومع أن الظروف أثبتت فيما بعد أن تهديد نهرو بالانسحاب من الكومنولث كان حقيقة مؤكدة، وكذلك كان فى مرتبة الحقائق المؤكدة ما كان لهذا التهديد من تأثير فى موقف الوزارة البريطانية وقتها.

مع أن الظروف أثبتت هذا كله، إلا أن سفارة الباكستان فى القاهرة لم يكن لها الحق فى المقام الأول أن تحاول التشكيك فى موقف نهرو من مصر..!

تلك أولاً إساءة إلى مصر..

ثم هى فى اعتقادى إساءة إلى شعب الباكستان..

إساءة لشعب الباكستان من حيث هى مناسبة للمقارنة بين ما فعله نهرو، وما فعله حكام الباكستان..!

حتى ولو كان نهرو يهدد مجرد تهديد.

حتى.. ولو أن هذا غير صحيح.. فماذا فعل حكام الباكستان نصرةً لمصر وتأييداً لها.

حقيقةً كانت لشعب الباكستان مواقف رائعة..

ولكننى هنا لا أتحدث عن شعب الباكستان وإنما عن حكام الباكستان.

حكام الباكستان زجوا ببلادهم، مع الأسف الشديد فى حلف بغداد، والدنيا كلها تعرف الآن ما هو حلف بغداد، وما هى وسائله، وما هى الغايات التى يسعى إلى تحقيقها..

وحكام الباكستان كانوا طليعة الذين حرضوا دالاس على سحب تمويل مشروع السد العالى.. وكان ذلك فى اجتماع الحلف الذى عقد فى شهر مارس سنة 1956 فى طهران.

وحكام الباكستان كان بينهم من وقف يلتمس الأعذار لبريطانيا فى هجومها على مصر.

وحكام الباكستان أيضاً كان بينهم من وقف يعرض بمصر فى اجتماع الحلف الذى عقد أخيراً فى أنقره..!

وكنا نؤثر أن نتناسى هذا ولا ننساه.

ولكن المقارنة لم يكن منها بد.. وسفارة الباكستان فى القاهرة تحاول التشكيك فى موقف نهرو.. ومن غير وجه حق..

وكنت حتى بعد هذا التشكيك فى نهرو على استعداد لمواصلة السكوت.. حتى كان هذا الأسبوع خطاب آخر.

خطاب فاق الحدود فى التهجم على كريشنا مينون، وكان ذلك بمناسبة زيارته لمصر فى الأسبوع الماضى..

وكدت ساعتها أمسك القلم وأكتب مقالاً أقول فيه: "إن كريشنا مينون يساوى فى رأيى دستة على الأقل من أمثال سهروردى رئيس وزراء الباكستان!"

ثم عدلت عن كتابة هذا المقال..

عدلت عنه بعد أن تكشفت أمامى حقيقة كانت خافية علىّ.

سألت نفسى:

- لماذا تفعل سفارة الباكستان هذا؟! لماذا تحاول تجريح الآخرين..؟!

وكان الرد الذى لم أجد غيره:

- ربما كان لسفارة الباكستان عذر.

لقد كان يسر هذه السفارة ويسعدها أن تجد موقفاً باكستانياً رسمياً تملأ الصفحات حديثاً عنه وفخراً به.

ولكن.. أما وليس هناك من ناحية الباكستان الرسمية ما يملأ سطراً من الفخر.. أما وهذا هو الحال.. فليست هناك وسيلة إلا محاولة هدم لمواقف الآخرين.

سفارة الباكستان بالقاهرة تشعر بالحرج.. ولها الحق..

ومن وسائل تعبيرها عن هذا الحرج، ولو أنها وسيلة تعبير سلبية، أن تملأ صفحات خطاباتها شتماً وقدحاً فى الهند وزعماء الهند..!

أليست حالة نفسية متكشفة الجوانب؟ والتمست العذر لسفارة الباكستان!

ومن التماس العذر توجيه الحديث بهذه اللهجة التى بدأت بها هذا الكلام:

- وبعدين مع سفارة الباكستان فى القاهرة..؟

تساؤل وجهته بهدوء لا يشوبه غضب أو ضيق..!

بل.. ربما كان فيه فهم..

وعذر..!


الخميس:

قال لى الدكتور عبد المنعم القيسونى وزير المالية:

- ألا تريد أن تكتب وصفاً لقبو تضع مصر فيه ما يساوى 68 مليون جنيه من الذهب؟

قلت: إيه!! 68 مليون جنيه من الذهب.. أين هى؟

قال:

- فى خزائن البنك الأهلى... وهى احتياطى الحكومة الذى لم يمس...

بل الذى حاولنا أن نزيد عليه... كتلاً من الذهب فوق كتل!

قلت للدكتور عبد المنعم القيسونى بعد لحظة سكوت: عندى فكرة أحسن...

ما رأيك لو جعلنا توفيق الحكيم، أديب مصر الكبير ومفكرها الأشهر، يكتب هذا الموضوع.

إن حب توفيق الحكيم للذهب وحرصه عليه، أصبح أسطورة خالدة.

ولا أشك أن ملايين القراء سوف يستهويهم منظر توفيق الحكيم واقفاً بين ثمانية وستين مليون جنيه من الذهب.

ستكون التعبيرات على وجهه مشهداً تاريخياً.

بريق عينيه... خلجات شفتيه... إشارات يديه... بل حتى حركات عصاه... ستكون قصة.

ثم المقال الذى سيكتبه...

لا أشك أنه سيكون قطعة فنية خالدة.

وتحمس وزير المالية للفكرة، ورفعت التليفون أتصل بتوفيق الحكيم.

ودار الحديث على الوجه التالى:

قلت لتوفيق الحكيم:

- ما رأيك فى 68 مليون جنيه ذهب؟

ولم يرد توفيق الحكيم على الفور، وإنما قال بعد لحظة صمت: أين أنت؟

قلت ضاحكاً:

- أنت تعلم أنى لا أشرب... وبالتالى أنا أكلمك بكامل وعيى!

قال توفيق الحكيم وأنا أتصوره يهز رأسه بسرعة:

- لا يا شيخ...!

ثم استطرد: ماذا قلت؟

قلت:

- ما رأيك فى 68 مليون جنيه ذهب.

قال ضاحكاً:

- هل هذا كلام... اسمع... صحيح... صحيح... من أين تتكلم؟

قلت: ليست هذه هى المشكلة.. المهم أن هناك تصريحاً من وزير المالية.

قال توفيق الحكيم:

- وهل سيصرح لى وزير المالية بأن آخذ هذه الثمانية والستين مليون جنيه من الذهب؟

قلت بسرعة:

- لا طبعاً... ولكنه على استعداد لأن يجعلك تراها وتزورها وتقضى يوماً معها... ما رأيك!

قال بحيرة: بصراحة لا أفهم شيئاً.. كلمنى "جد"..

قلت:

- أنا أكلمك "جد".. ما رأيك لو كتبت لآخر ساعة مقالاً عن تجربتك وسط 68 مليون جنيه ذهب... وسمحت لنا أن نلتقط لك مجموعة من الصور وأنت واقف وسطها.

قال توفيق الحكيم بارتياح: يا نهار.. أقف وسط 68 مليون جنيه ذهب... شئ لطيف... شئ لطيف.

وفجأة استدرك توفيق الحكيم... وعلا صوته واختلجت نبراته...

- لطيف؟ لطيف إيه... دى مصيبة... دى كارثة.

قلت: الله... لماذا غيرت رأيك بهذه السرعة؟

قال:

- تذكرت... تذكرت ساعة الخروج... كيف أقضى نهاراً بين 68 مليون جنيه ذهب... ثم أتركها آخر النهار وأخرج... هذه مؤامرة... مؤامرة على عقلى... ليطير عقلى.

وسكت توفيق الحكيم لحظة ثم قال:

- والا إيه؟

قلت ضاحكاً: إيه

30/3/1957


Saturday, 11 July 2009

همرشولد لم يلق أى متاعب أو عقبات فى مصر

همرشولد لم يلق أى متاعب أو عقبات فى مصر
وكل المتاعب فى انتظاره هناك.!
الفرسان الثلاثة فى مغامرة السويس الخائبة وماذا يريدون؟
بريطانيا لا تريد النجاح للأمم المتحدة وتقول:
إذا سقطت بريطانيا فليسقط كل شىء بعدها!
فرنسا تريد أن تحقق فى القاهرة نصراً على الجزائر!
عصير الطماطم.. وسائل آخر.. يغطى وجه رئيس وزراء فرنسا
إسرائيل كانت وما زالت تسعى إلى الحرب!
.. ولكن ماذا يستطيع همرشولد أن يصنع لهم!

لا أظن أن داج همرشولد، السكرتير العام للأمم المتحدة، لقى - أو سيلقى - من القاهرة متاعب أو عقبات من أى نوع!

وأغلب الظن أن كل المتاعب والعقبات، سوف تكون كلها فى انتظاره على الناحية الثانية، حين يفرغ من مهمته فى مصر، ويبدأ عمله فى استطلاع الجانب الآخر للصورة!

لا متاعب ولا عقبات فى مصر، لأن موقف مصر واضح ظاهر يعرفه السكرتير العام للأمم المتحدة، منذ الساعة الأولى التى بدأت فيها اتصالاته المباشرة بمشاكل الشرق الأوسط، وكان ذلك على وجه التحديد منذ عام... ولم ينس الناس بعد أن همرشولد كان فى القاهرة فى مثل هذا الشهر من العام الماضى... فى مارس سنة 1956.

إنما المتاعب والعقبات كلها فى الناحية الثانية، حيث تتربص مجموعة متشابكة من النوايا الخبيثة والأحقاد المسمومة والعقد الناشئة عن الآمال الضائعة والأحلام التى عصفت بها رياح الفشل، ولم تتولد منها إلا بقايا هزيمة لها مثل طعم العلقم ومرارته الخانقة!

المتاعب والعقبات هناك.

حيث القلوب تنطوى على شىء.. والألسنة تنطق بشىء آخر.

وحيث الأهداف الحقيقية مختفية وراء أستار من الأكاذيب.

وحيث المؤامرات ما زالت تنصب شباكها ولكنها تحاول أن تغطى الشباك ببعض فروع الشجر!

المتاعب والعقبات هناك.

كلها هناك... حيث الأطراف الثلاثة، بريطانيا وفرنسا وإسرائيل، الذين اختاروا لمؤامراتهم الحربية ضد مصر اسماً رمزياً... هو: الفرسان، مستوحى بالطبع من القصة الشهيرة... الفرسان الثلاثة!

المتاعب والعقبات هناك... كلها هناك، عند هؤلاء الفرسان الثلاثة... فرسان مغامرة السويس، الذين عرفوا الآن وتبين لهم بما لا يدع مجالاً للشك أن أخيب مغامرة فى التاريخ، على طول التاريخ، كانت مغامرتهم فى السويس!!

موقف بريطانيا!

ماذا يريدون الآن، وما الذى سيجده همرشولد عندهم، عندما ينتقل إلى الناحية الثانية ويبدأ فى استطلاع الجانب الآخر من الصورة؟!

أين يقف كل منهم، وإلى أين اتجاهه، وما هو الهدف الذى يسعى وراءه؟!

بريطانيا مثلاً...

أول الفرسان، وأكبر الثلاثة فى مغامرة السويس الخائبة، ما هى حكايتها الآن؟!

الدلائل كلها حتى الآن تشير إلى أن بريطانيا لا تريد للسلام فى الشرق الأوسط أن يستقر!

لماذا؟

الجواب ببساطة هو:

"إذا استقر السلام الآن فى الشرق الأوسط فقد انتهى ما تبقى من بريطانيا بعد مغامرة السويس"!

إذا استقر السلام فإن الفضل فى استقراره سوف يعود إلى الأمم المتحدة، والذين تعاونوا مخلصين من أجل تثبيت دعائم الحق والعدل والحرية فى مجتمع الدول!.

وليس هذا ما تريده بريطانيا!.

لقد كانت بريطانيا تعيش على أسطورة أنها تعرف ما لا يعرفه غيرها فى الشرق الأوسط... بلاده وناسه وزعمائه!

واندفعت بريطانيا إلى حماقة السويس، بعناد الذى يؤمن بأن، ما يقوله هو اليوم، سوف يقوله الكل من بعده فى الغد، وإذا كانت الأصوات ترتفع لتعارضه الآن، فسوف يتبين الذين يعارضون أن معارضتهم كانت تعامياً عن الحقائق، ولكن الحقائق ما تلبث أن تتبين... ثم تنقلب الأصوات المعارضة بعدها إلى هتافات تحية ودعوات تأييد!!

وفشلت مغامرة السويس.

وامتلأ قلب بريطانيا بحقد الفشل.

واتجهت سياستها إلى السلبية، ولكنها السلبية المتربصة!

سلبية من يقول:

- إذا كنت لم أنجح أنا... فلن ينجح غيرى!... وما دمت قد سقطت فليسقط كل شىء بعدى!

سلبية الذى عجز عن العمل، فراح يلعن كل القادرين عليه!

إنها لا تريد للأمم المتحدة أن تنجح... فإن معنى نجاح الأمم المتحدة، تثبيت الفشل البريطانى، وتجسيده كياناً مادياً ملموساً!

هذا هو موقف بريطانيا اليوم وتلك هى سياستها.

فما الذى يستطيع همرشولد أن يصنعه لها...

ماذا يستطيع أن يصنع لأول الفرسان وأكبر الفرسان فى مغامرة السويس الخائبة؟!

موقف فرنسا...

ثم فرنسا...

أكثر الفرسان حماقةً وطيشاً فى مغامرة السويس، ما هى - بدورها - حكايتها!

لقد وصلت فرنسا إلى السويس عن طريق الجزائر.

ذلك شىء لا مجال لنكرانه أو الجدال فيه!

كانت فرنسا تسير على طريق الهزيمة... طريق طويل شاق ملىء بالجن والأشباح...

من معالمه الشهيرة ديان بيان فو فى الهند الصينية حيث استطاع زعيم عجوز اسمه هوشى منه، وقائد شاب اسمه جياب أن يرغما جيوش فرنسا العظيمة -! - على أن تتحول إلى قطعان من الأرانب المذعورة الهاربة!

ومن معالمه الشهيرة مراكش.

ومن معالمه الشهيرة تونس.

ثم جاءت آخر مرحلة فى الطريق... أخر المعالم، وأخطر المعالم، الجزائر!

والأمر الذى يدعو للعجب أن الوزارة الحالية فى فرنسا بدأت فى مشكلة الجزائر بداية أشد ما تكون اختلافاً عن النهاية التى وصلت إليها.


لقد بدأ الاشتراكى -!- موليه وزارته بإعلان كبير قال فيه إنه يعتزم أن يفاوض قوات الجزائر من أجل صلح تستقر به الأمور فيها... ويعود معه السلام!

وأعلن موليه أنه فى طريقه إلى الجزائر يخطو خطوته.

ثم أصدر موليه قبل أن يركب الطائرة أمراً بتعيين الجنرال كاترو حاكماً عاماً للجزائر، وشهرة كاترو أنه جنرال مفاوض أكثر منه جنرالاً محارباً!

وكان معنى تعيينه مفهوماً... على الأقل بالنسبة للفرنسيين المستعمرين فى الجزائر فجمعوا جموعهم وأعدوا استقبالاً حافلاً لرئيس وزراء فرنسا الذى جاء الجزائر، ليسلح الجزائر... هكذا تعالت صيحتهم!

وكان أول ما واجهه موليه فى الجزائر مظاهرة من خمسين ألف مستعمر فرنسى من المقيمين فى الجزائر.

وفجأة وقع حادث كان له تأثيره الخطير فى سير الحوادث فيما بعد!

هجم المتظاهرون على جى موليه... ثم استطاعوا أن يصلوا إليه.

وفى ثانية واحدة كانت ألف حبة من حبات الطماطم المتعفنة قد اصطدمت بجسد رئيس وزراء فرنسا... بوجهه... بصدره... بذراعيه اللتين حاول بهما أن يصد مطر الطماطم المنهمر عليه!

ثم مع ألف حبة من حبات الطماطم... ألف بصقه على الأقل.

وعلى حد وصف أحد الحراس الذين أحاطوا بجى موليه وقتها وقد نشر الوصف فى حينه فى صحف فرنسا:

- لقد حملنا رئيس الوزراء، مغمى عليه، فاقد الوعى، من شدة الزحام حوله وقسوة الهجوم عليه...

كان نصفه أحمر... ونصفه الآخر أبيض لزجاً.

كان نصفه غارقاً فى عصير الطماطم... ونصفه الآخر يستحم بالبصاق!!

وحين أفاق رئيس وزراء فرنسا، كان أول شىء فعله إن أتصل بباريس وألغى تعيين الجنرال كاترو، الجنرال المفاوض، حاكماً عاماً للجزائر، ثم عين بدلاً منه لاكوست، حاكماً عاماً مقاتلاً، يتلقى أوامره من مستعمرى الجزائر، وكان معنى التعيين الجديد، أن تغييراً كاملاً حدث فى موقف الاشتراكى -! - جى موليه... الذى تحول بعدها فأصبح خاتماً من المطاط بأيدى مستعمرى الجزائر!

وكان أول ما طلب لاكوست هو تجنيد 150.000 جندى فرنسى من الاحتياطى لإنهاء الحرب فى الجزائر بضربة قوية ساحقة حاسمة.

كان لفرنسا قبل لاكوست 250.000 جندى محارب فى الجزائر.

وبعد لاكوست ارتفع العدد إلى 400.000 جندى!

وبدأت المعركة فى الجزائر.

وحاول لاكوست بكل الأسلحة الجديدة... وكل الأسلحة القديمة أن ينهى المعركة.

الأسلحة الجديدة... أسلحة حلف الأطلنطى المصنوعة بعد النصف الثانى من القرن العشرين... قاذفات اللهب، وقنابل النابالم والطائرات النفاثة من مقاتلات وقاذفات، والدبابات والمدافع...!

والأسلحة القديمة... أسلحة القرون الوسطى... أسلحة السجون يلقى فى أحدها - مثالاً وليس حصراً - أربعون ألف سجين، لا يوجه لأحدهم سؤال أو يسمع منه جواب!. وأسلحة إغراق مئات فى الماء، وأسلحة نفخ بعض أسرى الثوار حتى تنفجر بطونهم... وليست هذه مبالغات، وإنما الفضيحة ذائعة الآن فى باريس، والصحف نشرتها والتحقيق يدور بشأنها!

ولكن الأسلحة كلها لم تجد شيئاً.

لا الأسلحة الحديثة نفعت ولا الأسلحة القديمة أفادت بل على العكس!

كان جيش ثوار الجزائر قبل لاكوست ثلاثة آلاف.

وأصبح جيش ثوار الجزائر بعد لاكوست مائة ألف!

وكان تدريبهم أحسن، وتسليحهم أكمل، وروحهم المعنوية عالية.... أعلى ألف مرة من الروح المعنوية لخصومهم.. جنود فرنسا الذين كانوا لا يزالون رجوعاً بظهورهم على طريق الهزيمة... منذ أيام ديان بيان فو!.

وكان لابد من البحث عن عذر.

وكان لابد من تبرير.

لم تكن فرنسا تملك الشجاعة لتتحمل مسئولية هزائمها... وهكذا راحت تبحث عن مسئول... تلقى عليه العبء، وتشير إليه بالاتهام!

ووجدت فرنسا العذر، والتبرير... والمسئولية...

وجدتها جميعاً فى مصر...

مصر التى تدعو للقومية العربية... وتساعد أحرار العرب!

وبدأت أصوات فى فرنسا تطالب بضربة فى القلب... فى قلب القومية العربية... فى القاهرة!

وقالها موريس بورجيس ماتورى وزير الحربية فى حكومة موليه وممثل مستعمرى الجزائر فى الوزارة... قالها صراحةً حين أعلن يوم بداية الغزو:

- إذا نجحنا فى مصر فمعنى ذلك أننا انتصرنا فى الجزائر... إن القاهرة هى قلب الثورة ضد مصالح فرنسا وإذا قُضى على القومية العربية فلن يكون لثوار الجزائر سند يحمى ظهورهم!

وكان وزير حربية فرنسا صادقاً ربما للمرة الأولى فى حياته.

ويحاول أن يكون ديبلوماسياً... وإنما اعترف الرجل بصراحة!

كانت تلك هى الحقيقة.

لقد اشتركت فرنسا فى مغامرة السويس... بحثاً عن نصر فى الجزائر.

وهذا هو موقف فرنسا اليوم وتلك هى سياستها...

فما الذى يستطيع همرشولد أن يصنعه لها.

ماذا يستطيع أن يفعل لثانى الفرسان، وأكثر الفرسان حماقةً وطيشاً فى مغامرة السويس الخائبة؟!

وموقف إسرائيل!

ثم تبقى إسرائيل!!

أصغر الفرسان، ولكن أسودهم قلباً وأشدهم خبثاً ومكراً!

ماذا كانت تريد إسرائيل من وراء مغامرة السويس؟

كانت فرصة العمر لها، وغاية المنى والأمل!

كانت سياسة بن جوريون هى سياسة فرض السلام بقوة السلاح ولم يكن السلام هو الذى يريد أن يفرضه، وإنما الحقيقة أنه كان يريد أن يفرض الاستسلام!

إن السلام لا يفرض.

ومعنى فرض السلام هو الحرب لإجبار الطرف الآخر على الاستسلام... ولا معنى "لفرض" السلام إلا هذا المعنى.

وكانت سياسة إسرائيل هى زيادة التوتر على خطوط الهدنة!

فإن الهدوء على هذا الخط كان آخر ما يناسب أهداف إسرائيل!

إن إسرائيل لا تريد حالة الهدنة.

إنها تريد إما الصلح مع العرب بالمفاوضة مع العرب حول مائدة، وإما إجبار العرب على الصلح بعد معركة.. معركة تحقق إسرائيل فيها النصر، ولا يلقى العرب فيها غير الهزيمة!


إن إسرائيل تعلم أن لا حياة لها إلا إذا ارتفعت السدود والحواجز بينها وبين العرب من حولها.

وإذن فهذه الحالة... التى لا هى حرب، ولا هى صلح... حالة الهدنة... إنما هى بالنسبة لها دعوة إلى الموت البطىء!

وأكثر من هذا فإن استمرار الهدوء على خط الهدنة من شأنه تجميد الوضع، ولفت الأنظار بعيداً عن إسرائيل... وأهم الأنظار هنا أنظار الذين يتبرعون فى أمريكا ويدفعون، لكى يساعدوا إسرائيل الصغيرة المسكينة التى يحيط بها الغيلان العرب من كل ناحية... هكذا يتصورون!

ثم زاد الطين بله... بعد أن بدأت مصر تتسلح.

إذن فسوف تفلت الفرصة... فرصة إمكان فرض السلام بالسلاح...

لابد أن تتحرك إسرائيل.

‍ولكن هل تقدم على المغامرة وحدها.. وما هى الاحتمالات.

وإذن تروح إسرائيل تستطلع وتجس النبض وتبحث عن شركاء.

شركاء مثلها يتمنون العمى.. ولا يرون القومية العربية تنبعث بعد طول رقاد.

وشركاء مثلها يتمنون الصمم.. ولا يسمعون اسم مصر أو اسم جمال عبد الناصر.

ومرت عليهم إسرائيل..

وأضحوا الفرسان الثلاثة..

وطريقهم إلى السويس..

وبدأت مغامرة السويس..

وفشلت وخابت مغامرة السويس!

ووجدت إسرائيل صروح خيالاتها تتهاوى صرحاً بعد صرح!

كانت تريد تحطيم قوة الجيش المصرى فى ضربة قاضية تساعدها فيها بريطانيا وفرنسا - وماذا تريد إسرائيل خيراً من هؤلاء الأعوان - ولكن ذلك لم يتحقق.. وافلت الجيش المصرى من الفخ الذى دُبر له فى سيناء.. وهو اليوم باقٍ بنفس قوته.. بل زادته التجربة قوة.. عقبة صلدة.. كأنها جبل فى وجه إسرائيل!

وكانت إسرائيل تحلم بضم سيناء.. ولكنها أُجبرت على الانسحاب من سيناء.

وكانت تتمنى غزة.. ولكنها اضطرت إلى بلع أمانيها وخرجت من غزة..

وكانت تتصور أن فى استطاعتها أن تحصل على شرم الشيخ، وتبقى مرابطة فى جزر مضيق تيران ولكن تصوراتها تحولت أوهاماً، وأرغمت على التسلل بليلٍ من حيث كانت تتصور أن فى استطاعتها البقاء!

ثم يعود الحديث إلى اتفاقية الهدنة.

الحالة التى لا هى حرب.. ولا هى سلام.

ولو احترمت اتفاقية الهدنة ونفذت أحكامها فماذا تفعل إسرائيل؟

الحواجز والسدود قائمة بينها وبين من حولها.. وإذن لا أمل ولا بصيص أمل!

ثم.. كيف تستطيع إسرائيل أن تجمع أموال المتبرعين فى أمريكا، لو أن الأحوال هدأت.. والتوتر على خط الهدنة زال.

وأسطورة إسرائيل الصغيرة المسكينة.. والغيلان العرب حولها يتربصون بها ويتحفزون للانقضاض عليها.. هذه الأسطورة كيف تستطيع إسرائيل أن تعيش بدونها.. بينما هى على حسها وصداها استطاعت أن تجمع من أمريكا وحدها حتى الآن ثلاثة آلاف مليون دولار معفاة من الضرائب والرسوم!

ولقد بدأت إسرائيل فعلاً تعود إلى أسطورة "الصغيرة المسكينة" التى يحيط بها الغيلان!

النجاح الذى استطاعت جولدا مائير أن تحققه فى رحلتها الأخيره لأمريكا

وكانت رحلة جولدا مائير وزيرة خارجية إسرائيل المفاجئة فى الأسبوع الماضى إلى أمريكا بداية العودة إلى هذه الأسطورة.

فجولدا مائير والذين أرسلوها إلى أمريكا، أول من يعلم أن مصر بقرارها تعيين حاكم إدارى مصرى لغزة لم تخالف اتفاقاً وقعته أو تفاهماً جرى الحديث على الرضا به!

وإنما هى حركة مسرحية مفتعلة تحاول جولدا مائير بها أن تقول للعالم، وللرأى العام الأمريكى فى مقدمته:

- الحقوا إسرائيل.. أو لن تلحقوها أبداً!

واستطاعت جولدا مائير أن تحقق بعض النجاح فيما أرادته، والذى يطالع الآن صحف أمريكا.. وصحفاً كثيرة فى أوروبا.. يتصور أن إسرائيل المسكينة-! - هى الضحية، أما مصر.. فمصر هى الجانى.. والدم ما زال يقطر من يديه!!

وهذه هى المقدمة!

وبعد المقدمة لا تريد إسرائيل أن تُهدأ الأحوال على خط الهدنة أو تخف حدة التوتر.

وإلا كان معنى ذلك هو: الموت البطىء..

والإفلاس أيضاً فى نفس الوقت.

ومن هنا يستطيع المرء أن يفهم سر إصرار جولدا مائير فى التصريحات التى نشرتها لها كل صحف إسرائيل، على أن الهدف الوحيد لزيارة همرشولد فى القاهرة، ينبغى أن يكون السعى إلى إنهاء حالة الحرب بين مصر وإسرائيل!

تلك هى حكاية الفارس الثالث فى مغامرة السويس.. أسودهم قلباً وأشدهم خبثاً ومكراً.. وهذه هى حالته!

******

وماذا يستطيع همرشولد أن يصنع لهم.

وهل يملك الرجل شيئاً يقدمه لهم فيتقبلوه برضى!

لا شئ فى طاقة همرشولد يستطيع أن يضمن له رضاءهم.

هل يستطيع - أو يقبل - هموشولد أن يسلمهم مصر جثة هامدة ليس فيها روح وليس فيها حياة!

لا!

هل يستطيع - أو يقبل - همرشولد أن يسلمهم أسلحة جيش مصر قطعاً محطمة من الحديد والخردة!

لا!

هل يستطيع - أو يقبل - همرشولد أن يسلمهم القومية العربية مادة خامدة لا تشع ولا تضئ؟!

لا!

هل يستطيع - أو يقبل - همرشولد أن يسلمهم رأس جمال عبد الناصر على طبق من ذهب؟!

لا!

هل يستطيع - أو يقبل - همرشولد أن يسلمهم قناة السويس داخل علبة من القطيفة الملكية الزرقاء؟

لا!

ماذا يستطيع إذن أن يعطيهم لكى يرضوا عنه ويتعاونوا معه..

ماذا فى جعبته!

ماذا؟

شرف وعدل وحق!

طظ.. كلها أشياء لا يريدونها ولا يهمهم من أمرها كثير أو قليل!

وإذن لن يرضوا عنه.. ولن يتعاونوا معه.

والمتاعب والعقبات هناك..

هناك فى انتظاره.. وكان الله فى عونه!
27/3/1957

قصة صغيرة بين الرئيس جمال عبد الناصر والسفير الأمريكى

جمال عبد الناصر يطلب خطبة لجورج واشنطن والسفير يفتش سطورها
إذا لم تستطيعوا فهم موقفنا على ضوء التاريخ العربى..
فحاولوا أن تفهموه على ضوء التاريخ الأمريكى
!
فى لقاء أخير بين الرئيس جمال عبد الناصر، وبين السفير الأمريكى فى القاهرة، المستر ريموند هير، وقعت قصة صغيرة... ولكنها أبلغ فى شرح الحياد الإيجابى الذى ينادى به العرب اليوم، من ألف مجلد تكتب عن هذا الموضوع.

كان اللقاء بين الرئيس، وبين السفير، قد قارب الانتهاء ولقد شمل البحث كل الموضوعات التى كان مفروضاً أن يشملها... وبدأ السفير يتأهب للقيام.

وقال الرئيس جمال عبد الناصر موجهاً حديثه للسفير:

- ترى هل أستطيع أن أجد عندك نسخة من آخر خطبة ألقاها جورج واشنطن؟

وقال ريموند هير:

- تقصد خطبة الوداع.. أليس كذلك، إننا نطلق عليها فى تاريخنا الوطنى الأمريكى هذا الوصف، ليس فقط لأنها كانت آخر خطبة ألقاها بطل الاستقلال الأمريكى، بل أيضاً لأنه ضمنها نصائحه إلى شعبه.

وقال الرئيس جمال عبد الناصر:

- أجل.. بالتحديد هذه الخطبة فهل لديك نسخة منها؟

وقال السفير الأمريكى:

- لابد أن تكون فى مكتبة السفارة هنا نسخة منها، وإذا لم نجدها فسأبعث إلى واشنطن فى طلبها...

ثم استطرد السفير الأمريكى:

- سوف تكون معى فى أول مرة التقى فيها بسيادتكم، إلا إذا كنتم تريدونها قبل ذلك لأمر عاجل لا يحتمل الانتظار...

وقال الرئيس:

- إن الأمر ليس عاجلاً إلى هذه الدرجة.

وانتهى اللقاء... ومرت أيام.

ثم جدت ظروف تستدعى أن يطلب السفير الأمريكى ريموند هير موعداً ليقابل فيه رئيس الجمهورية المصرية بناء على تعليمات تلقاها من واشنطن، وتحدد الموعد.

وذهب السفير يحمل رسالة حكومته، ولم ينس أن يضع فى جيبه كتيباً صغيراً فيه آخر خطبة ألقاها جورج واشنطن... خطبة الوداع.

وفى هذه المرة لم تكن خطبة جورج واشنطن التاريخية هى ختام اللقاء بين الرئيس وبين السفير، وإنما كانت بداية اللقاء.

قدم السفير نسخة الخطبة إلى رئيس الجمهورية المصرية قائلاً:

- هذه هى الخطبة التى كنتم قد طلبتم نسخة منها فى آخر لقاء.

ثم استطرد ريموند هير باسماً:

- سيدى... أظن أننى استطعت أن أعرف السبب الذى تريدون من أجله هذه الخطبة... هل تأذن لى أن أجرب قدرتى على الاستنتاج؟

وأمسك السفير بيده خطبة جورج واشنطن.. خطبة الوداع، ثم قلب صفحاتها.. ثم وصل إلى سطور منها وضع عليها إصبعه ثم عاد يتطلع إلى الرئيس قائلاً:

- سيدى... أظنها بالتحديد هذه الفقرة، التى أثارت اهتمامكم فى هذه الخطبة، ثم ابتسم ريموند هير واستطرد:

- هل أصبت؟ أم ترى جانبنى التوفيق؟

وقال الرئيس جمال عبد الناصر ضاحكاً:

- بل أصبت... هذه فعلاً هى الفقرة التى كنت أريدها فى خطبة جورج واشنطن!

واتجه الحديث بعدها إلى الموضوعات التى من أجلها طلب السفير موعداً يقابل فيه الرئيس.

ولكن ما هى هذه الفقرة الهامة فى خطبة جورج واشنطن التاريخية... خطبة الوداع؟ وماذا تقول؟

وأى شئ فيها حتى تثير اهتمام رئيس جمهورية مصر لهذا الحد... الحد الذى يجعله يطلب نسخة منها من السفير الأمريكى، والحد الذى يجعل السفير الأمريكى يهتم بالخطبة بدوره، ويذهب يفتش سطورها يحاول أن يعثر فيها على الفقرة التى تهم جمال عبد الناصر؟!

ثم ينجح فى محاولته.. ويعثر عليها فعلاً!

أجل!

ما هى هذه الفقرة الهامة، وماذا تقول، وأى شىء فيها؟

إنها سبعة سطور أو ثمانية.. موجهة إلى الشعب الأمريكى.. فى آخر خطبة ألقاها عليه الزعيم الذى قاد معركة الاستقلال الأمريكى، سبعة سطور أو ثمانية.. قالها جورج واشنطن.. ونصها بالحرف:

القاعدة الأساسية التى يجب أن تتبعها الولايات المتحدة الأمريكية إزاء الدول الأجنبية يجب أن تكون كما يلى:

"توسع بقدر المستطاع فى علاقاتنا التجارية معها، تحفظ بقدر المستطاع فى علاقاتنا السياسية معها، تجارة من غير ما حدود، وسياسة داخل أضيق الحدود.

لابد أن نعرف أن أوروبا لها مجموعة من المصالح الأزلية لا علاقة لنا بها مطلقاً، أو لنا بها علاقة بعيدة، إن أوروبا كانت دائماً، وستظل، مسرحاً لحزازات متكررة لا تعنينا بحال من الأحوال.

إن الأسباب المختلفة لهذا الحزازات غريبة عنا تماماً ومن ثم فإنه ليس من الحكمة أن نورط أنفسنا بروابط صناعية تجرنا معها فى تيار من التقلبات السياسية لا شأن لنا بها، ومن ثم تشركنا فى عداوات ليس لها من وجهة نظرنا ما يبررها".

انتهت هذه الفقرة من كلام جورج واشنطن فى خطبة الوداع!

هل اتضح... ما هى؟، وهل اتضح.. ماذا تقول؟، وهل اتضح.. أى شئ فيها؟

أظن الأمر كله اتضح، ومع ذلك فلعله من المفيد أن نعود إلى ظروف تلك الأيام التى ألقى فيها جورج واشنطن هذه الكلمات الخالدة!

أيامها كان الشعب الأمريكى خارجاً لتوه من حرب الاستقلال، كذلك شعوب العرب اليوم، وأيامها كانت القوات الأجنبية قد جلت لتوها عن أمريكا، كذلك القوات الأجنبية التى كانت تحتل أرض العرب حتى اليوم، وأيامها كانت القوى الكبرى مشتركة فى صراع مخيف انهمكت فيه بكل إمكانياتها بريطانيا وفرنسا والنمسا، وكذلك القوى الكبرى اليوم، وأيامها كانت الحكومة الأمريكية بلسان منشئها تنظر بشك إلى هذا الصراع وتخاف منه على استقلالها، وكذلك حكومات العرب المتحررة اليوم، وأيامها دخلت القوى الكبرى فى حروب دامية، وكذلك حدث، وقد يحدث اليوم... مع خلاف بسيط هو أن أسلحة الحرب أيامها كانت تقتل الناس واحداً واحداً... أما اليوم فأسلحة القتال تزهق أرواح الناس بالملايين... مليوناً بعد مليون!

كانت هذه هى الظروف أيامها فى أمريكا وهى نفس الظروف هذه الأيام فى البلاد العربية، وعلى ضوئها - فى تلك الأيام - وضع جورج واشنطن حدود السلامة لشعبه، وعلى ضوئها - فى هذه الأيام - وضع زعماء العرب حدود السلامة لشعوبهم...

ومع ذلك فهناك ما هو أكثر..

كانت الصلة بين الشعب الأمريكى والقوى الكبرى فى أوروبا أيامها علاقات أقرب وأوثق من العلاقات بين الشعوب العربية وبين القوى الكبرى هذه الأيام..

أن الشعب الأمريكى كان يستطيع أن يرد أنسابه.. آباءه وجدوده.. أصوله كلها إلى قوى أوروبا المتصارعة فيما بينها.

أما الشعوب العربية فما هى صلتها بالقوى الكبرى اليوم؟ ماذا رأى الشعب العربى من هذه القوى إلا كل ما يبعث الريبة فى النفوس وفى القلوب، لم نعرف هذه القوى إلا وهى رابضة فى مواجهتنا وراء دبابة، ولم تتحدث إلينا هذه القوى إلا من فوهة مدفع، ولم نرها إلا وهى هابطة فوق رءوسنا بالباراشوت!!

ولم تعقد معنا اتفاقاً إلا كانت هى الطرف المتحكم الذى سيحدد الشروط ويفرضها ويكتبها ويقدمها للطرف الضعيف يبصمها بإبهامه بعد أن يبلله بقطرات من دمه.

بل وحين تطورت هذه القوى وأرادت أن تتصل بنا وجهاً لوجه.. رجلاً لرجل.. لم نجد أمامنا إلا أمثال لورنس وجلوب وكيفرن ونورى السعيد..

وبينما نادى جورج واشنطن أيامها، بالعزلة الكاملة، نادى زعماء العرب اليوم بما هو أخف من العزلة، لأن ظروف التقدم الإنسانى لا تسمح اليوم بالعزلة، لدولة من الدول أو شعب من الشعوب، وقد كانت صيغة زعماء العرب هى:

"الحياد الإيجابى" أى "عدم الانحياز"!

هل زاد الأمر وضوحاً؟

اعتقد!

وبعد...

لماذا ذكرت هذه القصة الصغيرة التى وقعت بين الرئيس عبد الناصر وبين السفير الأمريكى؟ لماذا ذكرتها اليوم، واستطردت بعدها إلى مزيد من التفاصيل تزيد الأمر شرحاً وتفصيلاً؟

السبب فى هذا رجل أمريكى، وصل إلى الشرق الأوسط هذا الأسبوع، يحاول أن يشرح له سياسة الرئيس أيزنهاور... رجل اسمه ريتشاردز، يرأس البعثة التى استعارت منه اسمه وأصبحت بعثة ريتشاردز.

إنه يسمع الآن وسوف يسمع فى الأيام القليلة القادمة كثيراً عن عبارة الحياد الإيجابى، إننى أتمنى له أن يفهمها.

إن لم يستطع أن يفهمها على ضوء من تاريخ الشعب العربى، فلعله يستطيع أن يفهمها على ضوء من تاريخ الشعب الأمريكى نفسه!

أليس هذا عدلاً... أم ماذا؟

قولوا كلمة أيها المتحمسون لكل ما هو أمريكى، أليس جورج واشنطن أمريكياً.. بل ألم يكن بطل الاستقلال الأمريكى؟.

وليتكم بعدها تتعلمون الدرس من أمريكى مخلص..

لتكونوا أنتم أيضاً عرباً مخلصين!
20/3/1957

يوميات أخبار اليوم

الثلاثاء:

كل شئ هادئ!

كل شئ هادئ فيما بين قوة الطوارئ الدولية.. وبين مصر.

والغمامات التى تجمعت على أفق العلاقات بينهما فى الأيام الماضية لم تلبث أن تحولت إلى سحابات صيف، تلكأت قليلاً وسط السماء، ثم طردتها حرارة الشمس الساطعة.

شمس الثقة المتبادلة بين مصر وبين الأمم المتحدة.

الشمس التى لا ينبغى أن تغرب أبداً.. وإلا...

وإلا ساد الظلام، وفى الظلام احتمالات مجهولة، وأمطار وعواصف، وبروق ورعود، وزلازل.. وربما أكثر!

سحابات صيف، تلكأت قليلاً، ثم ما لبث أن تبددت، وعادت للسماء زرقتها الصافية، الباعثة على الأمل والاستبشار.

ولكن...

ولكن من أين جاءت السحب!

ليس يكفى أنها تبددت حتى ننسى أمرها، وإنما لابد من دراسة لها، ولسبب واحد على الأقل هو: أن لا يسمح لها أبداً أن تتجمع لتعود من جديد.

أجل.. ولكن، و لكى لا تعود لابد من نظرات على الأفق الذى جاءت منه هذه السحب.. نظرات يمكن بعدها تحديد اتجاهات الرياح التى ساقتها أمامها وحاولت أن تغطى بها وجه الشمس!

*** أولى هذه السحب، شكوك غامضة مبهمة، أثارتها عدة اعتبارات بينها ستار الدخان - الدعايات والأكاذيب - الذى حاولت إسرائيل به أن تستر انسحابها من غزة وخليج العقبة.

وبينها الضمانات التى أشيع أن إسرائيل حصلت عليها، من الولايات المتحدة، ثم من الأمم المتحدة - هكذا أشيع! - وأهمها أن مصر لن تعود أبداً إلى قطاع غزة وإلى إدارته.

وبينها التصريحات التى توالت من لندن وباريس وتل أبيب، معبأة بالإيحاءات المريبة، التى تلقى الظلال القاتمة على مستقبل قطاع غزة، وعروبته.

هذه الشكوك الغامضة المبهمة كلها، كانت أولى سحب الصيف.

*** ثم مرقت من الأفق فجأة سحابة ثانية، سارت فى طريقها بحزم وكأنما هى تسير على إيقاع نشيد عسكرى!

كانت السحابة الثانية مجموعة تصرفات للجنرال بيرنز، قائد قوة الطوارئ الدولية.

وربما كان الجنرال بيرنز حسن النية فى هذه التصرفات.. ربما.

ولكن حسن النية لم يستطع أن يؤكد وجوده فى جو الشكوك الغامضة المبهمة التى كانت تبدو على الأفق قبل أن تبدأ تصرفات الجنرال.

أحياناً كان بيرنز فى أوامره ينسى كلمة واحدة فى اسم قواته.. هى كلمة "الطوارئ"!

أحياناً كان بيرنز يتصور أنه يقود قوة دولية دائمة، وليست مجرد قوة مؤقتة مكلفة بعمل محدد، تقوم به بتكليف من الجمعية العامة للأمم المتحدة.

تقوم به، ثم تنتهى منه إلى هدنة.. وتقف بعده أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة تشد قامتها، وتضرب "تعظيم سلام" وتقول ما تقوله أى قوة نشيطة، حققت أغراضها - أمام السلطة العليا التى تتلقى منها أوامرها - تمام يا أفندم!.

ثم تستأذن فى الانصراف!

مرات كان الجنرال بيرنز ينسى هذه الكلمة الهامة فى اسم قواته.. كلمة "الطوارئ"، ويتصرف - كما قلت - تحت شعور أنه يقود قوة دولية مثل قوات حلف الأطلنطى مثلاً!

ومرة من هذه المرات، كانت عقب دخول قوات الطوارئ الدولية إلى غزة مباشرةً.

وكان المفروض أن يجرى فى غزة ما جرى قبلها فى بورسعيد وسيناء.

تتحرك قوة الطوارئ فى أعقاب القوة المعتدية المنسحبة.

ويتحرك وراءها مكتب اتصال مصرى ينسق التحركات بينها وبين السلطات المصرية الوطنية القادمة وراءها.

ثم تجئ السلطات المصرية الوطنية، ليعود كل شئ كما كان.. قبل العدوان!

كذلك حدث فى بورسعيد.

وكذلك حدث فى سيناء.

ولكن فى غزة، بدا للوهلة الأولى، أن القطار خرج عن القضيب الحديدى الممتد أمامه ليحدد اتجاهه ويرسم طريقه.

حين ذهب ضابط الاتصال المصرى، يرتب مع الجنرال بيرنز أمر انتقال هيئة الاتصال المصرية إلى غزة، هز الجنرال بيرنز رأسه وقال أنه يفضل أن يبقى مكتب هيئة الاتصال المصرية مكانه فى أبى صوير، ولا ينتقل مع قيادة الجنرال بيرنز نفسها إلى غزة!

ثم قالها الجنرال بيرنز بصراحة أكثر:

- إن الأوامر لدى حتى الآن أن لا يذهب أحد من المصريين إلى غزة!

*** ثم وصلت سحابه ثالثة تتهادى عبر الأطلنطى، قادمة من كندا.

وكندا كما هو معروف - بالطبع - دولة من الدول التى تشترك بكتيبة كاملة فى قوة الطوارئ الدولية.

ومع أن مصر لم تثر أى اعتراضات، على اشتراك أى دولة من الدول فى قوة الطوارئ الدولية، إلا أنها فيما يتعلق بكندا بالذات.. أثارت عدة ملاحظات!

ملاحظات أكثر منها اعتراضات، لأن مصر كانت وما زالت حريصة على تسهيل مهمة داج همرشولد، السكرتير العام للأمم المتحدة، ولأن مصر كانت وما زالت حريصة على أن تنجح قوة الطوارئ الدولية فى مهمتها، باعتبارها محاولة إيجابية، تجريها الأمم المتحدة لأول مرة.

وكانت أبرز ملاحظات مصر على اشتراك كندا فى قوة الطوارئ - وقتها - أن جنود الجيش الكندى وضباطه، يرتدون نفس الزى الذى يرتديه جنود الجيش البريطانى وضباطه، ومن هنا قد يحدث بين أفراد القوة الكندية، وبين أفراد الشعب المصرى سوء فهم.

ثم أكد هذه الملاحظة ما ذكره أنتونى إيدن رئيس وزراء بريطانيا المنهار ذات مرة فى مناقشة لمجلس العموم، حين أراد إيدن أن يغطى حملته الخائبة المجبرة على الانسحاب، فإذا هو يسفسط ويتفلسف ويقول:

- إن القوات البريطانية سوف تخرج من قناة السويس حين تحل محلها القوات الكندية، وهى بوصفها من قوات الكومنولث تعتبر أيضاً من قوات جلالة المملكة البريطانية!

أى أن قوات اليزابيث القادمة من إنجلترا.. سوف تخلى الطريق لقوات اليزابيث القادمة من كندا..!

ومع ذلك.. أو برغم ذلك، فقد قدرت مصر أن إيدن يهذى من الحمى، ثم تركت لهمرشولد حرية التصرف بعد أن أبدت له ملاحظاتها.. مجرد ملاحظات!

ثم بدأت أصوات غريبة ترتفع فى برلمان كندا.

قال رئيس وزرائها لويس سانت لوران مرة إن بقاء قوات الطوارئ الدولية فى مصر لا يتوقف على رغبة مصر ورضاها!

ثم عاد ليستر بيرسون وزير خارجيتها فاقترح فى مشروع قدمه للجمعية العامة للأمم المتحدة... تدويل قطاع غزة!

*** ثم جاءت سحابة رابعة، تتهادى أيضاً عبر الأطلنطى وأيضاً من كندا!

رأى الجنرال بيرنز أنه فى حاجة إلى وحدة استطلاع ميكانيكية تتولى مهمة القيام بدوريات الاستكشاف لقوة الطوارئ الدولية.

واتصل الجنرال بيرنز بوزير الحربية فى كندا يطلب منه المدد.

وجاءت وحدة استطلاع من كندا..

جاءت من كندا.. ولكنها لم تدخل مصر.

لم تدخل لسبب واحد، هو أن مصر لم تأذن بدخولها، مصر التى كان رئيس وزراء كندا يرى أن بقاء قوات الطوارئ فيها لا يتوقف على رغبتها ورضاها!

ولأن مصر لم تأذن، عادت الباخرة التى كانت تحمل وحدة الاستطلاع الكندية وأنزلت حمولتها فى ميناء نابولى وما زالت هذه الوحدة هناك، قابعة على رصيف الميناء بمعداتها واضعة يدها على خدها.. تنتظر!

ولكن تلك مشكلة لا تعنى مصر، مصر التى قبلت دخول قوات الطوارئ إلى أرضها على أساس شروط، وداخل نطاق محدود.

*** ثم تدافعت سحابة خامسة وسحابة سادسة وسحابة سابعة!

تدافعت هذه السحب واحدة بعد الأخرى وتشابكت بعد أن وجدت مصر أنها لا تستطيع أن تغمض عينيها عما يجرى.

غزة فى ثورة لا يمكن أن يقال إن مصر هى التى دبرتها وأشعلت نارها.

ثورة تطالب بعودة الإدارة المصرية إلى القطاع.

والكتيبة اليوغوسلافية فى قوة الطوارئ، رأت أنها تكلف بما لا يتفق مع طبيعة المهمة المحددة لقوة الطوارئ بمقتضى قرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة.

وهكذا صدر الأمر بتعين اللواء محمد حسن عبد اللطيف حاكماً إدارياً لقطاع غزة وكان معنى التعيين واضحاً.. ظاهراً.

وكان رد الفعل المثير لهذا الإجراء المصرى هو السحابة الخامسة.

فلم يكن هناك إلا تفسير واحد له.. هو أنه كان هناك اتفاق أو كانت هناك مؤامرة على أن لا تعود مصر إلى إدارة غزة..

وإلا...

وإلا أى تفسير غير هذا يمكن استنتاجه من هذه الثورة العارمة ضد مصر خلال الأخبار الطائرة بين العواصم المختلفة.

وإلا أى تفسير غير هذا يمكن استنتاجه من هذا الغيظ المتفجر على مصر خلال تصريحات الساسة المسئولين فى لندن وباريس وتل أبيب.

أى تفسير.. إلا أن يكون هناك اتفاق.. وتكون هناك مؤامرة.

إن مصر بتعيين حاكم إدارى مصرى لغزة، لم تفعل إلا أنها وضعت موضع التنفيذ العملى، وبأمانة متناهية، قرارات أصدرتها الجمعية العامة للأمم المتحدة بأغلبية 74 صوتاً.. أغلبية لم تعرف لها الأمم المتحدة مثيلاً فى تاريخها.

فلماذا الثورة العارمة إذن.

وعلام الغيظ المتفجر؟!

*** ثم كان إطلاق النار على المتظاهرين فى غزة وقتل أحدهم هو السحابة السادسة.

فقد كان المفهوم أن مهمة قوة الطوارئ هى حماية أهالى غزة.. وليس إطلاق الرصاص عليهم.

*** وأخيراً كان منع بعثة الهلال الأحمر المصرى من دخول غزة هو السحابة السابعة!

ولبضع ساعات بدا الأفق معتماً حافلاً بالنذر.

ثم فجأة بدأت السحب تتفرق وتتباعد!

تحرك داج همرشولد فى نيويورك وتحرك رالف بانش فى القاهرة.

وتحركت مصر كذلك تلاقى الأمم المتحدة فى فهم مستنير.

وأخذت السحب التى كانت تفرقت وتباعدت.. تتبدد أيضاً.

السحابة الأولى - سحابة الشكوك الغامضة المبهمة - تبددت بعد التأكيدات القوية الحاسمة بأن إسرائيل انسحبت من غير ضمانات.. لا من الولايات المتحدة ولا من الأمم المتحدة.

والسحابة الثانية - سحابة تصرفات الجنرال بيرنز - تبددت بعد الدلائل الواضحة بأن الجنرال بيرنز كان يتصرف فى حدود ما تصور أنه خير الوسائل لحفظ الأمن فى القطاع حتى يتلقى تعليمات مفصلة..

والسحابة الثالثة - سحابة تصريحات رئيس وزراء كندا ووزير خارجيتها تبددت بعد أن تبين أن كندا منهمكة فى الاستعداد لمعركتها الانتخابية، وأن أحداث الشرق الأوسط تلعب دوراً كبيراً فى هذه المعركة.

ومع أن إدخال السياسة الخارجية لأى بلد فى ميدان سياستها الحزبية المحلية لعبة شائكة إلا أن مصر لا يهمها الأمر ما دامت هى قادرة على اتخاذ ما يوافق سلامتها من إجراءات، ومن هذه الإجراءات أن تبقى وحدة الاستطلاع الكندية واضعة يدها على خدها فى نابولى تنتظر الإذن بدخولها مصر!

والسحابة الخامسة - سحابة رد الفعل المثير لتعيين حاكم إدارى مصرى لغزة - تبددت بعد أن اتخذت مصر إجراءها ووضعته موضع التنفيذ، ثم تمثلت بكلمة برنارد شو الشهيرة:

- إنهم يقولون، ماذا يقولون... دعهم يقولون!

والسحابة السادسة - سحابة إطلاق الرصاص على أهالى غزة - تبددت بعد أن أوضح الجنرال بيرنز بنفسه موقف قوته من تلك الحادثة، وأبدى حزنه لوقوعها وشرح الظروف المؤسفة التى وقعت فيها.

والسحابة السابعة والأخيرة - سحابة منع بعثة الهلال الأحمر من دخول غزة - تبددت بعد أن تبين أنه ليس هناك منع، وإنما كانت هناك إجراءات تمهد للدخول.

تفرقت السحب وتباعدت... ثم تبددت، وعادت الشمس إلى الظهور.

وتكشفت الحقائق... حتى الرداء العسكرى الأنيق الذى يلبسه الجنرال بيرنز والذى كان كثيرون وبينهم الدكتور رالف بانش يعتقدون أنه، من فرط وجاهته من تصميم صانع الأزياء الباريسى الشهير كريستيان ديور... تبين أن الذى وضع تصميمه هو الأسطى عبد اللاه الترزى بالفجالة!

وبعد...

إن صحف العالم تصف تعيين حاكم مصرى لغزة ودخوله إليها لمباشرة سلطاته... بأنه جولة ربحتها مصر.

ولى كلمة أضيفها.

إنها أيضاً... بل أولاً... جولة ربحتها الأمم المتحدة!

الأربعاء:

يوماً بعد يوم يزداد اقتناعى بأن ذلك القرار كان أبرز نقط التحول فى المعركة التى خاضتها مصر ضد العدوان.

والقرار الذى أقصده هو قرار انسحاب القوات المصرية من سيناء والعودة بها كلها إلى غرب القناة.. إلى الدلتا، لتكون متصلة بقاعدتها، مرتكزة على أساسها، تحارب معركتها جبهة واحدة.

تذكرت ذلك القرار مرتين اليوم.

مرة فى الصباح ومرة فى المساء.

مرة فى الصباح وأنا أطالع البرقيات الواردة من القدس المحتلة تحمل تهديدات بن جوريون رئيس وزراء إسرائيل بأنه سوف يلجأ إلى استعمال ما يراه ضرورياً من إجراءات لسلامة إسرائيل إذا ما عادت القوات المصرية إلى غزة.

تهديد بالسلاح.. تصنع، ولكنه ملموس!

كيف كان شعورى وأنا أقرأ هذا التهديد؟

مزيجاً من انفعالات مختلفة، لم يكن القلق واحداً منها على أى حال، وأضيف بسرعة أننى لست من اللذين يستهينون بقوة العدو، ويتركون أمانيهم تفرش أمامهم طريق النصر، بالزهور والورود!

إنما البعد عن القلق كان مبعثه ذلك القرار المجيد.. قرار الانسحاب.

وما كان أكثر ما تتغير الصورة لو أن تهديد بن جوريون كان قد جاء بعد أن تحقق له الغرض الأساسى من مؤامراته فى 29 أكتوبر.

تلك المؤامرة كانت تهدف إلى إبادة القوات المسلحة.

وذلك الغرض ضاع على الذين سعوا إليه.

والجيش المصرى بكل أسلحته، قوى سليم، وعلى استعداد.

ولو أن قرار الانسحاب لم يصدر، أو لو كان هذا القرار تأخر، ثم تحطمت قوة مصر العسكرية واستحالت قطعاً محترقة من الحديد متروكة للصدأ على رمال سيناء.. إذن لكان ساعتها القلق.

كانت مصر اليوم تسمع تهديدات بن جوريون وهى ملقاة على الأرض تنزف دماً وذلاً.

بل لم تكن هناك حاجة بن جوريون إطلاقاً إلى أن يهدد مصر.

لمن كان يوجه بن جوريون تهديده ساعتها؟

للعدو الذى أجهز عليه؟

ولماذا يهدده؟

تكفيه إشارة إصبع.. أو نظرة عين، فيكون السمع وتكون الطاعة.

ولكن الصورة اختلفت بقرار واحد.

قرار واحد!

قلتها لنفسى وأنا أهز رأسى بعد أن فرغت من البرقية التى حملت إلى تهديد بن جوريون.

قلتها لنفسى، ثم استطردت:

قرار واحد، ولكن الله كان قائدنا حين اتخذناه!

ثم عدت إلى قرار الانسحاب مرة ثانية فى المساء.

عدت إليه أثناء حديث مع صحفى إنجليزى كان ملحقاً بالقيادة المتحالفة كما كانوا يطلقون على قيادة العدوان الثلاثى ضد مصر.

وكان هذا الصحفى الإنجليزى عائداً إلى مصر لأول مرة منذ خمسة شهور.

وطاف الحديث بنا حول الظروف التى مرت منذ التقينا لآخر مرة قبل أن تبدأ المؤامرة كلها.

وقتها كان هو فى القاهرة، ولكنه غادرها سعياً وراء أخبار المعركة الانتخابية فى الأردن.

ثم بدأت الحوادث، واستحال عليه أن يعود إلى القاهرة طبعاً.. وذهب يستطلع الأحوال ويتابع التطورات من قبرص!

عاش التجربة كما عشتها أنا بفارق واحد... كان فى الناحية الأخرى من خط القتال.

وهكذا لما التقينا اتجه بنا الحديث على الفور إلى الصورة كما كانت تبدو من هناك... من قيادة العدوان.

لقد كنا هنا نعرف الذى نفعله... ولماذا نفعله؟

وربما كنا أيضاً نعرف ما يفعلونه هناك... ولكننا لم نكن نعرف لماذا يفعلونه؟!

وتعاقبت أسئلتى واحداً بعد واحد.

متى... وكيف... وأين... ولماذا... حدث هذا ولم يحدث ذلك، ولماذا حدث على هذا النحو.. وكيف تصوروا موقفنا من هذه الخطوة أو تلك الحركة... إلى آخره.

وحين بدأ يتكلم وضع إصبعه، أول ما وضع، على قرار سحب الجيش المصرى من سيناء، ورأى أنها كانت أبرز نقط التحول فى اتجاه المعركة.

قال، وأنا أحاول أن ألتزم بقدر ما وعت ذاكرتى، حدود ما قاله، بل وأحاول أن ألتزم حدود ألفاظه.

قال:

"لم يعد سراً أنه كان هناك خلاف فى القيادة المتحالفة... خلاف فى دوائرها العليا...

أو بالتحديد خلاف بين الجنرال كيتلى القائد العام البريطانى للحملة على مصر، وبين الأميرال بارجو الفرنسى الذى كان يتولى منصب نائب القائد العام.

ولقد اشتد الخلاف بين القائد العام البريطانى، وبين نائبه الفرنسى، بسبب ظروف قرار الانسحاب الذى اتخذته القيادة المصرية.

وحين جاءت إلى القيادة المتحالفة فى قبرص أول أنباء تشير إلى أن الجيش المصرى بدأ يسحب قواته من سيناء كان هناك شك كبير فى صحة هذه الأنباء.

كان مبعث الشك أنه مستحيل أن تكون مصر تنبهت بهذه السرعة للهيكل الأساسى الذى كانت ترتكز عليه خطة غزو مصر.

وكان من بواعث الشك أيضاً أن جزءً كبيراً من تقدير موقف مصر كان مبنياً على أساس حرص مصر على عدم الانسحاب مهما كلفها من ثمن، حتى لا تتأثر هيبتها الظاهرية فى خيال الرأى العام العربى.

فلما جاءت التقارير بعد ذلك تفيد أن عملية الانسحاب مؤكدة، فقد الأميرال بارجو أعصابه.

أخذ يستحث الجنرال كبتلى على سرعة إنزال القوات فى بورسعيد حتى تلحق فتقطع الطريق على الجيش المصرى قبل أن يتم انسحابه من سيناء.

وكان الجنرال كبتلى لا يريد أن يجازف بعملية الإنزال قبل أن يكتشف سر سلاح الطيران المصرى، الذى كان قد اختفى من المعركة، وفشلت كل الجهود التى بذلت للعثور عليه.

ولكن الأميرال بارجو لم يكن يطيق الصبر.

كانت المعلومات التى تصله عن سير عملية انسحاب الجيش المصرى تثير أعصابه.

ولكن الجنرال كبتلى كان مشغولاً بإرسال الطائرات البريطانية كلها تفتش كل ركن فى مصر... فى الأرض الزراعية وفى الصحراء... بحثاً عن السلاح الجوى المصرى... وكان كبتلى يعتقد أن هناك مفاجأة كبرى تنتظره من وراء اختفاء الطيران.

ثم اكتشف كبتلى أثناء مناقشة دارت فى اجتماع لهيئة القيادة العليا للحملة أن نائبه الفرنسى الأميرال بارجو قد أعار إسرائيل كل الطائرات الفرنسية التى تعمل من حاملات الطائرات التى يضمها أسطوله.. أعارها كلها لإسرائيل تعمل فوق جبهة سيناء... ودون إذن منه.. وهو القائد العام للحملة.

وساءت العلاقات بين القائد العام البريطانى، ونائبه الفرنسى إلى الحد الذى اقتضى أن يطير أنتونى هيد وزير الحربية البريطانى، لكى يحاول بنفسه إزالة سوء التفاهم بين القائد العام ونائب القائد العام.

ثم تقرر بحضور وزير الحربية البريطانى أن يترك الجنرال كيتلى بحثه عن سر سلاح الطيران، ويسرع بالغزو!‍

ولم تكن قوات الإنزال جاهزة كلها.

وتقرر على أى حال إنزال جنود الباراشوت بسرعة فى بورسعيد على أن تلحق بها المجموعة الرئيسية لقوات الغزو.

ولم تستطع قوات الباراشوت أن تتقدم كثيراً من بورسعيد.

والخطير فى الأمر، أو نقطة التحول فيه، أن انسحاب الجيش المصرى كان قد تم تنفيذه، واحتشدت مجموعة الجيش المصرى الرئيسية غرب القناة.

وهكذا جاءت قوات الغزو وراء قوات الباراشوت لتجد أنها مضطرة للوقوف فى بورسعيد، لا تتقدم منها، إلا بعد أن تعيد تقدير موقفها على أساس أن الجيش المصرى استطاع إتمام انسحابه من سيناء وتمكن من تجميع قواته غرب القناة.

ولم يكن فى استطاعة كبتلى أن يتقدم على امتداد القناة وينشر قواته على جبهة رقيقة طولها أكثر من مائة ميل، هذا بينما أربع فرق مصرية على الأقل تحتشد فى مواجهته وتستطيع أن تقطع خطوطه فى أى مكان من الجبهة.

توقف تقدم قوات الغزو...

وكان لابد من إعادة تقدير الموقف.

وكانت الاستحالة العسكرية واضحة لأول وهلة.

ثم تطورت الظروف بسرعة وتوقف القتال.

واستطرد الصحفى الإنجليزى، وهذا كلامه بألفاظه:

- صدقنى لو لم يكن قرار الانسحاب قد نفذ بهذه السرعة، لكان كبتلى قد استطاع احتلال منطقة القناة... وكان الموقف كله قد انتهى‍!

قلت لنفسى مرة ثانية فى نفس اليوم:

- كان الله قائدنا حين اتخذنا ذلك القرار.

خبر له معنى

* السفن الصغيرة التى تمر الآن فى القناة، تدفع رسوم المرور كلها!

كلها هنا، معناها أن كل السفن تدفع، وتدفع كل رسوم المرور!

هل هذا مفهوم؟..
16/3/1957